الأزمة الماليـة العالمية وتداعياتها على الاقتصاد العربي/ غازي الصوراني

 

 

 
 

 مقدمة إلى ندوة معهد دراسات التنمية المعقودة في فندق جراند بلاس 15-10-2008
 
إذا كانت السياسة هي تكثيف للاقتصاد ، فإن الاضطراب العام الذي يعرفه النظام الرأسمالي تعبيرا عما يجري في أسواق المال العالمية سيوفر بالضرورة مناخاً جديداً لمتغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية هامة على الصعيد العالمي، فمنذ تفجر الأزمة المالية في سبتمبر 2008 والعالم بأسره يراقب التداعيات الخطيرة للانهيار المالي الكبير في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي أصاب العديد من المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وانتقلت آثاره – بدرجات متفاوتة – إلى بلدان الاتحاد الأوروبي واليابان والصين، إلى جانب تراجع البورصات والأسهم في العديد من البلدان العربية والعالمية، وهي آثار جاءت انعكاساً للمقدمات أو البدايات الأولى لأزمة سبتمبر 2008 كما يشير –منير حمارنة- عندما تم الإعلان عن إفلاس اثنى عشر بنكاً أمريكيا خلال فترة قصيرة، ثم تلا ذلك الإعلان عن إفلاس رابع اكبر بنك في الولايات المتحدة “ليمان بروذرز”، ووقفت مؤسسة التأمين الأمريكية “أيه. أي. ج” على حافة الإفلاس ، حيث تم انتشالها نتيجة تدخل حكومي سريع. وجرى بعد ذلك ادماج بنك “ميريل لينش” مع بنك “أوف أميركا” ، هذا بعدما أممت الحكومة الأمريكية أهم شركتين للرهن العقاري وهما ” فاني ماي وفريدي ماك”.
بهذا التدخل تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن أيديولوجية الليبرالية الجديدة وطبقاتها المنفلتة التي بذلت جهوداً متعددة، وصلت حد التهديد والعدوان العسكري والاحتلال فيما يسمى ب”عولمة السلاح” لكي تفرض بالإكراه سياسات الليبرالية الجديدة بالنسبة لاقتصاد السوق وإزاحة دور الدولة في الاقتصاد إلى الحدود الدنيا، والاستسلام إلى آليات السوق باعتبارها قادرة على تعزيز أحادية العولمة الأمريكية وسيطرتها على مقدرات  العالم، كما توهم أصحاب هذه المدرسة من “ميلتون فريدمان” إلى ما يسمى بـ المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وبريطانيا .
وفي هذا الجانب، فإن العديد من الاقتصاديين والباحثين أكدوا أن الأزمة الحالية هي الأسوأ منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، وإن أسبابها تكمن في طبيعة النظام الرأسمالي، وهي أزمة عميقة للرأسمالية كنظام، تعني فشل ونهاية عصر “الرأسمالية المالية” بكل أرباحها الخيالية المصطنعة التي تتحقق في الأساس من المضاربات. فالرأسمالية المالية –كما يقول منير حمارنة- كانت تدير أموال وأنشطة العالم الاقتصادية بموجب عقلية المقامرين في كازينوهات القمار، وإن أسواق المال تحكمها نفس قواعد المقامرة التي تديرها المافيات . وهو ما ينطبق تماماً على قواعد اقتصاد السوق والاقتصاد الحر. علاوة على ذلك، فإن طبيعة التناقضات الملازمة لنمط الإنتاج الرأسمالي –كما يقول إرنست ماندل- تنفجر دوريا في أزمات فيض الإنتاج ، ذلك ان الميل إلى أزمات فيض الإنتاج الدورية ، والى سير الإنتاج بدورات يجتاز عبرها بالتتالي مراحل الإنعاش والرواج و”السخونة” والأزمة والكساد ، هذا الميل ملازم لنمط الإنتاج الرأسمالي ، وله وحده ، بحيث يمكن أن يختلف اتساع هذه التموجات بين حقبة وأخرى، غير أنها واقع حتمي في النظام الرأسمالي.
إن الذي يميز أزمة فيض الإنتاج الرأسمالية هو أن المداخيل تنخفض والبطالة تنتشر ، ليس لأن الإنتاج المادي قد انخفض بل عكس ذلك، لأنه ازداد بصورة تخطت بكثير القوة الشرائية المتوفرة. فينخفض النشاط الاقتصادي لأن المنتجات لم يعد بيعها ممكنا وليس لأنها نقصت ماديا .
إن أزمة فيض الإنتاج هي في آن واحد نتاج هذه العوامل والوسيلة التي يحوز عليها النظام الرأسمالي ليبطل مفعولها جزئيا، فالأزمة –كما يضيف ارنست ماندل- تؤدي إلى انخفاض قيمة البضائع وإفلاس منشآت عديدة، تتقلص بالتالي قيمة الرأسمال الإجمالي. هذا الأمر يسمح بإعادة صعود لمعدل الربح ونشاط التراكم، إذا لم تتمكن القوى الطبقية النقيض أو البديل اليساري الديمقراطي من تجاوز وتغيير النظام الرأسمالي نفسه.
على أي حال، فإنه بالرغم من ضخامة وحجم الخسارة المالية الناجمة عن هذه الأزمة، فإنها لم تراكم حتى اللحظة عوامل الانهيار الكلي أو الشامل للنظام الرأسمالي العالمي –خاصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذان يستحوذان على أكثر من ثلثي الناتج الإجمالي العالمي- لكنها بالتأكيد ستدفع نحو زيادة العوامل والتراكمات باتجاه المزيد من التفكك والتأزم في الاقتصاد الرأسمالي عموماً وفي منظومة العولمة الرأسمالية وأدواتها، (الصندوق والبنك الدوليين) وإيديولوجيتها الليبرالية الجديدة على وجه الخصوص، حيث سنشهد بالضرورة، وقبل نهاية العقد الحالي، تراجعاً حاداً في البعد الأحادي الأمريكي في السيطرة العالمية، سيؤدي إلى إزاحته ومن ثم إحلال شكل جديد من التعددية القطبية –في إطار النظام الرأسمالي في طور ما بعد العولمة-سيكون احد أهم رموزها – الاتحاد الأوروبي، واليابان، والصين وروسيا، وما سينتج عن ذلك من متغيرات اقتصادية عبر الدور الإكراهي للدولة الرأسمالية في التدخل الاقتصادي والعودة بشكل أو بأخر إلى معطيات المدرسة الكينزية بعد الفشل الذريع الذي أصاب مدرسة الليبرالية الجديدة وأدواتها وممارساتها من جهة كما سنشهد تغيرات سياسية على الصعيد الدولي، والإقليمي ستنعكس إيجاباً على دول أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا من حيث تفكيك أواصر التبعية السياسية والمالية والاقتصادية من جهة ثانية، علاوة على ما ستعكسه هذه التحولات الناجمة عن الأزمة الراهنة على هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها والعلاقات الدولية عموماً، باتجاه كسر هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية عليها، وفي كل الأحوال نحن العرب –وكل شعوب العالم- مقبلون على حقبة جديدة في حياة النظام الرأسمالي قد تدفع نحو نهايتها المحتومة أو قد تؤجل تلك النهاية وفق حركة وقدرات قوى البديل اليسار الديمقراطي في البلدان الرأسمالية أو في بلدان الأطراف، خاصة وان هذه القوى – في بلادنا كما في كل بلدان العالم- تدرك إن الأزمة الاقتصادية تفاقم التناقضات الاجتماعية ويمكنها أن تنفذ إلى أزمة اجتماعية وسياسية متفجرة. إنها تشير إلى أن النظام الرأسمالي أصبح ناضجا لاستبداله بنظام أكثر فعالية وأكثر إنسانية، لا يبذّر الموارد البشرية والمادية. لكنها لا تؤدي تلقائيا إلى انهيار هذا النظام، بل ينبغي أن يطيحه عمل واع من قبل الطبقات الفقبرة صاحبة المصلحة في التغيير عبر حركاتها واحزابها السياسية.
وفي هذا السياق أشير إلى أن المشكلة/الأزمة بدأت منذ زمن في الاقتصاد الأمريكي في سوق السلع والإنتاج وتزايد الخلل في الميزان التجاري الأمريكي وصولاً إلى أزمة العقارات التي انتقلت إلى السوق المالي والبنوك .. يمكن ملاحظتها في سياق تسلسلها الزمني[1] عبر تراكمات قديمة تواصلت حتى اللحظة لم يتناولها بالتحليل سوى القليل، فالافلاسات في الشركات الأمريكية قديمة، علاوة على استمرار ضعف النمو الاقتصادي، فبالرغم من انتصارها في الحرب الباردة، “تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تخسر حاليا سيطرتها الأحادية في نظام العولمة كما تخسر حرب البطالة والمخدرات والإنتاجية والتعليم، علاوة على تزايد أزمة الاقتصاد الأمريكي منذ عام 2000 وصولاً إلى سبتمبر2008 عبر جملة من المؤشرات :
1-حسب ميدل ايست اون لاين http://www.middle-east-online.com فقد أكد تقرير بنك الاحتياط الفدرالي عام 2001 على استمرار ضعف النمو في قطاعي الصناعة والتجارة مع اتجاه لمزيد من الخفض في أسعار الفائدة ، كما “شكل إفلاس كل من شركتي world com للاتصالات في يوليو 2000 التي بلغت ديونها 41 مليار دولار، وشركة انرون Enron وهي أكبر شركة في قطاع الطاقة التي تجاوزت إيراداتها 100 مليار دولار في ديسمبر 2001، أكبر حالتي إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة، مما كشف طبيعة الأزمة الموجودة في مفهوم السلطة السياسية corporate governance، كما طال مسلسل الفضائح شركة “زيروكس zerox” العالمية التي تعد أكبر شركة لتقنيات التصوير في العالم، كما تعرضت مؤسسة “جي-بي مورجان تشيس” ثاني أكبر شركة مصرفية قابضة في الولايات المتحدة، وشركة “ميريل لينش” المالية، ومؤسسة “كلوبال كروسينج” و”أديلفيا للاتصالات” و”تشارتر للاتصالات” ثاني أكبر شركة كابل” [2]، أما “بالنسبة لأثر هذه الأزمة على الاقتصاد الأمريكي، فإن أغلب التقديرات تشير إلى أن الخسائر قد طالت عددا كبيرا من المستثمرين الأمريكيين قدر حجم خسارتهم نحو 8.6 تريليون دولار”[3] .
2- من واقع قراءة الأرقام والبيانات الاقتصادية الهامة التي يوردها د.عبد الخالق عبد الله في دراسته المشار إليها ، فإن الولايات المتحدة تستهلك أكثر مما تنتج ، وتستورد أكثر مما تصدر ، وخلال السنوات الماضية سجلت الولايات المتحدة –كما اشرنا من قبل- أعلى حالات الإفلاس في كل تاريخها المعاصر ، (أكثر من (700) ألف حالة إفلاس) ، كذلك أخذت الولايات المتحدة تعاني من أكبر عجز مالي في العالم تجاوز 400 مليار دولار ، أما إجمالي ديونها فإنه قد تجاوز كل الأرقام القياسية بعد أن أصبح يزيد عن ثلاثة آلاف مليار دولار ، أي أكثر من 1.5 ضعف إجمالي الديون المترتبة على كل الدول الأخرى في العالم ، الى جانب أكثر من (10) مليون شخص عاطل عن العمل (8% من القوة العاملة) ، كما تراجعت الولايات المتحدة الى الدولة رقم (13) من حيث الإنفاق على الصحة ، والدولة رقم (17) من حيث الإنفاق على التعليم ، ورقم (29) من حيث عدد العلماء والفنيين بالنسبة الى إجمالي السكان، حيث أن لديها (55) عالما وفنيا فقط لكل ألف نسمة مقابل (317) عالما وفنيا لكل ألف نسمة في اليابان ، وبالنسبة لاستهلاك المخدرات والكحول فإن الولايات المتحدة هي الأولى في العالم في هذا المجال ، حيث أنها تستهلك 80% من إجمالي المخدرات في العالم ، وهي من أعلى الدول في العالم بالنسبة لحالات التفكك الأسري والعنف والاغتصاب والقتل،  حيث أصبح 50% من الشعب الأمريكي يتعرض لشكل من أشكال الإجرام ، ونسبة 21% من كل النساء يتعرضن للاغتصاب .
3- لقد بات من الواضح أن الاقتصاد الأميركي في السنوات الأخيرة يعاني عدة صعوبات من بينها الركود، فقد وصل عجز الموازنة الأميركية في العقد الأخير من القرن الماضي إلى ما يناهز 350 ملياراً وبلغ حجم الديون الخارجية 3.5 تريليون دولار، وزادت ديون الأفراد بنسبة 12 في المائة ، في حين لم يرتفع دخل الفرد إلا بنسبة 7 في المائة ، كما ارتفعت معدلات البطالة إلى 8 بالمائة . وخلال فترة التسعينيات هبطت معدلات البيع في أسواق السيارات والعقارات هبوطاً حاداً, وأصبحت سرعة الإنتاجية تقل ثلاث مرات عن مثيلاتها في اليابان ومرتين عنها في أوروبا الغربية، هذا بالإضافة إلى التردي الذي تعرفه الخدمات الصحية والتعليمية، وتزايدت نسبة الإقصاء والتهميش في أوساط الفئات الفقيرة, وتراجعت نسبة العلميين والفنيين حسب تقرير التنمية البشرية في العالم، فهناك 55 فنياً وباحثاً لكل ألف من السكان الأميركيين مقابل 129 في كل من السويد وهولندا، و257 في كندا و317 في اليابان، وتشهد المدارس والجامعات الأميركية حالات من التدهور ، يبرزها تراجع طلابها أمام الطلاب الأجانب وخاصة في مجال الرياضيات والكيمياء وعلوم الحاسب الآلي. وحسب “ايمانويل تود” صاحب كتاب: (ما بعد الإمبراطورية، دراسة في تفكك النظام الأمريكي) الذي يتنبأ بانهيار الولايات المتحدة الأميركية، وهو كان سبق وتنبأ بتفكك الاتحاد السوفيتي قبل عشر سنوات من انهياره، فإن أميركا بحاجة إلى 1.5 مليار دولار يومياً لتغطية العجز في ميزانها التجاري الذي قارب عام 2000 الـ 450 مليار دولار. وهو يعتبر أن أميركا عشية القرن الحادي والعشرين أصبحت غير قادرة على أن تعيش على إنتاجها وحده إذا شاءت الاحتفاظ بنفس مستوى المعيشة، ويتنبأ المؤلف الذي أثار كتابه ضجة, بأنه مع ازدياد قوة “أوراسيا” ستنخفض وتتوقف التدفقات المادية والمالية التي تغذي أميركا اليوم، مما سيجعل منها دولة مثل غيرها من الأمم.
4- الولايات المتحدة تعاني من عجز كبير في الموازنة يُقدَّر أن يصل إلى أكثر من سبعمائة مليار دولار[4]، وحسب ما يقول رجل الاقتصاد الأمريكي “وارن بافيت” (وهو ثاني أغنى رجل في أمريكا) فإن العجز المتوقع في الموازنة الأمريكية أو مجموع الديون الأمريكية سيصل عام 2015 إلى (11) تريليون دولار، وهذا يعني أن خزينة الولايات المتحدة ستتكبد فقط فوائد سنوية على هذه القروض تشكل حوالي خمسمائة وتسعين مليار دولار، ستكون عبء الفائدة التي ستتكبدها الخزينة الأمريكية، وقد حذر مدير مكتب الكونغرس في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الفرنسية في 6مارس 2004 إن العجز التجاري الأمريكي المتراكم قد يلامس 2600مليار دولار من الآن وحتى العام[5]2015 .
وفي هذا السياق يقول المفكر البريطاني “إريك هوبسبوم “والإمبراطورية الأميركية قد تسقط لأسباب داخلية، والأكثر إلحاحاً منها هو كون الامبريالية بمعنى السيطرة على العالم وإدارته، لا تثير اهتمام معظم الأميركيين الملتفتين بالأحرى إلى ما يحدث داخل الولايات المتحدة، فالاقتصاد هو على درجة من الوهن ما سيحمل الحكومة والناخبين الأميركيين يوماً على اتخاذ قرار بأن من الأهم الانكباب على هذا الأمر بدلاً من خوض المغامرات في الخارج”. أضف إلى ذلك أنه وكما يحدث حالياً أي تغطية افلاسات الشركات المالية الكبرى، سوف يكون على الأميركيين أنفسهم أن يمولوا جزءاً كبيراً من التدخلات الخارجية، وهذا ما لم يحدث لا في حرب الخليج ولا إلى حد كبير إبان الحرب الباردة” .
 5-ومع أول انفجار للأزمة في سبتمبر 2008 عبر أزمة الرهونات العقارية[6] ، حيث أعلنت شركتي “فاني فاي وفريدي ماك” إفلاسهما ، وكان ذلك الإعلان أساس العاصفة المالية ، حيث أن هاتان المؤسستان اللتان ترمزان إلى ضخامة الفقاعة المالية، كانتا تغطيان بمفردهما مخاطر 45 في المائة من القروض العقارية الأميركية. ولإنقاذهما من الغرق، قبِلت الخزينة الأميركية في بداية أيلول/سبتمبر أن تضخّ فيهما مبلغ 200 مليار دولار. وهذا يعتبر تأميماً عملاقاً يُشير إلى تبدلٍ في الحقبة التاريخيّة ، كما يقول إبراهيم ورده (ملحق لوموند ديبلوماتيك-أكتوبر 2008) ، وفي يوم 15/9 اكتشف المودعون وضعا ماليا نجم عن إفلاس مصرف Lehman Brothers ، وهو المصرف الاستثماري الخامس في العالم ، وأنّ مصرف Bank of America ، قد إمتصّ مصرف MerrillLynch، عملاق السمسرة، بمساعدة السلطات الأميركيّة الحكوميّة؛ في حين يتمّ التحضير لإنقاذ مجموعة التأمينAmerican International group (AIG) التي تحتّل المرتبة الأولى عالمياً في مجال التأمين ، ثم –كما يضيف إبراهيم ورده (لوموند ديبلوماتيك 10/2008)- أعلن السيّد هنري بولسن ، وزير الخزانة الأميركية، عن وضع ماردي القرض الرهنيّ ، جمعيّة National Mortgage Association (Fannie Mae) وشركة Federal Home LoanMortgage Corporation (Freddie Mac)، تحت الوصاية الحكومية .
وفيما يتعلق بنظام العولمة الأمريكي ، فإن البحث المدقق والمتعمق في صميم هيكل المجتمع الأمريكي وعلاقاته بالمنظومة العالمية يوضح أن طاقاته أقل من طموحاته. فالولايات المتحدة – كما أشرنا من قبل- تعانى من عجز مزمن في ميزانها التجاري إلى جانب ديونها المتراكمة[7] ، أي أنها لا توفر لباقي العالم الأموال اللازمة لدفع التوسع الرأسمالي قدماً ، وبما يضمن شروط إعادة إنتاج هيمنتها . وهو وضع يختلف عن وضع بريطانيا في القرن التاسع عشر-كما يقول سمير أمين بحق- ، حيث كانت الأخيرة تصدر أموالاً للعالم كله في ظل وجود فائض هيكلي للميزان التجاري البريطاني، ومن ثم توفرت لها الشروط الملائمة لإعادة إنتاج موقعها المهيمن . أما الولايات المتحدة –كما يستطرد سمير أمين- فهي أكبر مستورد للأموال، ومن ثم أصبحت مجتمعاً طفيلياً يمتص النصيب الأعظم من الفائض المنتج خارجه. ولا شك أن استمرار هذا الوضع الهش ، رهين برضوخ بقية بلدان العالم لتفاقم إفقارهم بلا نهاية. ونظراً لإدراك الولايات المتحدة التام لذلك ، فإنها تسعى بدأب إلى تعويض ضعفها الاقتصادي باستغلال تفوقها العسكري والنووي، الأمر الذي يجسد – في رأينا- ما يمكن تسميته بالهيمنة المأزومة والهروب إلى الإمام من ناحية ويؤكد بصورة قطعية خطأ طروحات واستنتاجات فرنسيس فوكوياما فيما يتعلق بزعمه حول نهاية التاريخ واقتصاد السوق والليبرالية الجديدة كإطار جامع ومستقبلي للبشرية، ولكن رغم ذلك لا بد من الإقرار بأنه بالرغم من تفاقم الأزمة المالية الراهنة، إلا أنها لم تمتد حتى اللحظة إلى توأمها الآخر، واقصد بذلك الاقتصاد العيني أو الإنتاجي والسلعي بكل جوانبه من ناحية كما ان ظروف العالم الرأسمالي عموماً وبلدان الأطراف خصوصاً لا تؤشر حتى اللحظة على توفر مشروع البديل الديمقراطي –اليساري كإمكانية واقعية من ناحية ثانية .
ومن ناحية أخرى ، فإن بعض ردود الفعل على الأزمة ، اتخذت طابعاً فكرياً ، فكثيرون هم الذين يرون أن الأزمة ذات طابعً أيديولوجي- سياسي بامتياز، لأن الليبرالية الجديدة التي شنت حملات متعددة الأوجه منذ سبعينات القرن الماضي لفرض اقتصاد السوق وتحرير الأسواق والأسعار، وإنهاء دور الدولة في الحياة الاقتصادية وتسليم الاقتصاد إلى القطاع الخاص، فشلت تماماً ، وأخذ العديد من الدول يعود الآن إلى التأميم لإنقاذ اقتصاده، ومن هذه الزاوية يمكننا أن نرى العديد من ردود الفعل والانتقادات والتي تمثل موقف قوى اجتماعية وسياسية واسعة في جميع البلدان ولأول مرة تظهر الليبرالية الجديدة محاصرة ومدحورة بهذا الشكل .
ولكن رغم كل مؤشرات التراجع والتأزم في بنية الاقتصاد الأمريكي، إلا أن العالم يقف مشدوهاً –كما يقول د.حازم ببلاوي- أمام ما يطلق عليه «الأزمة المالية» العالمية، فأكبر اقتصاد في العالم(الولايات المتحدة الأمريكية) مهدد بالانزلاق إلي هاوية الكساد والإفلاس، ومِن مَن ..؟ من أكبر وأعرق المؤسسات المالية الدولية في أمريكا وأوروبا، فكيف حدث ذلك؟ ولماذا هي «أزمة مالية» أكثر منها «أزمة اقتصادية»؟ فهي أزمة مالية أو هي أزمة في القطاع المالي يمكن أن تهدد بإغراق الاقتصاد الامريكي والاوروبي بأكمله إذا تفاقمت وادت إلى الانهيار المالي الشامل.
ومن هنا أهمية وضوح تحليلنا لهذه الأزمة الذي يتطلب أولاً فهم واستيعاب «البدهيات» والمبادئ الأولية لعلم الاقتصاد، التي تفرق بصورة أساسية بين ما يمكن أن نطلق عليه «الاقتصاد العيني أو الحقيقي» وبين «الاقتصاد المالي»، كما يرى بحق حازم ببلاوي شارحا الفرق بينهما بقوله :  ”فأما الاقتصاد العيني «وهو ما يتعلق بالأصول العينية Real Assets فهو يتناول كل الموارد الحقيقية التي تشبع الحاجات بطريق مباشر (السلع الاستهلاكية) أو بطريق غير مباشر (السلع الاستثمارية) .
«فالأصول العينية» هي الأراضي وهي المصانع، وهي الطرق، ومحطات الكهرباء، وهي أيضاً القوي البشرية. وبعبارة أخرى هي مجموع السلع الاستهلاكية التي تشبع حاجات الإنسان مباشرة من مأكل وملبس وترفيه ومواصلات وتعليم وخدمات صحية ، وهكذا فالاقتصاد العيني أو الأصول العينية هو الثروة الحقيقية التي يتوقف عليها بقاء البشرية وتقدمها . وإذا كان الاقتصاد العيني هو الأساس في حياة البشر وسبيل تقدمهم، فقد اكتشفت البشرية منذ وقت مبكر أن هذا الاقتصاد العيني وحده لا يكفي بل لابد أن يزود بأدوات مالية تسهل عمليات التبادل من ناحية، والعمل المشترك من أجل المستقبل من ناحية أخري.
وهكذا –كما يضيف د.ببلاوي- بدأ ظهور مفهوم جديد اسمه «الأصول المالية» Financial assets، باعتبارها حقاً علي الثروة العينية. وأصبح التعامل يتم علي «الأصول المالية» باعتبارها ممثلاً للأصول العينية. فالبائع ينقل إلي المشتري حق الملكية، ومن ثم ظهرت فكرة «النقود» التي هي أصل مالي، بمعني أنها بمثابة «حق» ليس علي أصل بعينه (أرض معينة أو سلعة معينة) وإنما هي حق علي الاقتصاد العيني كله. فمن يملك نقوداً يستطع أن يبادلها بأي سلعة معروضة في الاقتصاد من السلع والخدمات المعروضة ، أي أن «النقود» هي أصل مالي ممثل عن الاقتصاد العيني.
ولم يتوقف تطور «الأصول المالية» علي ظهور حق الملكية أو ظهور النقود كحقوق مالية علي الاقتصاد بل اكتشفت البشرية أيضاً أن الكفاءة الاقتصادية تزداد كلما اتسع حجم المبادلات، فالقابلية للتداول Negotiability ترفع القيمة الاقتصادية للموارد. ومن هنا ظهرت أهمية أن تكون هذه الأصول قابلة للتداول ، وهكذا –كما يستطرد د.ببلاوي- جاء ظهور الأوراق المالية من أسهم وأوراق تجارية وسندات مما زاد من حجم الأصول المالية المتداولة والتي تمثل الثروة العينية للاقتصاد. وساعد وجود هذه الأصول المالية المتنوعة علي انتشار وتوسع الشركات وتداول ملكيتها وقدرتها علي الاستدامة ، ثم يضيف بقوله : “ولكن الأمر لم يقتصر علي ظهور هذه الأصول المالية الجديدة (أسهم وسندات) بل ساعد علي انتشار تداولها ظهور مؤسسات مالية قوية تصدر هذه الأصول باسمها، وحيث تتمتع بثقة الجمهور مما أدي إلى زيادة تداول هذه الأسهم والسندات بين الجمهور” ، فمن ناحية ظهرت البورصات التي تتداول فيها هذه الأصول المالية، ومن ناحية أخرى فإن المؤسسات المالية الوسيطة (البنوك بوجه خاص) حين تمول الأفراد فإنها تحل، في الواقع، مديونية هذه البنوك التي تتمتع بثقة كبيرة لدى الجمهور محل مديونية عملائها، ومديونية هذا العميل للبنك تستند إلي ملاءة هذا العميل والثقة فيه .
وهكذا لعب القطاع المصرفي – والقطاع المالي بصفة عامة – دوراً هائلاً في زيادة حجم الأصول المالية المتداولة وزيادة الثقة فيها.
ومن هنا –كما يستنتج د.ببلاوي- بدأت بوادر أو بذور الأزمات المالية وهي بدء انقطاع الصلة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني. وأصبحت للأسواق المالية حياتها الخاصة بعيداً عما يحدث في الاقتصاد العيني.. ثم يضيف “ومن هنا أيضا تظهر حقيقة الأزمة المعاصرة باعتبارها أزمة «مالية» بالدرجة الأولي نجمت عن التوسع الكبير في الأصول المالية علي نحو مستقل ـ إلي حد كبير ـ عما يحدث في «الاقتصاد العيني»، ويرجع ذلك إلى المؤسسات المالية التي أسرفت في إصدار الأصول المالية بأكثر من حاجة الاقتصاد العيني، ومع هذا التوسع الكبير في إصدار الأصول المالية، زاد عدد المدينين، وزاد بالتالي حجم المخاطر إذا عجز أحدهم عن السداد.
ورغم أن البنوك المركزية تراقب البنوك التجارية في ضرورة احترام هذه النسب، فإن ما يعرف باسم بنوك الاستثمار في الولايات المتحدة لا يخضع لرقابة البنك المركزي وفق شروط اتفاقية “بازل”[8] ، ومن هنا توسعت بعض هذه البنوك في الإقراض لأكثر من ستين ضعف حجم رؤوس أموالها كما في حالة UBS، ويقال إن الوضع بالنسبة لبنك Lyman كان أكبر، وهذه الزيادة الكبيرة في الاقتراض تعني مزيداً من المخاطر إذا تعرض بعض المدينين لمشكلة في السداد كما حدث بالنسبة للأزمة العقارية الناجمة عن توسع المؤسسات المالية في الإقراض بسبب بسيط –كما يقول د.ببلاوي- وهو “الجشع greed ، فمزيد من الإقراض والاقتراض يعني مزيداً من الأرباح قصيرة الأجل حيث يتوقف عليها حجم مكافآت الإدارة. وهكذا أدي الاهتمام بالربح في المدة القصيرة إلى تعريض النظام المالي للمخاطر في المدة الطويلة” دون أن يعني ذلك – كما أشرت في البداية- إلى أن هذه الأزمة تؤشر لانهيار كلي وشامل في بنية النظام الرأسمالي في المدى الزمني القصير على الأقل.
أما عن سبب ولادة الأزمة الراهنة ، يقول منير حمارنةفي البداية كانت المصارف ومؤسسات البناء تجذب الإيداعات من المدخرين، ثم تقدمها على شكل قروض للذين يريدون شراء المنازل . وكانت المعادلة هذه سهلة جداً، من المدخر إلى المقترض عبر المصرف أو المؤسسة. ثم اتسعت العملية ، إذ من أجل زيادة الأرباح زاد التوجه إلى الاستدانة من المصارف الأخرى لتقديم القروض العقارية . وتحولت هذه المصارف الوسيطة إلى مؤسسات للتمويل الشمولي لقطاع العقارات، وأصبح لها حملة أسهم وإدارات نشطة تسعى لجني الأرباح ثم تفتق ذهن العاملين في هذا القطاع لزيادة الأرباح عبر أسلوب يقضي بتجميع القروض السكنية وبيعها كسندات أمان لمصارف أخرى أو لمستثمرين ماليين، وأدت مختلف الإيداعات الجديدة إلى زيادة وتنويع مصادر المخاطر.
في البداية لم تكن هناك مشكلة ، كانت السوق العقارية تزدهر والمصارف تستعيد الأموال المقترضة من خلال ارتفاع أسعار العقارات، وأصحاب المنازل كانوا يتحملون تسديد ديونهم وحتى أخذ قروض جديدة. ثم أخذت المصارف تقرض دائنين لا مداخيل لديهم، وتعتمد على احتمال ارتفاع أسعار العقارات. ولكن عندما وصلت هذه العمليات الذروة في الأرباح والاستدانة، أخذت أسعار العقارات تتراجع وتتباطأ منذ عام 2006، مما أصبح يؤثر تدريجياً على قدرة المستدينين في تسديد ديونهم. هكذا هبط سوق القروض العقارية، وكشفت خسائر دائني القروض، واتضح أن أسعار العقارات جراء هذه المضاربات المتلاحقة والمتعددة قد جرى تضخيمها.
 ومن الواضح أنه لم يكن من المتوقع أن تستمر حركة الرهن العقاري والربح العقاري على خطها المستقيم صعوداً كما حصل لمدة 18 عاماً، لأن طبيعة الدورة الاقتصادية، كما يعرفها ماركس، تلعب دورها في الاقتصاد الرأسمالي الذي يحرك الاستثمار فيه عامل الربح فقط. فالدورات الرأسمالية استندت إلى عامل الربح إلى أن بلغت الأرباح الذروة، ثم أخذت تتراجع وتتحول إلى خسائر كما هي طبيعة الدورة، حيث يواجه كل حالة صعود حالة هبوط” .
وفي هذا السياق تشير مجلة الايكونومست البريطانية –كما أوردها منير حمارنة- إلى أن صناعة المال الأمريكية حصلت على 10% من إجمالي أرباح الشركات عام 1980 مقابل قروضها وخدماتها المختلفة لهذه الشركات، في حين أن حصة صناعة المال الأمريكية تضاعفت أربعة أمثال مع العام الأخير 2007، حيث تبلغ تقديرات أرباح المال المباشرة في العقد الأخير 1.2 تريليون دولار. ومع هذه الأرباح الخيالية فإن صناعة المال تحولت إلى الصناعة الرأسمالية الأولى وتراجعت أهمية القطاعات الإنتاجية والخدمية الحيوية وأصبح تدوير الأموال في الأسهم والسندات والمشتقات المالية المبتكرة والمضاربات في المعادن والنفط يأتي في مقدمة الأنشطة الرأسمالية ويتفوق على ما عداه من حيث الأرباح والأهمية .
وفي ظل هذه الهزات المالية العنيفة فإن المؤسسات المالية الأمريكية فقدت نحو 1.2 تريليون دولار من القيمة الاسمية لأسهمها منذ أغسطس / آب 2007. ولا يقل عن ذلك خسائر سوق العمل، حيث فقد مائة ألف وظائفهم في القطاع المالي منذ بداية العام الحالي وهناك 50 ألف وظيفة أخرى في الطريق إلى الضياع. ومع إفلاس بنك ليمان براذرز فقد 26 ألفاً وظائفهم في القطاع المالي الأمريكي .
  أما د.ببلاوي ، فإنه يرى أن الأزمة ولدت نتيجة ما أطلق عليه أزمة الرهون العقارية، فالعقارات في أمريكا هي أكبر مصدر للإقراض والاقتراض، فالحلم الأمريكي لكل مواطن هو أن يملك بيته، ولذلك فهو يشتري عقاره بالدين من البنك مقابل رهن هذا العقار، ثم ترتفع قيمة العقار، فيحاول صاحب العقار الحصول علي قرض جديد نتيجة ارتفاع سعر العقار، وذلك مقابل رهن جديد من الدرجة الثانية، ومن هنا التسمية بأنها الرهون الأقل جودة، وبالتالي فإنها معرضة أكثر للمخاطر إذا انخفضت قيمة العقارات، ولكن البنوك لم تكتف بالتوسع في هذه القروض الأقل جودة، بل استخدمت «المشتقات المالية» لتوليد مصادر جديدة للتمويل، وبالتالي للتوسع في الإقراض.. كيف ..؟
عندما يتجمع لدى البنك محفظة كبيرة من الرهونات العقارية، فإنه يلجأ إلي استخدام هذه «المحفظة من الرهونات العقارية» كضمان للاقتراض الجديد من السوق عن طريق إصدار سندات أو أوراق مالية مضمونة بالمحفظة العقارية، وهكذا فإن العقار الواحد يعطي مالكه الحق في الاقتراض من البنك، ولكن البنك يعيد استخدام نفس العقار ضمن محفظة أكبر، للاقتراض بموجبها من جديد من المؤسسات المالية الأخرى، هكذا أدى تركز الإقراض في قطاع واحد «العقارات» على زيادة المخاطر، ويأتي العنصر الثالث والأخير وهو نقص أو انعدام الرقابة أو الإشراف الكافي على المؤسسات المالية الوسيطة .
وقد تكاتفت هذه العناصر علي خلق هذه الأزمة المالية، ولم يقتصر أثرها علي التأثير علي القطاع المالي بل إنه هدد أحد أهم عناصر هذا القطاع وهو «الثقة» فإن الأمور تصبح أكثر خطورة إذا فقدت الثقة أو ضعفت في النظام المالي الذي يقوم علي ثقة الأفراد .
ويزداد الأمر تعقيداً نتيجة للتداخل بين المؤسسات المالية في مختلف الدول، فجميع المؤسسات المالية ـ وبلا استثناء ـ تتعامل مع بعضها البعض، وأي مشكلة عويصة تصيب إحدى هذه المؤسسات، لابد أن تنعكس بشكل مضاعف علي بقية النظام المالي المعولم.
وهكذا نجد أن الأزمة المالية الحالية هي نتيجة للتوسع غير المنضبط في القطاع المالي في الولايات المتحدة ومن ورائه في بقية دول العالم المتقدم، والسؤال –كما يطرحه د.ببلاوي- : “هل يمكن التجاوز أو الاستغناء عن هذا الاقتصاد المالي بأدواته المتعددة ومؤسساته الكثيرة؟ للأسف لا يمكن ، فالأصول المالية أصبحت مثل الدورة الدموية في الجسم، فلا يكفي أن يكون في جسم الإنسان أعضاء رئيسية مثل القلب والمعدة والرئتين، بل لابد من دورة دموية تنقل الغذاء وتطلق الحركة في جسم الإنسان، وهكذا أصبح الاقتصاد لا يكتفي بالمصانع والأراضي الزراعية، بل إن ما يحركها هو أصول مالية مثل الأسهم والسندات والنقود، وهناك الادخار والاستثمار الذي يتحقق من خلال أدوات مالية، ولذلك فإن علاج الأزمة المالية ضروري ولا يمكن تجاهله”، وهذا ما بادرت اليه فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي فور تفجر الأزمة في الولايات المتحدة التي تركت تأثيرها على العديد من المؤسسات المالية الأوروبية وغيرها بسبب انتشار حالة الذعر لدى البنوك والأشخاص ، ولذلك قامت الدول الأوروبية بضمان ودائع المدخرين في بنوكها إلى جانب دعم المؤسسات المنهارة باشراف الدولة ورقابتها للحد من حالة الذعر ونشر الطمأنينة والأمان في أوساط المودعين من ناحية ولحماية النظام الرأسمالي – وفق أسس جديدة بالطبع- من ناحية ثانية، انطلاقا من ادراك كافة القيادات السياسية وخبراء الاقتصاد في اوروبا والولايات المتحدة بان الازمة المالية قد تؤدي إلى حدوث ركود عالمي بسبب أثارها المدمرة التي ضربت المؤسسات المالية في الولايات المتحدة واوروبا كما توقع “سايمون جونسون” كبير خبراء صندوق النقد الدولي الذي اشار إلى أن خطة الإنقاذ الأميركية[9] ، التي تبلغ كلفتها 700 مليار دولار لا تعدو كونها “إجراء طارئا” لن يحول دون انكماش خطير لأكبر اقتصاد في العالم، ثم يضيف “سايمون” أن الولايات المتحدة تسير -في أحسن تقدير- نحو ركود اقتصادي حاد، وفي هذا السياق قال الاقتصادي “جوزيف ستيغلتز” أن أمريكا  لن تتمكن من إعادة الاستقرار تماما للاقتصاد، وشبّه الاقتصادي الفائز بجائرة نوبل الخطة بعملية نقل دم إلى شخص يعاني من نزيف داخلي، وأضاف أن الخطة ربما تمنع حالات إفلاس وتحول دون ضياع الرهون العقارية التي كانت سببا في الأزمة المالية، لكنها لن تحقق توازنا ماليا للأسواق. وفيما يتعلق بمستقبل الوضع الاقتصادي توقع “ستيغلتز” أن تشهد المرحلة المقبلة انخفاضا في الإنفاق وتراجعا في الاستهلاك وفي الناتج الإجمالي المحلي.
فالأزمة هذه المرة انطلقت من وول ستريت على خلفية الهبوط الحاد لقيمة العقارات فيالولايات المتحدة وفي كل الأحوال فإن الاعتراف بالتداعيات الجيوسياسية لا يقل إيلاما للولايات المتحدة وأوروبا عما ستدفعه محلياثمنا لسياسات التبذير، حيث أصبح تحول القوة الاقتصادية العالمية نحو الشرق شيئا مألوفا في الخطاب السياسي. الجميع في الغرب يتحدثون برعب عن سرعة النمو في الصين[10] وعن بروز الهند كلاعبجيوسياسي، وعن الأدوار المتزايدة للبرازيل وجنوب أفريقيا في العلاقات الدولية، فاين الدور العربي في الملعب القومي والاقليمي والدولي؟
على أي حال، إنني أدعو كافة القوى اليسارية الماركسية العربية الى ان تبادر بالأخذ والاستفادة من العبر والدروس المرتبطة بهذه الازمة. وفي هذا الجانب فان الدرس الكبير هو أنه لا يمكن للغرب أن يواصل الاعتقاد بأن النظام العالمي سيعادتشكيله بالشكل الذي يريده ، ذلك يعني أن المرحلة أو العهد الذي امتد أكثر من قرنين مارست الولايات المتحدة وأوروباهيمنة اقتصادية وسياسية وثقافية هينة. إن ذلك العهد في طريقه للأفول .
وتأكيداً لهذه الاستنتاجات، نورد في هذه الدراسة بعض أفكار “فرانسيس فوكوياما” أكثر المحافظين الجدد تشددا ، التي قام بنشرها عبر مقالة له بعنوان “انهيار أميركا كمؤسسة” في مجلة نيوزويك أول أكتوبر 2008 ، يقول “إن الولايات المتحدة لن تنعم بوضعها الذي ظلت تتمتع به حتى الآن كقوة مهيمنة على العالم, وهو ما أكده الغزو الروسي لجمهورية جورجيا في 7 أغسطس/آب الماضي” ، وأضاف “أن قدرة أميركا على صياغة الاقتصاد الدولي عبر الاتفاقيات التجارية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ستضعف وستتضاءل معها موارد البلاد المالية, كما أن المفاهيم والنصائح وحتى المعونات التي تقدمها للعالم لن تحظى بذلك الترحيب الذي تتلقاه الآن”.
ووصف فوكوياما الشرق الأوسط على وجه الخصوص بأنه “حقل ألغام لأي إدارة أميركية, حيث تدعم أميركا حلفاء غير ديمقراطيين مثل السعوديين, وترفض التعامل مع جماعات مثل حركة حماس وحزب الله التي تولت زمام السلطة عبر انتخابات” ، ويرى أن ذلك يفرغ الولايات المتحدة من مصداقيتها حينما تدافع عن الحريات .
وفي مقال للصحفي “هوارد لا فرانتشي” نشرته صحيفة ذي كريستيان ساينس مونيتور 10/10 قال إن التصريحات التي انطلقت من أماكن عديدة من العالم معتبرة الأزمة نهاية للولايات المتحدة كقوة عظمى, أو البيانات المتحفظة من القادة الأوروبيين بانبلاج عهد جديد متعدد الأقطاب, كلها توصلت إلى نتيجة مفادها أن بنية القوة العالمية المستندة إلى الهيمنة والزعامة الأميركية تعيش حالة من الفوضى ولن تقوم لها قائمة مرة أخرى.
وفي هذا السياق، تنبأ عالم الاجتماع بجامعة ييل “إيمانويل وولرشتاين” – منذ ثمانينيات القرن الماضي بزوال الإمبراطورية الأميركية، وإن ما فعله بوش هو أنه جعل التراجع البطيء تتسارع خطاه .
ففي سيئول يرى الكثيرون في الأزمة الأميركية الحالية خطرا عظيما، وعلى حد تعبير وزير المالية الكوري الجنوبي “فأن كثيرا من الكوريين يستغربون كيف بدت الولايات المتحدة هشة لهذا الحد” وبسبب هذه الأزمة، اتخذت الحكومة البريطانية – بداية شهر أكتوبر 2008- خطوات للتأميم الجزئي لنظام البلاد البنكي المترنح، كما بدأ الزعماء الأوروبيون, وبزعامة الرئيس الفرنسي “نيكولا ساركوزي” يطالبون بقانون دولي واسع جديد لفرض الرقابة على الأسواق المالية العالمية .
هذه الدعوات وجدت صداها حتى عند صندوق النقد الدولي الذي كان يتصدر المروجين للسوق الحرة في ما وراء البحار، وهذا ما عكسه قول مدير الصندوق الدولي ”دومينيك ستراوس” : “من البديهي أن الأزمة الحالية ناتجة عن فشل ذريع في التنظيم والإشراف في الدول المتقدمة … وفشل في آليات انضباط السوق” .
أما رئيس البنك الدولي “روبرت زوليك” فقد حاول التقليل من آثار الأزمة ومخاطرها بقوله “أعتقد أن الناس في الدول السائرة في طريق النمو وكذلك تلك المتقدمة مرتبكون بسبب الأحداث الحالية المروعة”، كما وأعرب “زوليك” عن قلقه من الضرر الاقتصادي الذي قد يلحق الدول النامية جراء الأزمة المالية التي تعصف بالعالم، خاصة أن هذه الدول تعاني بالفعل من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، دون ان يشير ابداً إلى ان الأزمة تكمن في سياسات الليبرالية الجديدة والسوق الحر، وهو أمر غير مستغرب من رئيس البنك الدولي احد أهم دعامات تلك السياسات.
أما بالنسبة للصين الشعبية في ظل الأزمة الراهنة ، فإن “من ينظر إلى العالم حاليا يجد أن الصين تتقدم بشكل جيد على عكس الولايات المتحدة” كما يقول مدير معهد بيترسون للاقتصاد الدولي “سيفريد بيرغستن” , ويضيف أننا قد “نشهد تراجعا عن العولمة في الأسواق المالية”، ويضيف بقوله: “فبالرغم من أن الصين وجدت نفسها مضطرة هذا الأسبوع لتخفيض نسبة الفائدة على غرار البنوك المركزيةالغربية وهذا ما قامت به دول آسيوية صغرى ، وبالرغم من أن الركود الذي تعرفه الولايات المتحدةوأوروبا سيبطئ نمو الاقتصادات الآسيوية الصاعدة ،فإن الصينيون يتمتعون بالثقة بكل وقار . متأكدين من أنهم سادة العالم الجدد –الآن أو في وقت قريب جدا”، الأمر الذي أكده بثقة رئيس الوزراء الصيني ، الذي قال بوضوح إن اقتصاد بلاده لا يتمتع بحصانه من الأزمة، “لكن على العكس من الولايات المتحدة وأوروبا التي تتجه نحو الركود أو تعاني منه ، تطبق الصين مقاييس مالية دقيقة للتأكد من استمرار النمو”.وقد أعلنت الصين مؤخرا أن لديها 1.9 تريليون دولار احتياطي نقدي هو الأعلى من أي احتياطي في أي دولة من دول العالم .
 
أما الحديث عن خطة “الإنقاذ” الأمريكية (700 مليار $) فهي لا تعدو كونها خطة للحد من الانهيار وليست خطة للإصلاح في النظام المالي أو الرأسمالي عموماً، حيث نلاحظ تواصل مؤشرات الأزمة (التي يبدو أنها امتدت إلى ألمانيا وبريطانيا).
ففي بريطانيا عقر الخصخصة تم تأميم بنك نورثرن روك البريطاني للتمويل العقاري والاستغناء عن أكثر من 2000 موظف في إطار جهود الحكومة البريطانية لإخراج البنك من أزمته الطاحنة وخسائره الضخمة من جراء تلك الأزمة . وأعلن “رويال بنك أوف أسكتلند” (آر بي اس) البريطاني عن خسائر بلغت 691 مليون جنيه إسترليني (35 .1 مليار دولار) في النصف الأول من العام الجاري .
وفي ألمانيا قرر مصرف “كوميرتس بنك” ثاني أكبر البنوك الألمانية الاستغناء عن تسعة آلاف وظيفة في إطار صفقة شراء منافسه دريسدنر بنك . وبلغت قيمة الصفقة 5 .14 مليار دولار فيما يوصف بأنه أكبر عملية إعادة هيكلة في القطاع المصرفي الألماني منذ أكثر من سبعة أعوام .
وفي هذا السياق أشار مدير صندوق النقد الدولي إن الاضطرابات في أسواق الائتمان والمال العالمية منالمرجح أن تستمر مع قلق المستثمرين من حدوث خسائر مالية، وأضاف “الأشهر المقبلة ستظل تشهد تحديات في أسواق المال والمؤسسات وليس من “المتوقع أن تعود أوضاع الائتمان لطبيعتها قريبا وعملية التكيف قد تتعطل وقد يؤثرذلك ليس فقط على الأسعار بل على مدى توافر الائتمان”[11] ، وقد يؤدي تفاقم هذه الأزمة إلى أن يحل “اليورو” مكان الدولار على صعيد التعامل الدولي خلال الأعوام القليلة المقبلة ، وفق التحليل الذي قام به كل من البروفيسور “منزي شين” من جامعة وسكونسين والبروفيسور“جيفري فرانكل” من جامعة هارفارد ، فقد قاما –قبل ثلاث سنوات- بإجراء عمليات حسابية تظهر أن اليورو سيحلمحل الدولار خلال 10-15 سنة كعملة لأكبر الاحتياطات في العالم، ولكن تحليلهما لميستند إلى هذه الأزمة، حيث أن هذه الأزمة يمكن أن تؤدي بسهولة إلى تسريع هذهالتوجهات .
و ذكر كل منهما سببين لتدهور الدور الدولي للدولار الأمريكي :
الأول، العجزالمستمر في الحساب الجاري الذي اقترن بتدهور في سعر صرف الدولار على المدى البعيدوربما الطموحات الإمبريالية المبالغ فيها، أيضاً .
الثاني، ظهور بدائل حقيقيةللدولار .
فاقتصاد منطقة اليورو أصبح ضخماً مثل اقتصادالولايات المتحدة تقريباً، وربما يتخطاه من خلال استمراره في التوسع. كذلك، أسواق السندات في منطقة اليورو أصبحت الآن بالقدر نفسه من العمقوتوافر السيولة مثل نظيراتها في الولايات المتحدة.
ويعتقد الباحث الياباني “فولف جانج مونشو” أنه خلال سنوات معدودة أن يصمد اقتصاد منطقة اليورو أمام الصدمات الاقتصادية الناشئة عنأزمة الائتمان، على نحو أفضل نسبياً.
وأضاف “مونشو” أن التداعيات الجيوسياسية المرتقبة لهذا الانتقال هائلة جداً. وبدايةً، ستفقد الولايات المتحدة امتيازاتها الهائلة – المتمثلة في قدرتها علىتحقيق عائدات عالية وثابتة على الدوام من الأصول الأجنبية أكبر من العائدات التيتدفع للأجانب الذين يستثمرون في الولايات المتحدة. وسيتوقف الدولار فجأة عن أن يصبح “”عملتنا نحن، ومشكلتكم أنتم”. وسيتضاءل النفوذ في المؤسسات المالية الدولية ثم يضيف “مونشو” بقوله : إن فقدان “الدولار دور العملة الدولية الرائدة لن يؤدي إلى ضياع النفوذ السياسي فحسب، وإنماأيضا ضياع السلطة، حيث يعتقد  “أن السياسيين ليس بوسعهم فعل الكثير لمنع حدوث مثل هذا التحولالذي هو أشبه بالزلزال، متهما المؤسسة السياسية الأمريكية بأنها ليست مدركة حتىالآن لما سيحل بها”، وذلك بسبب تخلي الاقتصاد العالمي الجديد عن الطرق الاستثمارية التقليدية والاتجاه إلى الاستثمار في المضاربات في أسواق المال العالمية فاقم حجم المشكلة، وترافق ذلك مع تحرير أسواق المال ونزع كل القيود المنظَمة لها، مما حول الاستثمار إلى ضرب من “القمار” بدلاً من النظم التقليدية المستندة إلى قواعد تنظيمية واضحة.
ولكن على الرغم من الكارثة المهولة التي حلت بالاقتصاد العالمي فان الاصوات التي تطالببفرض قيود على اسواق المال لتحجيم الاضرار التي تسببت ويمكن ان تتسبب بها هذهالأصوات مازالت ضعيفة.
وإذا نجح الرهان الفرنسي في العمل على ترجيح كفة اوراسيا في سلطة القرار الاقتصاديالدولي فان ذلك من شأنه أن يحجم نزعة التفرد الاميركي في شؤون العالم .
 
حول الأزمة الاقتصادية وتأثيرها على الأسواق المالية العربية :
إن مظاهر التراجع أو الانهيار التي أصابت المكونات السياسية الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا العربية التي تعيش ثلاث أزمات خانقة (أزمة سياسية، أزمة اجتماعية، أزمة اقتصادية)، لم يكن ممكناً لها أن تنتشر بهذه الصورة بدون تعمق المصالح الطبقية الانانية للشرائح الاجتماعية البيروقراطية والكومبرادور التي كرست مظاهر التخلف عموماً والتبعية خصوصاً في هذه البلدان بما يضمن تلك المصالح ، فالعجز في الميزان التجاري، وتراجع الانتاج هو أحد تعبيرات التخلف في تطوير الصناعة التحويلية، وتزايد مظاهر وأدوات التبعية التجارية ، وكذلك الأمر بالنسبة للعجز في ميزان المدفوعات ، والديون والمساعدات المالية وتحكم الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الوطني كمظهر أساسي من تجليات التبعية المالية رغم الارتفاع الكمي في الناتج المحلي الإجمالي لبلدان الوطن العربي الذي وصل عام 2006 إلى 1276 مليار دولار، ومن المتوقع أن يصل في نهاية العام 2008 إلى حوالي 2 تريليون دولار.
ولكن يبدو أن الصعود المتدرج بخط الهزائم العربية منذ بداية القرن العشرين إلى يومنا هذا ، بل واستمرار صعوده وتجدده عبر تفكيك المفكك أو ما يسمى بـ “الشرق الأوسط الجديد- دون أية آفاق واعدة في هذا القرن الحادي والعشرين ، يبرر هذه الحالة من الانكفاء أو ما أسميه ” الميل نحو الاستسلام ” ، والأسباب في ذلك كثيرة ومتعددة الجوانب والمنطلقات ، لكن الشريان الرئيسي المغذي لكل هذه الأسباب والنتائج السياسية والمجتمعية الهابطة، هو العامل الاقتصادي وتطوره المحتجز في المقام الأول ، إذ انه لم يكن ممكناً لخط الهزائم الصاعد والمتجدد أن يستمر بدون استمرار وتعمق التبعية بكل أشكالها واشتراطاتها وما يترتب عليها من اوضاع اجتماعية تصل الى درجة الانحطاط .
فبالرغم من ارتفاع الناتج المحلي العربي الإجمالي إلى ما يزيد عن 1.5 تريلون $ لعام 2007 ، الا ان قسماً كبيراً من هذا الناتج لم يوظف في تطوير البنية التحتية والمستشفيات والمدارس والجامعات والتقدم العلمي ومشاريع الرعاية الاجتماعية ودعم السلع الغذائية للفقراء من ناحية، وفي تطوير الصناعات التحويلية العربية وتطوير الانتاجية الزراعية والتوسع في الاراضي الزراعية من ناحية ثانية، حيث بقيت القطاعات الاقتصادية الخدماتية والاستهلاكية ومظاهر الإنفاق الباذخة هي السائدة في البلدان العربية، وخاصة النفطية منها (او بلدان أمراء ومشايخ الصحراء)، دونما أي تطوير نوعي لقطاعات الانتاج الزراعي والصناعي، كما استمر إيداع او توظيف اموال النفط خارج البلدان العربية، وفق شروط رأس المال المالي الأمريكي والغربي علاوة على شروطه السياسية، حيث تقدر الأموال المودعة او الموظفة في الخارج بما يزيد عن الف مليار دولار متراكمة منذ اكثر من ثلاثة عقود الى يومنا هذا، في مقابل تزايد حالة التدهور الاقتصادي وتراجع عناصر النمو والتنمية، وتزايد مظاهر الافقار والبطالة في البلدان غير النفطية التي تضم 78% من السكان، فعلى سبيل المثال نورد فيما يلي مقارنة بين فلسطين، باعتبارها الحلقة الأضعف في الاقتصاد العربي من ناحية واولويتها في الدعم الاقتصادي بسبب ظروف الحصار والعدوان الإسرائيلي من ناحية ثانية، وبين اصغر دولة من دول الخليج العربي ونقصد بذلك قطر[12] التي لا يزيد سكانها عن ثمانمائة ألف نسمة، تحقق ناتجاً اجمالياً او دخلاً سنوياً بلغ 42.5 مليار دولار، بمعدل دخل حسابي للفرد يصل إلى 35345 دولار سنوياً، في حين لا يتجاوز الناتج الإجمالي السنوي لابناء شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع عن أربعة مليارات دولار بمعدل دخل حسابي للفرد الف دولار فقط سنوياً، وفي هذا الجانب نشير إلى ان الاقتصاد الفلسطيني يمكن ان يحقق نسبة نمو تزيد عن 8% سنوياً اذا توفر له استثمارات بمعدل 3 مليار دولار سنوياً!!؟ ، وهذا المبلغ لا يتجاوز نسبة 03% (ثلاثة بالالف) من إجمالي الناتج المحلي العربي، واقل من 1% من إجمالي دخل او مساهمة النفط لعام 2006.
نستنتج مما تقدم أن خط او عوامل التراجع والهبوط والهزيمة، ما زالت مهيمنة على أوضاعنا العربية، والمؤشرات على ذلك كثيرة، نذكر منها:
       إستفحال مظاهر التبعية بكل أشكالها السياسية والتجارية والمالية والثقافية والنفسية.
   استمرار تراكم عوامل العجز في توفير مقومات الاكتفاء الذاتي الغذائي العربي، فالمعروف ان الطلب على الغذاء ينمو بمعدل 6 % سنوياً في حين أن الإنتاج لا تزيد نسبة نموه عن 2 – 3% فقط ، ففي عام 2006 زاد العجز التجاري الزراعي العربي عن 27 مليار دولار ، كما زاد العجز التجاري الغذائي عن 20 مليار دولار حسب التقرير الاقتصادي العربي 2007.
   انخفاض –وهشاشة- حجم التجارة البينية العربية منذ إعلان تأسيس السوق العربية بحيث لا تتجاوز نسبة 11.3% من إجمالي التجارة العربية الخارجية لعام 2006 البالغة (1032.6) مليون دولار.
   تراكم مظاهر التخلف التي لم تؤثر سلباً على القطاعات الإنتاجية – الزراعة والمياه بشكل خاص – فحسب ، وإنما امتد تأثيرها على الجامعات ومؤسسات التطور والبحث العلمي، حيث تشير البيانات إلى ضعف وهشاشة مخصصات البحث العلمي التي لا تزيد عن نصف بالمائة او ما يعادل 5.33 مليار دولار بمعدل 242 مليون دولار فقط لكل دولة عربية على حدا، في حين أن هذه النسبة تزيد في إسرائيل عن 3% او ما يعادل 3.9 مليار دولار من الناتج الإجمالي الإسرائيلي.
   لجأ العديد من الحكومات والأفراد والشركات إلى إيداع فائض ما توفر لديهم من أموال النفط، في المصارف الأوروبية والأمريكية، ويتم التداول الآن بأرقام خيالية من الأموال العربية في الخارج، على شكل إيداعات أو استثمارات أو سندات خزانة أو أسهم، وتحاط الأرقام الحقيقية بسرية تامة، خاصة الحسابات في المصارف، إلا أن الأرقام تشير إلى وجود (283 ألف حساب مصرفي) لعرب غير مقيمين في الولايات المتحدة وحدها. وتقول بعض الأرقام “أن مجمل التوظيفات والودائع السعودية التابعة للحكومة ومؤسسات خاصة وأفراد، يقارب في الولايات المتحدة وحدها 500 مليار دولار يقابلها 250 مليار دولار لدول التعاون الخليجي”
   السمة الغالبة للنظام العربي الراهن، وهي الارتهان للنظام الرأسمالي في شكله المعولم الراهن، او استمرار عملية التكيف السلبي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والعلمي …الخ، وما يعنيه من تعمق التبعية بكل انواعها (التجارية والمالية والنقدية والسياسية والثقافية والنفسية).إلى جانب تزايد الامية المنتشرة في أرجاء الوطن العربي البالغ عدد سكانه في نهاية 2006 (324) مليون نسمة منهم 65 مليون أمي أي بنسبة اجمالية تصل إلى 25% ، حيث تراوحت نسبة الامية في الفئة العمرية 15 سنة فما فوق بين 7 % في الكويت و41 % في السودان ، وبلغت في العراق 59 % ، وفي اليمن 47 % وفي موريتانيا 48 % وفي المغرب 49 % في عام 2003 ، أما في مصر فقد بلغت عام 2004 نسبة 28 %، وحوالي 30% في الجزائر و23 % في سورية و21 % في تونس و 8 % في فلسطين ، وفي هذا السياق نشير إلى ارتفاع نسب الامية بين الاناث لتصل إلى 76% في العراق و70 % في اليمن و61 % في المغرب و56 % في موريتانيا و40 % في مصر و39 % في الجزائر و36 % في سوريا و29 % في تونس و12 % في فلسطين و9 % في الكويت .
   تفاقم مشكلة البطالة في الوطن العربي لتصل إلى 17.85 مليون عاطل بنسبة 15% من مجموع العمالة العربية البالغة عام 2006 (119) مليون عامل، وتزايد الفجوة في متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي الاجمالي ، حيث يبلغ متوسط دخل الفرد حوالي 35 ألف دولار سنويا في قطر و33 ألف دولار في الامارات و14 ألف دولار في السعودية ، في حين بلغ في فلسطين أقل من 1000 دولار سنويا للفرد وفي قطاع غزة أقل من 800 دولار وفي اليمن 760 دولار وفي مصر 1273 دولار وفي سوريا 1542 دولار وفي السودان 830 دولار وفي موريتانيا 650 دولار ، وهذه الارقام توضح التفاوت الكبير في الدخل بين ابناء الوطن العربي … وسؤالي هنا ؟ الا يشكل هذا التفاوت الهائل في دخل الفرد العربي حافزا للنضال الديمقراطي السياسي من أجل تغيير هذه الأنظمة  ومن ثم تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية المستقلة المعتمدة على الذات، بما يمكننا من توفير معوقات التطور الصناعي والاقتصادي والاجتماعي، علاوة على امتلاك مقومات الردع والقوة العربية لمجابهة وهزيمة دولة العدو الاسرائيلي .
   تزايد الاعتماد في تأمين المواد الغذائية الأساسية على الغرب ووفق شروط منظمة التجارة الدولية، فالوطن العربي يعتمد على الخارج بنسبة 70% من احتياجاته من القمح، و74% من السكر و62% من الزيوت، عدا عن أن رفع الدعم عن السلع الزراعية في أوروبا وأمريكا سيرفع فاتورة المواد الغذائية من 20 مليار دولار الى حوالي 25 مليار دولار، وما يعنيه ذلك من تزايد الغلاء والإفقار وغير ذلك . مثال على هزال العرب: في السودان حوالي 650 مليون دونم صالحة للزراعة لا يزرع فيها سوى 30 مليون فقط، ممكن أن نزرع القصب والقمح والشعير والذرة والحبوب والفواكه ونكتفي ذاتياً في كل بلدان العرب … لكن؟!! .
   من المتوقع – في ظل بقاء الوضع الراهن – تزايد حجم الديون الخارجية والداخلية العربية الى اكثر من 800 مليار دولار مع نهاية العقد الأول من هذا القرن( بلغت قيمة خدمة الديون العربية حوالي 19 مليار دولار عام 2006 )، إلى جانب استفحال ظاهرة اندماج أسواق المال العربية في الأسواق الدولية (اقتصاد المحاسيب Crony Capitalism أو اقتصاد الكازينو).وفي هذا السياق نشير إلى مجموع قيمة الأسلحة والمعدات العسكرية التي لم تستعمل قط وبلغت 20 تريليون دولار خلال العقود الثلاثة الماضية .
   في ضوء إلغاء الحدود الجمركية وفتح الأسواق – خاصة بعد عام 2005 – ستتعرض الصناعات الوطنية العربية – إلى انهيار شبه شامل نتيجة إغراق السوق المحلي العربي بالسلع والمنتجات الأجنبية في ظل غياب القدرة على المنافسة.
   تراجع القوة التصديرية العربية – ما عدا النفط – في مقابل تنامي القوة التصديرية لكل من تركيا و”إسرائيل” ، نتيجة التراجع والركود السياسي/ الاقتصادي العربي وليس نتيجة لغياب الإمكانيات العربية … فالدخل القومي العربي ضعف دخل الهند !!!
   غياب تفعيل القرارات الخاصة بمشاريع التكامل الاقتصادي العربي وهي مشاريع تم إقرارها على الورق منذ عام 1950 قرار إنشاء المجلس الاقتصادي العربي، واتفاقية التجارة والترانزيت عام 1953، واتفاقية الوحدة الاقتصادية عام 1957 واتفاقية الصندوق العربي للإنماء عام 1967 وصولاً إلى مصادقة 18 دولة عربية على اتفاقية منظمة التجارة العربية الحرة عام 1997 دون تفعيل حقيقي.
   وفي هذا السياق لا بد أن أشير إلى النفط العربي بما له من تأثير رئيسي على ما نحن فيه من تبعية وتخلف وخضوع، فقد كان النفط – وما زال – محوراً رئيسياً للمنافسة والصراع بين أقطاب النظام الرأسمالي، الأمر الذي أدى إلى سيطرة التحالف الامبريالي المعولم على النفط العربي، الذي تجاوز الاستهلاك اليومي العالمي منه 85 – 90 مليون برميل سيصل إلى 120 مليون برميل عام 2015[13] (روسيا تحاول إنشاء منظمة أوبك) مع آسيا ومع الجزائر . ( الولايات المتحدة تستهلك 20 مليون برميل يوميا).
أما تداعيات الأزمة المالية على الأسواق المالية العربية (الدول النفطية العربية) والتي تمتلك أسواقاً مالية أكثر انفتاحاً على الأسواق الدولية ، فقد تتأثر بهذه الأزمة باعتبار أن عوائد النفط فيها يشكل المصدر الأساسي لها ومن المؤكد أن فوائضها المالية ستتراجع بما ينعكس على مشاريع التنمية فيها بحجم الاستثمارات العربية الكبيرة في الأسواق المالية الأمريكية.
أن آثار الأزمة المالية على الدول العربية يرتبط بمدى علاقة سوق الأوراق المالية في الخليج والسعودية خصوصا بالسوق العالمية ، فالمصارف في هذه الدول لها أسهم في السوق المالية ومؤسسات تشارك في البورصة في أعمال بيع وشراء سندات هذه القروض وبالتالي ستترك آثارها على السوق المالية العربية.
ان سياسة الاعتماد على الذات في تجارب التنمية، والانخراط بحساب في اقتصاديات العولمة، كانت –ومازالت- مطلباً لعدد من الاقتصاديين بالدول العربية، إلا أن الساسة- في النظام الرسمي-  كان لهم رأي آخر، حيث غيرت النظم الاقتصادية جلدتها، وارتدت قبعة الرأسمالية. فلم يتم الاستفادة من العوائد النفطية، ولم تحل مشكلات البطالة والفقر، ولم يتغير موقف ميزاننا التجاري، وبقي التعليم والبحث العلمي في مراتع التخلف، ونشطت قطاعات الخدمات، بينما تخلفت قطاعات الإنتاج في ظل تبعية كاملة لاقتصاديات العولمة.
هذه التبعية كان نتيجتها أننا بتنا نتأثر بأي صدمات اقتصادية تحدث على الصعيد العالمي، عموماً، والأزمة المالية الراهنة على وجه الخصوص، إذ أن العديد من المؤشرات تؤكد وجود مخاطر عديدة من المتوقع أن تلم باقتصاديات الدول العربية، وبخاصة الخليجية منها، وذلك على عدة أصعدة.. فستمنى الاستثمارات العربية في الخارج بخسائر ضخمة تقدر بنحو 1.4 تريليون دولار، بعضها في شركات الرهن العقاري، وبعضها بالبنوك التي أعلن عن إفلاسها وتم بيعها لبنوك أخرى، وسوف تكون الخسائر العربية في إطار ملكيتها لأسهم أو وجود حصص ملكية مباشرة في هذه البنوك، ويزيد من احتمالية وجود خسائر عربية من جراء هذه الأزمة التوجه الخليجي بامتلاك حصص كبيرة في مؤسسات مالية وبنوك من أجل تنوع الاستثمارات بعيدا عن النفط والغاز، فضلا عن خسائر الاستثمارات العربية المباشرة في قطاع العقارات في أمريكا والغرب .
هناك أيضا مخاطر على مستقبل الصناديق السيادية، والتي تمتلكها بعض بلدان الخليج، والتي تقدر استثماراتها بنحو 750 مليار دولار، حيث منيت هذه الصناديق بخسائر كبيرة خلال العام الفائت، وستمنى خسائر أكبر ارتباطاً بالأزمة الأمريكية، كذلك من المتوقع أن يشهد قطاع العقارات في المنطقة العربية نوعا من الركود خلال المرحلة المقبلة، تأثرا بالأزمة العالمية .
وستظل البورصات العربية التي تسمح للأجانب بالتعامل في حالة تذبذب واتجاهات نحو الانخفاض نظرا لرغبة الأجانب في تسييل محافظهم المالية من أجل تدعيم مراكزهم المالية في الدول الأم، وهو ما أكده واقع أداء الأسواق العربية على مدار شهر أغسطس وسبتمبر وأول أكتوبر الحالي .
وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية قد حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر إعادة النظر –الإكراهية الطارئة- في سياسة السوق الحرة أو سياسة “دعه يعمل دعه يمر” دون أية ضوابط ، والتدخل لحماية بعض مؤسساتها المالية الكبرى، فإنه من المؤسف أن صناع السياسة الاقتصادية ومتخذي القرار في المنطقة العربية عندما قيدوا أنفسهم بالاقتصاد الأمريكي والغربي لم يسعوا لوجود مساحة تسمح لهم بالاستقلالية وتخفيف حدة المخاطر، فلم نسمع حتى الآن عن إجراءات اتخذت للتخفيف من حدة المخاطر المتوقع حدوثها.
فهل تفيق الدول العربية وتستوعب الدرس في ظل استمرار أوضاعها على ما هي عليه ؟ الجواب بالطبع .. لا ، بالرغم من بعض الإجراءات الوقائية التي بدأت في تطبيقها أو التفكير فيها ، بعض الدول العربية ، نذكر منها تونس التي اتخذت –كما يقول محافظ البنك المركزي التونسي توفيق بكار- سلسلة من الإجراءات الاقتصادية لتفادى تداعيات الأزمة المالية العالمية . سواء على مستوى التصرف في الاحتياطي من العملة الصعبة للبلاد أو على مستوى القوانين المنظمة للقروض السكن .
وعبر –توفيق بكار- عن اعتقاده بان هذه الأزمة ستؤدى إلى اعتماد تشريعات أكثر صرامة في هذه المجالات كما ستفرض على السلطات النقدية إعادة توجيه البنوك نحو تمويل قطاعات الاقتصاد الحقيقي على غرار الأنشطة والاقتصاد في الطاقة والتكنولوجيات الحديثة إلى غير ذلك وهى أنشطة لا تقبل البنوك على تمويلها حاليا .
بالنسبة للدول العربية الأخرى ، فقد تباينت تداعيات الأزمة الاقتصادية الأمريكية على أسواقها المالية ، ما بين قوية ومتوسطة ، وإن كانت معظم البنوك المركزية العربية، خاصة الخليجية منها، تتكتم على حجم الخسائر التي لحقت بها جراء تلك الأزمة حسب تقرير بثته الـ “سي ان إن” على موقعها الالكتروني .
أما في مصر ، فقد أكد بعض المسئولين فيها حدوث “تأثيرات طفيفة” على السوق المحلية ، أهمها تراجع مؤشر البورصة المصرية يوم 8/10 بنسبة 11.8% ، لكن مخاطر الأزمة ستظل في حدود ضيقة بالنسبة للمؤسسات والبنوك المصرية نظراً لأنها لا تستثمر فوائضها المالية لدى بنوك الاستثمار الأمريكية أو الأوروبية، وبالتالي فان الأموال المصرفية آمنة ، لكن هذا الوضع الداخلي لا يمنع تأثيرات الأزمة ونتائجها الضارة على الاقتصاد المصري إذا ما أدت إلى تراجع أو توقف المعونات المالية الغربية .
أما الأردن : فلم يشهد اقتصاده حتى الآن أية تداعيات سلبية على قطاعاته الاقتصادية ، باستثناء ما يحدث في بورصة عمان التي تراجعت خلال الأيام الثلاثة الماضية حوالي 8.2 بالمائة وفقدت القيمة السوقية للأسهم 2.77 مليار دينار بقي الأداء في القطاعات الأخرى على حاله من دون تغيير.
في المدى القريب , ستبقى بورصة عمان وكل البورصات العربية المكان الذي تتقلب فيه تداعيات الأزمة بفضل العامل النفسي الذي يسيطر على السوق من جانب, وتزايد أعمال المضاربة من جانب آخر , إلا ان ما يحدث قد يتسبب في زيادة تشدد البنوك في عمليات الإقراض وتقديم التسهيلات, الأمر الذي قد يؤثر سلبا على النشاط الاقتصادي ، وفي هذا السياق يحلل الباحث فهمي الكتوت تداعيات الأزمة على الاقتصاد الأردني بقوله “من الصعب القول أن الاقتصاد الأردني لن يتأثر في الأزمة الاقتصادية التي يشهدها النظام الرأسمالي ، على الرغم من بعض التطمينات, صحيح أن نسبة استثمارات الأردنيين في اسواق المال العالمية متواضعة, إلا أن ملكية غير الأردنيين في الشركات المساهمة الاردنية تشكل حوالي 50% من رأسمال هذه الشركات, وان حالة الفزع والذعر انتقلت سريعا لاسواق المال العربية, ان كل الاسباب متوفرة للعولمة الرأسمالية لتصدير ازمتها الى مختلف دول العالم وفي عدادها الاردن, خاصة وان شبح الازمة الاقتصادية يلف معظم الدول الرأسمالية,ويستطرد الكتوت قائلا : ” قد نشعر بالارتياح لانخفاض اسعار بعض السلع والمواد الاولية بسبب الكساد, إلا أن هذا العنصر الايجابي في الأزمة نتاج مرض اقتصادي وليس ناجما عن ظاهرة صحية, ونحن لسنا محصنين من عدوى هذا المرض لهشاشة اقتصادنا وضعفه من جهة, ولعولمة رأس المال من جهة أخرى , وخاصة في ظل مناخ اقتصادي عالمي لا يشكل حافزا لتقديم المنح والمساعدات للدول الفقيرة مما قد يحرمنا من بعض المساعدات الخارجية في السنوات القادمة” .
أما في إمارات/مشيخات الخليج فقد تراجع مؤشر بورصة الدوحة بنسبة 3.8% يوم 8/10 في أكبر تراجع لها منذ سنوات عديدة ، كما تراجعت البورصة في دبي لتصل إلى 6.9% .
وفي أبو ظبي فإن قطاعي البنوك والعقارات سيكونان الأكثر تضررا من الأزمة المالية العالمية إذا ما استمر تفاقمها ، لأن الأزمة المالية لم تجمد أية مشاريع تنفذها أبو ظبي في أي مجال من المجالات حتى منتصف أكتوبر الحالي ، علما بأن كلفة المشاريع الحالية[14] التي تقوم بتنفيذها أبو ظبي تزيد عن 1.2 تريليون درهم (328 مليار دولار) ، وفي كل الأحوال فإن الوفرة المالية الكبيرة لأبو ظبي (كما هو حال السعودية والخليج) الناتجة عن تزايد وضخامة ناتجها المحلي ستجعل تأثير الأزمة المالية عليها محدودا ، وهناك أنباء تصدرت الصحف اليومية عن قرب اندماج بنكي أبو ظبي الوطني وأبو ظبي التجاري ، وهما أكبر بنوك الإمارة لمواجهة تداعيات الأزمة ، علما بأن الحكومة تملك نسبة تزيد عن 60% من البنكين .
وافتتحت سوق المال السعودية (البورصة الأكبر في العالم العربي) مداولاتها الأربعاء 8/10 بتراجع تجاوز 5.7 بالمائة للمرة الأولى منذ أكثر من 52 شهراً ، لكن “السعودية” لن تتأثر كثيرا بتداعيات هذه الأزمة ، لأن موجودات مؤسسة النقد السعودي (البنك المركزي) تجاوزت حسب المصادر الصحفية مستوى 1.6 تريليون ريال (ما يعادل 433 مليار دولار) لأول مرة على الإطلاق خلال شهر أغسطس 2008 .
أما في سوريا ، فهي حسب العديد من آراء الخبراء الاقتصاديين فيها لن تتعرض – بنفس الوتيرة- لآثار هذه الأزمات نظرا لضعف علاقة مؤسساتها الاقتصادية وبنوكها بالمؤسسات المالية الأمريكية .
بالنسبة لآثار الأزمة العالمية على الاقتصاد الفلسطيني ، رغم أن الاقتصاد الفلسطيني ضعيف وهش وتابع للاقتصاد الإسرائيلي ، علاوة على محدودية قدراته وطاقاته بسبب استمرار تواصل الحصار والعدوان منذ سنوات ، علاوة على الانقسام الجاري حاليا بين غزة والضفة الذي أدى إلى شبه انهيار في القطاعات الإنتاجية ، الصناعة والزراعة إلى جانب التجارة والخدمات والإنشاءات مما أدى إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة بنسبة لا تقل عن 40% ، مع تزايد نسبة البطالة إلى أكثر من 30% ، والفقر إلى أكثر من 80% ، والفقر المدقع إلى حوالي أكثر من 45% ، أما بالنسبة للاستثمار العام فقد بلغ عام 2006 (149.6 مليون دولار) والاستثمار الخاص (664.4 مليون دولار) والإجمالي العام للاستثمار (814 مليون دولار) بنسبة 19.5% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 4172 مليون دولار (حسب بيانات المراقب الاقتصادي الاجتماعي الصادر في آب/2008) ، أما بالنسبة للاستثمارات الخارجية في الاقتصاد الفلسطيني ، فتكاد تكون معدومة وبالتالي ليس هناك ما يبرر القلق من تأثيرات مباشرة للأزمة المالية على الاقتصاد الفلسطيني عموما والبنوك والبورصة خصوصا ، يؤكد على ذلك ما أعلنه خبراء وممثلي القطاع الخاص الفلسطيني في لقاءهم المشترك في رام الله يوم 12/10/2008 من أن “تأثير الأزمة التي تعصف بالاقتصاد العالمي على الاقتصاد الفلسطيني محدود جدا لان ارتباط هذا الاقتصاد بالأسواق المالية العالمية شبه معدوم” حسب ما نشرته جريدة القدس 13/10/2008 .
 
   لعل في كل ما تقدم ما يستدعي المزيد من الوعي بالأزمة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتشخيصها، للتأكد من علاقة الترابط بين العولمة والتبعية والتخلف التي تحكم وتهيمن وتحتجز التطور العربي، وصولاً إلى صيغة البديل القومي النهضوي العلماني الديمقراطي العربي كطريق وحيد للخلاص من كل هذه القيود .
   لكن الإشكالية الكبرى أننا نعيش أزمة اقتصادية في الوطن العربي ، لكن الأزمة الاقتصادية – كما يقول المفكر العربي الشهيد مهدي عامل – غير كافية لتوليد أزمة سياسية تنتقل فيها المبادرة داخل الصراع الاجتماعي العام من الطبقة المسيطرة إلى الطبقات صاحبة المصلحة في البديل الديمقراطي ، فما دامت ” الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة هي الممارسة المسيطرة ، فإن هذه الطبقة ليست في أزمة سياسية بالرغم من أزمتها الاقتصادية والأيديولوجية ، ولكي تكون الطبقة المسيطرة في أزمة سياسية فعلية ، فلا بد أن تكون السيطرة في الحقل السياسي للصراع الطبقي ، إي للممارسة السياسية الديمقراطية للطبقة النقيض ، فالأزمة التي تعاني منها حركة التحرر الوطني العربية في وضعها الراهن ليست فقط أزمة قيادتها الطبقية البرجوازية التابعة ، بل هي أزمة البديل الديمقراطي لهذه القيادة .
   وفي هذا السياق فإن الحديث عن كسر نظام الإلحاق أو التبعية الراهن سيكون ضربا من الوهم إذا لم نمتلك وضوح الرؤيا للمخاطر الجدية التي سيظل يفرضها النظام الرأسمالي على مقدرات شعوبنا العربية ومستقبلها ، سواء ظل نظام العولمة قائما أو في ظل التعددية القطبية الرأسمالية التي قد تنجم عن الأزمة الحالية .
   أما المسألة الثانية ، التي لاتنفصم عن الأولى ، بل ترتبط بها ارتباطاً جدلياً فهي تتلخص في إعادة تفعيل مشروع النهضة القومية الوحدوية العربية بأفقها التقدمي الديمقراطي ، كفكرة مركزية توحيدية في الواقع الشعبي العربي ، ونقلها من حالة السكون أو الجمود الراهنة إلى حالة الحركة والحياة والتجدد ، وهي مهمة لا تقبل التأجيل ، من أجل إنضاج الفكرة التوحيدية السياسية الاقتصادية على الصعيد الوطني والقومي والإنساني بما يمكننا ليس فقط من مجابهة آثار أزمات النظام الرأسمالي بل كسر التبعية لهذا النظام صوب الاستقلال والنهوض والتقدم والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المصادر :
1.    سمير العيطة – دراسة بعنوان الازمة وآثارها على العالم العربي.(www.mafhum.com).
2. غسان بن عامر – الحكومة التونسية تقر توجيه عمليات توظيف العملة نحو ادوات الاستثمار الأكثر أمناً، وتتبنى برامج لتحسين القدرة التنافسية. (www.middle-east-online.com).
3.    فيصل جلول – الرساميل المتوحشة إذ تلتهم بعضها البعض. (www.middle-east-online.com).
4.    خطة الانقاذ: علاج مؤقت لنظام اقتصادي فقاعي. (www.middle-east-online.com).
5.    سانا- سوريا- الأزمة الاقتصادية الراهنة وتأثيرها على الأسواق المالية العربية (www.sana.sy) .
6.    سانا-سوريا دراسة حكومية تدعو لدمج الاقتصاد غير المنظم بالمنظم (www.sana.sy).
7.    عبد الحافظ الصاوي – أزمة الرهن العقاري .. كأس وكل العرب شاربه (www.islamonline.net).
8.    تونس العرب اونلاين: اجراءات تونسية لتفادي تداعيات الأزمة المالية العالمية (www.alarabonline.org).
9.    العرب اليوم – تداعيات متباينة ل”الزلزال” الأمريكي على الأسواق العربية (www.alarabalyawm.net).
10.           الوطن السعودية – مجلس الغرف يبحث مع مؤسسة النقد والمصارف تداعيات الأزمة (www.argaam.com).
11.    أرقام – موجودات مؤسسة النقد السعودي تتجاوز مستوى الـ1.6 تريليون ريال الاول مرة على الاطلاق خلال شهر اغسطس بفضل زيادة الودائع الحكومية (www.argaam.com).
12.    أرقام – للعام الثاني على التوالي: قطر الأقل فساد والأعلى شفافية في منطقة الخليج وعمان تحقق اكبر تحسن والسعودية الأسوأ حسب تقرير منطقة الشفافية الدولية (www.argaam.com).
13.           سانا- سوريا: أزمة الرهن العقاري تطغي على السياسة (www.sana.sy).
14.    د. عبد العاطي محمد – هموم مشتركة في المشهد العربي بعد 35 عاماً من حرب اكتوبر (www.arabi.ahram.org.eg).
15.           البيان: الاقتصادات العربية تتخبط بين التصريحات الوردية ومخاوف المستثمرين.
16.           العرب اليوم – شومان: السياسة المصرفية الحصيفة جنبتنا تداعيات الأزمة المالية (alarabalyawm.net).
17.           سلامة الدرعاوي – تداعيات الأزمة المالية على الاقتصاد الاردني (www.alarabalyawm.net).
18.    العرب اليوم: 11% نسبة زيادة ايرادات “الاراضي والمساحة” – 5 مليارات دينار حجم التداول العقاري حتى نهاية ايلول- الجنسية الكويتية في المرتبة الاولى تليها العراقية في بيوعات الاراضي لغير الأردنيين (www.alarabalyawm.net).
19.    الجزيرة نت: الأزمة المالية تدفع أبو ظبي الى تغيير خطتها الاقتصادية – قطاع العقارات اضافة الى البنوك سيكونان الأكثر تضررا من الأزمة المالية (www.aljazeera.net).
20.    الحلول المالية لا تبدو كافية: البنوك والأسواق تتطلع لحل سياسي لنكباتها (عيون العالم تتجه صوب بكين على أمل أن تتحرك الصين بضخ الأموال لتنقذ الاقتصاد العالمي) (www.middle-east-online.com).
21.           لوس انجليس: الأزمة العالمية تتسبب بمآس انسانية (www.middle-east-online.com).
22.           ابو ظبي – ستانلي كارفالو: بنوك الخليج قد تواجه اندماجات قسرية (www.middle-east-online.com).
23.           الرياض ودبي: البنوك السعودية صامدة أمام هزات أزمة الرهن العقاري (www.middle-east-online.com).
24.           واشنطن: الدين العام للولايات المتحدة يتخطى عتبه 10 تريليون دولار (www.middle-east-online.com).
25.           نيويورك: الأزمة المالية العالمية تعبث بأسواق المال الدولية (www.middle-east-online.com).
26.           الدوحة: قطر تحظى بثاني أكبر نسبة أغنياء بين سكانها في العالم (www.middle-east-online.com).
27.    دبي – من جيسون بنهام: صروح الإماراتية: أزمة العالمية لن تؤجل مشروعنا (www.middle-east-online.com).
28.    بيروت- من اليستير ليون: هل تعزل أمريكا إيران وسوريا ام تقيهما شر الأزمات المالية؟ (www.middle-east-online.com).
29.           عمان: رداء العربي وغداؤه “صنع في الصين”، حتى ضاعت الفوانيس (www.middle-east-online.com).
30.           طوكيو ودبي: لولا الخليج، لكسدت سوق السيارات في العالم (www.middle-east-online.com).
31.           الكويت: أسواق المال في الخليج ومصر تتكبد خسائر جسيمة (www.middle-east-online.com).
32.           عمان: التضخم في الأردن يرتفع الى 15.5% مسجلا معدلا قياسياً جديدا (www.middle-east-online.com).
33.           واشنطن: الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية (www.middle-east-online.com).
34.    لندن – من شريف كتاني: خطة الانقاذ: علاج مؤقت لنظام اقتصادي فقاعي (www.middle-east-online.com).
35.           د. حازم الببلاوي – توقعات بشأن أزمة الائتمان العالمي.
36.           د. حازم الببلاوي – الأزمة المالية العالمية: محاولة للفهم.
37.           سمير العيطة – الأزمة المالية العالمية .. وأثارها على العالم العربي.
38.           الرياض- السعودية: البنك الدولي يرفع السعودية للمركز 16 عالمياً ببيئة الأعمال (www.arabic.cnn.com).
39.           دبي: الأسواق العربية: الانهيارات تتوالى والخسائر بمئات المليارات (www.arabic.cnn.com).
40.           مصطفى العرب – فضائح الفساد بدبي: ثذر أزمة أم مناورة لتحسين التصنيف؟ (www.arabic.cnn.com).
41.           دبي: هلع موجه بيع بالبورصات العربية ولا حلول قريبة (www.arabic.cnn.com).
42.           الجزيرة نت: الأمم المتحدة الأزمة المالية تهدد معيشة مليارات الأشخاص (www.aljazeera.net).
43.           واشنطن بوست: أهي نهاية الرأسمالية الامريكية؟ (www.aljazeera.net).
44.           الرأي: “هي يمكن لكم أن تنقذونا؟ نحن هنا كي تنقذونا” (www.alraynews.com).
45.    واشنطن: تداعيات الاثنين الاسود في السوق الأمريكي تلقي بظلالها السلبية على الاقتصاد العالمي (www.felesteen.ps).
46.           صحيفة امريكية: قرن الهيمنة الامريكية مضى الى غير رجعة (www.aljazeera.net).
47.            خليل العسلي – نحن والكارثة الاقتصادية ( www.Arabic.pnn.ps).
48.           الجزيرة نت: فوكاياما : النفوذ الأمريكي في العام يتضاءل (www.aljazeera.net).
49.           الجزيرة نت: الأزمة الاقتصادية تؤشر لنظام جيوسياسي جديد (www.aljazeera.net).
50.           الجزيرة نت: خبير اقتصادي يحذر من ركود عالمي بسبب الأزمة المالية (www.aljazeera.net).
51.           غازي الصوراني : محاضرة حول العولمة وآثارها على الوطن العربي 27/2/2008 (www.pflp.ps) .
52.           إبراهيم ورده : الاقتصاد العالمي –ملحق اللوموند ديبلوماتيك – تشرين أول 2008 .
53.           إرنست ماندل : الاقتصاد الرأسمالي-الحوار المتمدن -26/3/2006 .
54.           منير حمارنة : الانهيار المالي الكبير في الولايات المتحدة – الحوار المتمدن -12/10/2008 .
55.           ألان وودز : الوضع الدولي ومهام الماركسيين –الانترنت موقع المناضلة .
56.           فهمي الكتوت : في مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية –جريدة العرب اليوم والحوار المتمدن -11/10/2008 .


[1] التسلسل الزمني : فبراير 2007: الولايات المتحدة تشهد ارتفاعا كبيرا في عدم قُـدرة المقترضين على دفع مستحقات قروض الرهن العقاري، ما أدّى إلى أولى عمليات إفلاس مؤسسات مصرفية متخصصة.
يونيو 2007: مصرف الاستثمار الأمريكي BearStearns، هو أول بنك كبير يُـعاني من خسائر قروض الرهن العقاري.
أغسطس 2007: البنك المركزي الأوروبي يضخّ 94،8 مليار يورو من السيولة، والخزينة الفدرالية الأمريكية تضخّ من جانبها 24 مليار دولار، كما تدخّـلت العديد من البنوك الأخرى، مثل بنك اليابان والبنك الوطني السويسري.
سبتمبر 2007 : بنك انجلترا يمنح قرضا استعجاليا إلى مصرف Nothern Rock لتجنيه الإفلاس، وقد تم بعد ذلك تأميمه.
أكتوبر 2007: مصرف يو بي إس السويسري يُـعلن عن انخفاض قيمة موجوداته بـ 4 مليار فرنك.
يناير 2008: الخزينة الفدرالية الأمريكية تُـخفِّـض نسبة الفائدة الرئيسية بثلاثة أرباع النقطة، لتصل إلى 3،50%، وهو إجراء وصفه الخبراء بأنه ذو بُـعدٍ استثنائي.
مارس 2008: الخزينة الفدرالية الأمريكية تقول إنها مستعدّة لتقديم مبلغ يصل إلى 200 مليار دولار إلى مجموعة محدودة من البنوك الكُـبرى.
مارس 2008: العملاق المصرفي الأمريكي JP MorganChase يُـعلن شراءه لمصرف Bear Stearns، الذي يعاني من صعوبات، وهي العملية التي حظيت بدعم مالي من طرف الخزينة الفدرالية الأمريكية.
يوليو 2008: الضغط يشتدّ على مؤسستي Freddie Mac وFannie Mae الأمريكيتين المتخصصتين في إعادة تمويل القروض العقارية، والخزينة الأمريكية تُـعلن عن خطّـة لإنقاذ القطاع العقاري. وفي تشرين أول 2008 تم إقرار خطة الطوارئ بمبلغ 700 مليار $ ، ومازالت الأزمة مستمرة ليس في أمريكا فحسب بل بدأت تنتشر في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط .

[2] خليل العناني-مجلة السياسة الدولية-القاهرة-العدد150-اكتوبر 2002.

[3] المصدر السابق-السياسة الدولية.

[4] د.جواد العناني / نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق – لقاء مع قناة الجزيرة – برنامج بلا حدود – موقع الجزيرة نت.

[5] المصدر السابق

[6] يعود مبدأ القرض الرهنيّ على الطريقة الأميركية إلى فترة العقد الجديد New Deal ، ففي العام 1938 ، تمّ تأسيس الوكالة الفيديرالية Mortgage Association of Washington، بهدف تسهيل قدرة الطبقات الوسطى على التملّك، ومروراً، تنشيط سوق البناء. وعندما شهدت مجموعة National Mortgage Association (Fannie Mae)، التي انبثقت عنها، تغيّراً في وضعيتها القانونيّة، إذ انتقلت من القطاع العام إلى القطاع الخاص، لم يكن ذلك فعليّاً لأسبابٍ تتعلّق بالعقيدة الاقتصادية. فقد تقرّر في الواقع إدخالها إلى البورصة، من قبل الرئيس ليندون جونسون في العام 1968 بهدف جلب إيرادات خصّصت لتمويل الحرب في فييتنام .
بعد عامين، وبهدف وضع حدٍّ لاحتكار مجموعة Fannie Mae، قرّر الكونغرس تأسيس شركةFederal Home Loan Mortgage Corporation (Freddie Mac) التي سيتمّ إدخالها في البورصة في العام 1989. وستتمتّع المؤسّستان الخاصّتان بصفة قانونيّة مميّزة، وهي صفة “الكيانات التي ترعاها الحكومة”، ما سيسمح لها بالحصول على خطّ اعتمادٍ مضمون من قبل الدولة، إضافة إلى قروض بفوائد منخفضة تفاضليّة.
كانت مهمّة مؤسّستا Fannie Mae Fannie Mae وFreddieMac هي تأمين سيولة سوق القروض العقاريّة، من خلال تأمين هذه القروض أو عبر شرائها من المصارف. كذلك تمّ تشجيع الاقتراض من قبل العائلات، نظراً لإمكانيّة خصم الفائدة على الدين العقاريّ من ضريبة الدخل. وكانت Fannie Mae وFreddie Mac تموّلان نشاطاتهما من خلال إصدار سندات معروفة باسم “سندات المنازل المضمونة عقاريّاً” (Residential Mortgage-based Securities, RMBS)، والتي لم يكن نجاحها لدى المستثمرين غريباً عن القناعة بأنّ الحكومة الأميركية كانت تضمنها، ولو دون إعلانٍ صريح.
وقد ازدادت وتيرة نموّها المتسارعة باستمرار، بالتزامن مع إلغاء القيود على المنظومة المالية. ففي العام 1990، كانت المؤسّستان تمتلكان 740 ملياراً من القروض. وقد ارتفع هذا الرقم ليبلغ 1250 مليار دولار في العام 1995، وليتخطّى 2000 ملياراً في العام 1999 ثمّ 4000 مليار في العام 2005. وعشيّة تأميمهما، كان في حوزتهما 5400 مليار دولار (3825 مليار يورو)، أي ما يعادل 45 في المائة من الرقم الشامل للقروض العقاريّة في الولايات المتحدة. من جهة أخرى، كانت الشركتان تدعمان بمفردهما 97 في المائة من السندات المُرفقة بقروض الرهن العقاري. ويمكن تفسير تسارع وتيرة النموّ بالتأثير المتزاوج للفقاعة العقاريّة بين العامين 2001 و2006 وبالتطوّرات التي تحقّقت في مجال الهندسة الماليّة. ففي العام 2004، اتُّهمت شركة Fannie Mae بتزوير حساباتها بهدف منح علاواتٍ أكبر لمديريها. واضطّر مدراؤها الثلاثة على الاستقالة ودفع غرامة بقيمة 100 مليون دولار. وفي العام 2006، حُكِمَ على شركة Freddie Mac بدفع 3.8 مليون دولار لممارستها الضغط بصورة غير شرعيّة لمصلحة أعضاءٍ في مجلس النواب مكلَّفين بمراقبة نشاطاتها. هكذا سمح الموقع الهجينيّ لماردي القرض الرهنيّ لهما بالانغماس إلى الآخر في لعبة خلط الطبيعة (بين المال العام والخاص). فبالرغم من مهمّتهما الإجتماعيّة – مهمّة السماح بالتملّك لأكبر عددٍ ممكنٍ من الناس – كانتا تحاولان رفع نسب أرباح المساهمين فيها وخاصّة مدرائها ، إلى أقصى حدّ. وعلى سبيل المثال، كانت تصل رواتب كلٍّ من رؤساء شركتي Fannie Mae وFreddie Mac ، إلى مبلغ 70 مليون دولار سنوياً. (إبراهيم ورده-اللوموند ديبلوماتيك 10/2008) .
 

[7] أفاد “التقرير الشهري حول الدين” الذي نشر الاثنين على موقع وزارة الخزانة في شبكة الانترنت، ان الدين العام للولايات المتحدة قد تجاوز في سبتمبر/ايلول عتبة 10 آلاف مليار دولار، وأضاف التقرير أن الدين العام للولايات المتحدة ناهز في 30 سبتمبر/أيلول الماضي 10.025 آلاف مليار (تريليون) دولار في مقابل حوالى 9646 الاف مليار اواخر اغسطس/آب أي بزيادة تصل الى 400 مليار دولار.
وبدأت وزارة الخزانة ايضا في سبتمبر/ايلول شراء اسهم الدين التي اصدرتها مؤسستا فاني ماي وفريدي ماك لاعادة تمويل الرهونات العقارية، طبقا لخطتها لانقاذ هاتين المؤسستين اللتين وضعتا تحت الوصاية مطلع شهر سبتمبر 2008 .
 

[8] حددت اتفاقية بازل للرقابة علي البنوك حدود التوسع في الإقراض للبنوك بألا تتجاوز نسبة من رأس المال المملوك لهذه البنوك، فالبنك لا يستطيع أن يقرض أكثر من نسبة محددة لما يملكه من رأسمال واحتياطي وهو ما يعرف بالرافعة المالية. كما تقترح قواعد بازل 2 جملة من المعايير الدولية الجديدة ترمي إلى ضمان التحكم في المخاطر وإرساء نظام مالي مواكب لكثافة حركة التصنيع واحداث سلطة رقابة داخل كل مؤسسة بنكية. وكان صندوق النقد العربي قد اعد كشفا لتقييم مدى استعداد الدول العربية للانخراط في قواعد بازل2 الذي بين أن اغلب هذه الدول قد عبرت عن استعدادها لهذه المرحلة الجديدة وقد قطعت أشواطا عدة في هذا الاتجاه في حين أن دولا أخرى لا تزال تشكو نقصا في مستويات المعلومة والخدمات والأنشطة المالية المتنوعة .

[9] ليس من الواضح بعد كيف ستتمكّن الإجراءات الاستثنائيّة التي تقرّرها الولايات المتحدة من كبح تداعيات الأزمة المالية التي تعصِف هناك، وفي كلّ مكانٍ في العالم ؟ وهل ستكون الإجراءات الاستثنائية (تأميم مصارف وشركات تأمين ومنح سيولة) والأموال التي تمّ ضخّها (أكثر من 1300 مليار دولار) كافية لإنقاذ النظام المالي العالمي من الانهيار؟ وإلى أيّ حدٍّ سيصل الركود الأمريكي (ومن ثمّ العالميّ) ؟ وكذلك فيما يتعلّق بالآثار الاجتماعية والسياسية . منذ الآن ، يمكن القول أنّ “نظاماً” قد بدأ في الانهيار . ذلك الذي تمّ بناؤه على تأليه السوق والمال دون رأس (رأس المال يستثمر في الإنتاج ، أمّا المال دون رأس فإنّه يضارب في الأسواق) -حسب الاقتصادي اللبناني شربل نحاس- وإضعاف الدولة ورقابتها ودورها الخدمي والتنظيمي . وسيكون لهذا الانهيار كلّ مفاعيله على صعيد الفكر السياسي .

[10] حسب مجلة Fortune تمكنت الصين للمرة الأولى عام 2006 أن تتجاوز الولايات المتحدة في صناعة السيارات ، والأهم هو أن الصين تحقق نموا أسرع بثلاثة مرات من الولايات المتحدة. هذه النسبة دفعت بالعديد من الملاحظين إلى توقع أن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة. يتوقع غولدمان ساشز أن الناتج الصيني (بمعدلات سوق الأسهم) سيتجاوز نظيره الأمريكي مع حلول سنة 2027.

[11] الائتمان : منح حق استخدام أو امتلاك السلع والخدمات دون دفع القيمة فورا . وهناك ثلاث أنواع من الائتمان ، الائتمان الاستهلاكي الذي يمنحه أصحاب المحلات التجارية وبعض البيوت المالية للجمهور بهدف شراء السلع الاستهلاكية ، والائتمان التجاري الذي يمنح للمنتجين أو تجار الجملة أو تجار التجزئة ، والائتمان المصرفي الذي يتمثل في القروض والحسابات على المكشوف التي تمنحها البنوك لعملائها . ويمثل الائتمان جزءا هاما من عرض النقود حيث انه يزيد من القوة الشرائية في الأسواق ، ولهذا يعتبر ذا أهمية كبيرة بالنسبة لحركة النشاط الاقتصادي ، ولهذا تستخدم الحكومات وسائل تقييد الائتمان للحد من تزايد الطلب الكلي في أوقات الارتفاع المستمر في الأسعار . ووسائل التقييد تتراوح بين وضع حد أعلى للحسابات على المكشوف ، وتحديد أقساط دفع ثمن السلع المشتراه خلال مدة اقصر وضرورة تقديم ضمانات أو كفالات للاستفادة من التقسيط ، وكذلك رفع أسعار الفائدة . (لمزيد من الاطلاع .. انظر كراس “مصطلحات اقتصادية” الصادر عن الدائرة الثقافية المركزية للجبهة .

[12] نقلت صحيفة الراية القطرية عن تقرير أميركي ان قطر تأتي في المرتبةالثانية عالميا من حيث نسبة الأغنياء بين سكانها بعد سنغافورة بنسبة 9,7% من مواطنيها وسبقتها سنغافورة التي جاءتفي المرتبة الأولى عالميا حيث 10,6% من السكان” أغنياء ، ويعتبر غنيا بحسب الدراسة كلمن يملك مليون دولار أو اكثر. وبحسب نفس التقرير حلت سويسرا في المرتبة الثالثة (7,3%) ثم دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت في المرتبتين الرابعة والخامسعلى التوالي .
 

[13] وفي هذا الجانب نشير إلى البيانات التالية: احتياطي العالم من الغاز (إجمالي العالم 180 تريليون متر مكعب في نهاية عام 2006)، أمريكا الشمالية 5.5%. – أمريكا الجنوبية8.3%. – أوروبا 3.6%، روسيا 35%. – إيران 16%. – الدول العربية31 % ما يعادل 55.8 تريليون متر مكعب، الاحتياطي من النفط: الوطن العربي يحتوي على حوالي 67% من الإجمالي الذي يقدر بحوالي1.2 تريليون برميل، والباقي يتوزع على: روسيا 7%، أمريكا الشمالية 3% أوروبا 2% وأمريكا الجنوبية 10% آسيا 5%، أفريقيا 6%، وفي هذا السياق نشير إلى ما يلي :
حسب جريدة القبس الكويتية (19/ 2/ 2008 ) “يزداد الاحتياطي النفطي العربي يوما اثر يوم ، فقد ارتفع من 50 مليار برميل عام 1950 إلى 120 مليار برميل عام 1960 ، ثم تضاعف إلى 250 مليار عام 1970 وزاد إلى 370 مليار عام 1980 ، والى 650 مليار برميل عام 1990 ، ثم بلغ 700 مليار عام 1993 ، والى أكثر من 800 مليار عام 2007 ، الاحتياطي السعودي بمفرده يصل إلى نحو 277 مليار برميل ، ليساوي بذلك أكثر من ثلاثة أمثال الاحتياطي النفطي لدى الولايات المتحدة والمكسيك مجتمعين ، وأكثر من أربعة أمثال احتياطي فنزويلا ، احد أهم البلدان المصدرة للنفط بالنسبة للولايات المتحدة ، وأيضا أكثر من أربعة أمثال الاحتياطي النفطي لروسيا ودول أوروبا الشرقية معا ” وفي هذا السياق أشير إلى أن العديد من المصادر تؤكد بأن كمية المخزون الاستراتيجي من النفط في الولايات المتحدة في نهاية العام 2006 تصل إلى 800 مليار برميل .
لقد أطل القرن 21 على أعقاب تغييرات سياسية _أمنية _ اقتصادية عميقة على الصعيد الدولي . وأصبح السعي لاحتكار مصادر الطاقة المنتجة عالميا من قبل الدول العظمى هو احد أهم جبهات الصراع في هذه الحرب ، وكما يقول د. مهران موشيخ في ” العرب اليوم ” (21/2/2008 ) فإن العالم سيواجه أزمة طاقة يرتقب بروزها خلال 20 إلى 30 سنة القادمة وهذه الحقيقة تشغل بال قادة دول العولمة ومهندسي إستراتيجية الشركات النفطية العملاقة منذ العقد الماضي .
فالنفط والغاز يشكلان اليوم معا أكثر من 60% من مصادر الطاقة بينما الفحم الحجري حوالي 30% أما المصادر الأخرى أي المفاعلات النووية والطاقة الشمسية والكهرومائية فستبقى حتى عام 2030 على حالتها كما هي اليوم لتشكل مع بعضها مجتمعة نسبة اقل من 10 % من الطاقة المنتجة عالميا حسب تقرير أوبك لعام 2004 ومنظمة الطاقة الدولية لعام 2005 .
ولو استمرت وتأثر النمو الديمغرافي ل35 سنة المقبلة كسابقتها فان العالم سيكون بحاجة إلى إنتاج 150 مليون برميل نفط يوميا وهذا يعني ضعف الإنتاج اليومي الحالي.

[14] هل ستبقى وتيرة صعود الأسعار العقارية كما هي، أم ستتأثّر بأجواء الأسواق العالمية وبالخسارات المحليّة عند تحقيقها ؟ هكذا بدأت التساؤلات تنطرِح رغم الخطابات أنّ كلّ شيءٍ على ما يرام في البلاد العربية بفضل الفوائض النفطيّة. ذلك أنّ هذه الفوائض قد كانت هي الحجّة لإطلاق مشاريعٍ خيالية معظمها عقاريّة فكيف يعقل أن تعاني عاصمة دولة عربية نفطية كبرى من مشاكلٍ حقيقيّة في تأمين مياه الشرب والصرف الصحّي وحتّى الكهرباء، في حين تنطلق لإنشاء مدنٍ جديدة في وسط الصحراء. مهما كان، ستتحمّل الدول العربيّة النفطية[14] الصدمة على الأغلب. ولكن الخوف اليوم هو على الدول العربية كثيفة السكّان ومحدودة الموارد، خاصّةً تلك التي ضعفت فيها الدولة كثيراً كمؤسسة لتنظيم القطّاع الاقتصادي والمالي وخاصّةً للرعاية الاجتماعية. لحساب سيطرة الطبقة الحاكمة من البيروقراطية ورجال الأعمال (خريجو مدرسة تأليه السوق في صندوق النقد والبنك الدوليين) التي لم تجلب سوى المزيد من الإفقار والمعاناة للأغلبية الساحقة من شعوبنا . فلو حصلت الأزمة بدرجات أعلى فستظل (خاصة في السعودية والخليج ومعظم البلدان العربية) في إطار طبقات وشرائح اجتماعية اقتصادية معينة ، حيث أن أغلبية الجمهور العربي هي من الفقراء الذين لا علم لهم بالأزمة لأنهم يعيشونها منذ زمن ، بالعكس فإن تفاقم الأزمة وانفضاح رموزها قد يؤدي سياسياً إلى مزيد من الاستقطاب ومزيد من الغلاء والتحولات الاجتماعية الشعبية لتجاوز هذه الأنظمة .