احدث انهيار الجبهات العربية الثلاث امام جحافل قوات الاحتلال الإسرائيلي, وسقوط الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان بأيدي المحتلين الصهاينة قبل اربعة عقود, صباح يوم الخامس من حزيران عام ,1967 تبدلات عميقة في المجتمع العربي وفي صفوف حركة التحرر الوطني, وبشكل خاص الدول التي وقع عليها العدوان, كان أبرزها ظهور حركة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائـيلي, التي نجحت في استقطاب التعاطف والتأييد والمساندة الشعبية على امتداد الوطن العربي, واعتبر ظهور المقاومة الرد الطبيعي على فشل النظام العربي بكافة تلاوينه السياسية من توفير الأمن القومي لحماية الأراضي العربية من السقوط في ايدي المحتلين الصهاينة.
الرئـيس الراحل جمال عبد الناصر قدم استقالته بعد الهزيمة مباشرة معلنا تحمله المسؤولية الكاملة للهزيمة بصفته رئـيسا للدولة, ونزولا عند رغبة الجماهير الشعبية في مصرتراجع الرئـيس عن استقالته, كنت وما زلت اقدر تقديرا عاليا الدور الوطني والقومي للرئـيس الراحل جمال عبدالناصر سواء ما يتعلق بانحيازه للفئات الشعبية ومحاولته بناء قاعدة اقتصادية لدولة حديثة او انحيازه لحركات التحرر العربية والعالمية, بالاضافة الى النجاحات التي حققها خلال زمن قياسي باعادة بناء الجيش المصري بدعم من الاتحاد السوفييتي, مع ذلك لم تشهد مصر ولم تشهد دولة عربية واحدة تشكيل لجان تحقيق حيادية تتمتع بحصانة وصلاحيات واسعة تمكنها من استدعاء اي شخصية في الدولة, بهدف الوصول الى اسباب الهزيمة لغياب الديمقراطية, هذه الهزيمة التي ما زلنا نتجرع كأس مرارتها ونعاني من اثارها منذ عام 1967 فما زالت القدس تحت الاحتلال الاسرائـيلي وما زالت الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان تحت الاحتلال ايضا, ليس هذا فحسب بل هودت معظم الاراضي المحتلة واقيمت مئات المستوطنات عليها كما اقيم الجدار العازل وحولت الاراضي الفلسطينية الى جزر منفصلة وحرم الشعب الفلسطيني من اقامة دولته الوطنية.
الا يرقى هذا الحدث بتداعياته الخطيرة بمستوى تشكيل لجنة تحقيق لمعرفة اسباب الهزيمة! لا نطالب الان بتشكيل لجان تحقيق في هزيمة وقعت منذ اربعة عقود, لكننا ما زلنا مهزومين متى سيتمتع النظام العربي بالشفافية التي تلزم رئـيس الحكومة بتشكيل لجان تحقيق تكون قادرة على ادانته شخصيا في حال وجوب ما يبرر ذلك, الى متى سيبقى الوطن العربي محروما من ممارسة الديمقراطية, وتوفير الشفافية الكاملة لمعرفة ما يدور وراء الكواليس, الى متى سيبقى الوطن العربي مرتبطا مصيره وكيانه ومستقبله بأيدي اشخاص لم ينتخبهم احد, متى نحتفل بقيام حكومة عربية منتخبة, لا سلطان عليها الا للشعب الذي اوصلها الى قبة البرلمان ومكنها من تشكيل الحكومة, سوف نبقى مهزومين ما لم نتمكن من محاسبة حكومتنا في حال اخفاقها, وتكريمها باعادة انتخابها في حال نجاحها, سوف نبقى مهزرمين ما دمنا نحرم طلابنا من اختيار ممثليهم في اتحادات الطلبة في الجامعات.
اسرائـيل بعد هزيمتها بالصيف الماضي شكلت لجنة تحقيق خرجت بنتائج ادانت كافة المسؤولين المدنيين والعسكريين الذين لهم صلة بالهزيمة, وبذلك قطعت »الشك« باليقين حول حقيقة اثارت جدلا واسعا في الاوساط الرسمية اللبنانية والعربية, حقيقة ما جرى في الصيف الماضي, هزيمة ام انتصار, هزيمة اقر بها رئـيس الاركان الاسرائـيلي باستقالته الاستباقية, وتقرير لجنة فينوغراد اعتراف صريح بالهزيمة, وتحميل اولمرت وفريقه المدني والعسكري مسؤوليتها, هذا التقرير يعني شيئا واحدا, انتصار حركة المقاومة اللبنانية على اقوى الجيوش في الشرق الاوسط, هذه الحقيقة التي لا يستطيع احد ان ينكرها, ويمكن الاستناد عليها باعتماد المقاومة سلاحا ما زال ممكنا استخدامه في مواجهة الصهاينة لاعادة ما فقد في الحروب السابقة.