الزلزال المدوي الذي هز النظام الراسمالي

 

http://www.ahewar.org/ – الحوار المتمدن

 

فهمي الكتوت

2008 / 11 / 3

أشعلت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية أزمة مالية، وأزمة فيض إنتاج، شملت معظم البلدان الرأسمالية، وعلى الرغم من الإجراءات والتدابير الواسعة التي اتخذتها حكومات معظم البلدان الرأسمالية، إلا أن الأزمة تتصاعد يوما بعد أخر، ومنذ انفجار الأزمة والعالم يشهد حالات فزع وذعر وانبهار بسبب الخسائر الكبيرة التي تشهدها أسواق المال ، والجميع يسعى للتخلص من الأسهم والسندات بأقصى سرعة ممكنة، لكي يتجنبوا أثار الانهيارات المالية في هذه الأسواق، الأمر الذي يؤدي إلى سقوط مريع في أسعارها.لهذه الأزمة جذورها وتفاعلاتها التي بدأت منذ عدة سنوات وأخذت مظاهرها تطفو على السطح تدريجيا، فمنذ أواخر السبعينيات ومع وصول رونالد ريغان الى الحكم بدأ يجنح بسياسة اقتصادية متشددة حول البرنامج الاجتماعي، تحت ذريعة تخفيض عجز الموازنة ، في الوقت الذي أقدم على تخفيض الضرائب على الاحتكارات الرأسمالية، كما اتجه بشكل ملموس نحو السياسة الاقتصادية المنفلتة ” نيو كلاسيك” او ما يعرف اليوم بالليبرالية الجديدة، السياسة الاقتصادية المعتمدة على آلية السوق ، والتحرير المطلق للأسعار، وتحرير التجارة الداخلية والخارجية، وإزالة كافة الحواجز الجمركية والقانونية والسياسية أمام الاحتكارات الرأسمالية، وامام رجال المال لتوفير الحرية المطلقة لانسياب السلع عبر الحدود، وإزالة العوائق أمام رأس المال ، وإنهاء تدخل الدولة بالنشاط الاقتصادي.
ومع انهيار التجربة السوفيتية اتسعت هذه الظاهرة بشكل كبير، حيث ساد شعور عام لدى حكام البيت الأبيض ان انهيار التجربة السوفيتية، انتصار للنظام الرأسمالي ،والليبرالية الجديدة، التي تغولت بسياساتها المتوحشة والمعادية للإنسانية عامة سواء في داخل أميركا ضد العمال والفقراء عامة، أو في الخارج ضد شعوب العالم اجمع . كما شهد الاقتصاد الأميركي ومنذ عدة سنوات تبدلات هيكلية أدت الى اتساع ظاهرة النشاط المالي من سندات واسهم واتساع ظاهرة المضاربات في البورصات والأنشطة المالية على مختلف أنواعها، مع انخفاض نسبة الأموال الموظفة في الاقتصاد الحقيقي – الصناعة والزراعة- وتراجع دور ا لقطاعات المنتجة في الاقتصاد الكلي ، وهذا يوضح مدى تضخم الاقتصاد المالي وضمور الاقتصاد الحقيقي، لدرجة ان نصيب الصناعة والزراعة من الناتج المحلي الإجمالي أصبح لا يتجاوز 21.5% ليعكس مدى هيمنة القطاعات الخدمية والمالية على الاقتصاد ، و يقول د.حازم ببلاوي ما يطلق عليه «الأزمة المالية» مهدد بالانزلاق إلى هاوية الكساد والإفلاس، مِن أكبر وأعرق المؤسسات المالية الدولية في أمريكا وأوروبا، فكيف حدث ذلك؟ ولماذا هي «أزمة مالية» أكثر منها «أزمة اقتصادية»؟ فهي أزمة مالية أو هي أزمة في القطاع المالي يمكن أن تهدد بإغراق الاقتصاد الأمريكي والأوروبي بأكمله إذا تفاقمت وأدت إلى الانهيار المالي الشامل. ويضيف جاء ظهور الأوراق المالية من أسهم وأوراق تجارية وسندات مما زاد من حجم الأصول المالية المتداولة والتي تمثل الثروة العينية للاقتصاد. وساعد وجود هذه الأصول المالية المتنوعة (أسهم وسندات) على انتشار تداولها ظهور مؤسسات مالية قوية تصدر هذه الأصول باسمها، وحيث تتمتع بثقة الجمهور مما أدى إلى زيادة تداول هذه الأسهم والسندات بين الجمهور، فمن ناحية ظهرت البورصات التي تتداول فيها هذه الأصول المالية، ومن ناحية أخرى فإن المؤسسات المالية الوسيطة (البنوك بوجه خاص) حين تمول الأفراد فإنها تحل في الواقع، مديونية هذه البنوك التي تتمتع بثقة كبيرة لدى الجمهور محل مديونية عملائها، ومديونية هذا العميل للبنك تستند إلي ملاءة هذا العميل والثقة فيه . وهكذا لعب القطاع المصرفي – والقطاع المالي بصفة عامة – دوراً هائلاً في زيادة حجم الأصول المالية المتداولة وزيادة الثقة فيها. وبدأت آثار هذه السياسة تبرز ، وبانخفاض نسبة النمو الاقتصادي، وزيادة الاعتماد على الخارج في الاستهلاك المحلي، الأمر الذي أدى الى زيادة عجز الميزان التجاري ، وتصاعد عجز الموازنة حيث قدرت بحوالي 4500 مليار دولار خلال العام الحالي ومن المتوقع زيادة العجز، وارتفاع المديونية التي وصلت الى 10 تريليون دولار، وفقا للتقرير الشهري لوزارة الخزانة الذي نشرته على الانترنت.

أزمة الرهن العقاري
في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية أنفة الذكر برزت أزمة الرهن العقاري، حيث استدرجت البنوك العقارية أصحاب الدخول المتوسطة والمتدنية وتم توريطهم بقروض عقارية فاقت قدراتهم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومع زيادة أسعار الفائدة وارتفاع مستويات التضخم ،وزيادة تكاليف المعيشة عجزت معظم هذه الفئات عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤسسات المصرفية ، وتبين ان حجم القيمة العقارية في أمريكا تبلغ 50 تريليون دولار وان قيمة القروض العقارية بلغت 150 تريليون دولار1، أي ان الجهة المقرضة أعطت المقرضين أموالا أكثر من القيمة الحقيقية التي تمثلها عقاراتهم ، ونتيجة هبوط النقد لم يستطع المقترض تسديد الدين الذي ارتفعت فوائدة مع انخفاض القدرة الشرائية لصاحب القرض ، فما كان من الجهات المقرضة الا أن استولت على العقار أي إنها بقيت بدون سيولة لان أموالها تحولت الى عقارات ما اضطر الكثير منها إلى إعلان الإفلاس.
جوهر الأزمة المالية والاقتصادية
ان التناقض الرئيس بين العمل ورأس المال يؤدي الى فيض الإنتاج, وتكديس البضائع في المستودعات لعدم قدرة المنتجين (الطبقة العاملة) على شراء هذه البضائع نتيجة انخفاض مداخليهم الفعلية وإغراقهم بالقروض والالتزامات المتعددة, وتبدأ الأزمة بدورتها المعروفة، وقد شهد النظام الرأسمالي منذ القرن التاسع عشر العديد من الأزمات, منها الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 1882 والتي استمرت ثلاث سنوات وكان مركزها أمريكا, وفي عام 1890 نشأت أزمة اقتصادية بلغت ذروتها 1892 – 1893 في ألمانيا وانكلترا, وانفجر فيض الإنتاج في روسيا عام ,1899 سرعان ما انتشرت الأزمة في الدول الأوروبية عام 1900 , أما الأزمة الشهيرة التي اندلعت في عام 1929 – 1933 فقد شملت جميع البلدان الرأسمالية دون استثناء. ان الأزمات المتكررة للاقتصاد الرأسمالي تضع مسألة وجود النظام الرأسمالي موضع بحث, حيث يستذكر العالم في هذه الأيام ما توصل إليه كارل ماركس حول مصير النظام الرأسمالي, وان فشل التجربة السوفييتية لا يعني بحال من الأحوال ان المستغلين لم يواصلوا نضالهم من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية . خاصة وان النظام الرأسمالي سوف يقذف بملايين العمال الى سوق البطالة ، وسوف يؤدي ذلك إلى اتساع جيش العاطلين عن العمل، وتتوقع منظمة العمل الدولية الاستغناء عن خدمات عشرين مليون عامل خلال العام المقبل من مختلف أنحاء العالم، نتيجة حالة الكساد ، وعلى الرغم من إنفاق تريليونات الدولارات لمواجهة الأزمة والمضاربات المالية والفساد الإداري ، فالنظام الرأسمالي يرفض تمويل برنامج الأمم المتحدة لاستئصال الفقر في بلدان العالم الثالث والذي يحتاج إلى ثلاثين مليار دولار سنويا، النظام الرأسمالي الذي نهب خيرات شعوب العالم اجمع يرفض تقديم هذا المبلغ المتواضع أمام الأرقام الفلكية التي تدفع بسخاء لمكافأة مؤسسات تعاني من الفساد وسوء الإدارة والمتاجرة بمصير الأمم .
الرأسمالية تحمل في طياتها أسباب الأزمة
قدم ماركس نظريته حول نقد الرأسمالية في أواسط القرن التاسع عشر في مرحلة تاريخية معينة من تطور الرأسمالية ، ثم جاءت التجربة السوفيتية التي وصلت الى طريق مسدود ، والظواهر التي درسها ماركس في حياته هي في تحول مستمر ، بفضل الانجازات التي حققتها البشرية في مجال العلم والتكنولوجيا والتي كشفت عن مظاهر جديدة للنظام الرأسمالي الذي يحتاج إلى دراسة معمقة لاستيعاب آثار المستجدات العلمية عليه ، وهي بمثابة انقلاب على المفاهيم الكلاسيكية ، لكن ذلك لم يغير في جوهره الاستغلالي، وتجلى هذا بقدرته على التكيف مع مواجهة المستجدات، وكان أبرزها مواجهة الأزمات الاقتصادية التي شهدها النظام الرأسمالي في بداية القرن العشرين خلال أعوام 1929_1933 والتي كادت تعصف به في معظم الدول الصناعية ، ما حدا بالمفكرين الاقتصاديين في النظام الرأسمالي بالتدخل لإنقاذ النظام الرأسمالي من الانهيار . وقد برزت الفلســفة الاقتصادية الكنزية كبديل للفكر الكلاسيكي ومنقذ للنظام الرأسمالي، وشكلت انقلابا جوهريا في الفكر الاقتصادي تتمثل في تدخل الدولة في مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، متخلية عن محرمات الفكر الرأسمالي الكلاسيكي ومن ابرز خطواتها إنشاء اقتصاد مختلط من القطاعين العام والخاص وتأميم قطاعات اقتصادية رئيسية، وزيادة الإنفاق الحكومي لتخفيض معدلات البطالة، وإنشاء منظومة من التشريعات والمؤسسات في مجــال التأمينات الاجتماعية والصحية للعمال.
أدخلت النظرية الكنزية النظام الرأسمالي في مرحلة جديدة وهامة في تاريخه، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وحققت إصلاحات جوهرية في النظام الرأسمالي ، دون المساس في جوهره ، وعمقت البعد الاجتماعي وخففت من الاحتقانات الطبقية ، وشكلت حالة توازن نسبي في المجتمع ، مستفيدة من سيطرة البلدان الرأسمالية على معظم بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ونهب خيراتها ، ومستغلة أسواق هذه البلدان لتصريف فائض إنتاجها ، ساهم ذلك في امتصاص الأزمات الاقتصادية وتباعد دورتها، ووفر ربحية عالية وإمكانيات ضخمة سهلت على الاحتكارات الرأسمالية إمكانية الوصول الى صيغ واتفاقيات مع النقابات العمالية ، لزيادة أجور العمال وتحقيق خدمات صحية واجتماعية ، مما خفف من حدة الصراع الطبقي ، الذي برز بصورة جلية في بداية القرن الماضي وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها السياسة الاقتصادية الكنزية ، فقد أفرزت نتائج غير محسوبة لدى أصحابها وكان من أهمها، زيادة عجز الموازنة، الناتجة عن تخصيص مبالغ إضافية للإنفاق الحكومي، مما ترتب على ذلك، زيادة الضرائب لتغطية النفقات وتخفيض العجز، وقد تعالت أصوات النقديين ( نيوكلاسيك) مشككة بإمكانية الاستمرار في البرنامج الاجتماعي، بسبب الثمن الباهظ لهذه السياسة من وجهة نظر النقديين. شكل الانهيار الدراماتيكي للنظام السوفيتي وأوروبا الشرقية انتصارا للاتجاه المتشدد فــي البلدان الرأسمالية، وبدأ الهجوم الكاسح على السياسة الكنزية والسياسة الاشتراكية على حد سواء، وعلى القطاع العام، وعلى كافة أشكال تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد وعلى المكتسبات العمالية ومختلف أشكال الدعم للخدمات.
صحيح ان الرأسمالية نجحت بالتكيف خلال القرن الماضي، والإفلات من العديد من الأزمات إلا ان ذلك لا يعني بحال من الأحوال ان الرأسمالية انتصرت، وهي نهاية التاريخ وفقا للنظرية الرجعية لفوكوياما، الرأسمالية تحمل في طياتها أسبابا موضوعية لبروز الأزمة الاقتصادية الدورية, هذا ما أكده كارل ماركس في كتابه الشهير رأس المال, وهذا ما نشاهده في هذه الأيام، لقد كشف بوضوح ان الرأسمالية تتعرض لازمات دورية ومتعاقبة مشبها أزمتها الدورية بالأجرام السماوية التي ما ان تأخذ حركة التوسع والتقلص التناوبية حتى تتجدد بشكل متواصل. وان النتائج تصبح بدورها أسبابا, ومراحل العملية المتعاقبة هذه تجدد باستمرار شروطها الخاصة وتأخذ شكلا دوريا, موضحا ان المراحل الأساسية في دورة رأس المال هي (الأزمة، الانحطاط ، الانتعاش ، النهوض). وما يجري في هذه الأيام دليل ساطع على صحة هذا التحليل الذي حافظ على جوهره .فمنذ سنوات وتتعرض شركات عملاقة في الولايات المتحدة الأمريكية لازمات حادة تصل أحيانا الى حد الإفلاس ففي عام 2000 تم إفلاس شركة وورد كوم للاتصالات التي بلغت ديونها 41 مليار دولار، وفي عام 2001 أعلن عن إفلاس شركة انرون وهي أكبر شركة في قطاع الطاقة التي تجاوزت إيراداتها 100 مليار دولار،وهما أكبر حالتي إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، كما تعرضت مؤسسة “جي-بي مورجان تشيس” ثاني أكبر شركة مصرفية قابضة في الولايات المتحدة، ، وقدر حجم الخسائر بحوالي 8.6 تريليون دولار،وقد سجلت الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك المرحلة أعلى حالات إفلاس في تاريخها المعاصر ، (أكثر من 700 ألف حالة إفلاس) وفي حزيران عام 2007 أعلن عن أول بنك كبير يعاني من خسائر قروض الرهن العقاري. ” مصرف الاستثمار الأمريكي Bear Stearns، وفي اب 2007 ضخ البنك المركزي الأوروبي 94،8 مليار يورو من السيولة، والخزينة الفدرالية الأمريكية تضخّ من جانبها 24 مليار دولار، كما تدخّـلت العديد من البنوك الأخرى، مثل بنك اليابان والبنك الوطني السويسري2.
اما خلال العام الحالي فقد شهدت أميركا إفلاس عشرات المؤسسات المالية ومن أبرزها بنك »ليمان براذرز« والذي قدرت قيمته قبل إفلاسه ب 209 مليارات دولار, والذي كان يستخدم 25 ألف موظف, وقيام الحكومة بشراء أبرز مؤسسات الرهن العقاري »فاني ماي« و »فريدي ماك« واكبر شركة تأمين في العالم, وقيام قطاع النقل الجوي في أمريكا بالتخلص من 22 ألف وظيفة بعد خسائر قدرت بعشرات المليارات من الدولارات, كل ذلك تعبيرا عن الفشل الذريع للسياسات الليبرالية. ان ألازمة المالية العالمية دفعت شركات أميركية وأوروبية إلى إعلان خفض كبير في الوظائف وتخفيض الإنتاج3.وقالت شركة كرايسلر إنها ستلغي 5 الاف وظيفة مع نهاية هذا العام وقال المتحدث باسم كرايسلر ديفد إلشوف إن الشركة ستلغي 25% من الوظائف الإدارية والأعمال الإضافية المؤقتة. وأن كل الوحدات التابعة للشركة في العالم قد تتأثر بهذا الخفض ، وكشفت شركتا فولفو وسكانيا السويديتان لإنتاج الشاحنات الكبيرة عن خطط لخفض الإنتاج لتراجع الطلب. وجاء ذلك خلال إعلان الشركتين نتائجهما للربع الثالث من العام الحالي حيث تراجعت أرباح فولفو قبل خصم الضرائب بنسبة 37% مسجلة 2.86 مليار كرون (370 مليون دولار) مع تباطؤ الاقتصاد في أسواقها الرئيسية مقابل 4.57 مليارات كرون في الفترة نفسها من العام الماضي.
وقالت شركة “أوه أن أوه” الإسبانية لخدمات الإنترنت وتلفزيون الكابل إنها تبحث مع الاتحادات العمالية خفض عدد العاملين فيها بنسبة تصل 30% بسبب التباطؤ الاقتصادي الحاد. وأضافت الشركة في بيان أن الظروف السيئة والتوقعات لضعف الاقتصاد الكلي أجبرتها على اتخاذ القرار المؤلم. جاء ذلك بعد إعلان بيانات رسمية تضمنت ارتفاع معدل البطالة في إسبانيا إلى أعلى مستوياته في أكثر من أربع سنوات خلال الربع الثالث من العام الحالي عندما بلغ 11.3%، وهو أعلى معدل في منطقة اليورو -بعدما شهدت ازدهارا طيلة عقد في قطاع العقارات- جراء ارتفاع أسعار الفائدة والأزمة المالية العالمية والزيادة في العرض. لقد واجه الاقتصاد الأميركي منذ بداية العام الحالي ما عرف بحالة “الركود التضخمي “، قبل الانهيارات التي نشهدها في هذه الأيام ، وقد وصفت الأدبيات الماركسية الأزمات الاقتصادية التي شهدها النظام الرأسمالي :
” تبدأ بارتفاع أسعار السلع ثم هبوطها كدليل على بروز الأزمة ففي الوقت الذي تحافظ المؤسسات على عملها تواجه عجز في تصريف إنتاجها مما يبرز هبوطا مفاجئا بالأسعار ، وتتكدس البضائع في المؤسسات التي تعجز من تحويل سلعها إلى نقد، وتتوقف هذه المؤسسات عن الوفاء بالتزاماتها تجاه البنوك ، ويدب الذعر في أسواق المال ورجال البورصة والبنوك والمضاربين ، ويصف ماركس هذه المرحلة، حتى الأمس كان البرجوازيون الذين أسكرهم ازدهار الصناعة ينظرون الى النقد من خلال مرآة فلسفة تفاؤلية ويعلنون ان النقد سراب براق ويقولون ان السلعة وحدها هي النقد ، ثم يصرخ هؤلاء البرجوازيون في جميع أنحاء العالم ان النقد وحده هو السلعة “
محاولات الخروج من الأزمة
حاولت الحكومات الرأسمالية جاهدة لإنقاذ اقتصادها من أزمته الطاحنة بضخ أكثر من ثلاثة آلاف مليار دولار لإنقاذ المؤسسات المالية وشركات التأمين من الانهيار, فبعد القرار الأمريكي بتخصيص 700 مليار دولار تبعه قرارات أخرى أوروبية بتخصيص أكثر من 2300 مليار دولار وهناك توجه أميركي لضخ 150 مليار دولار إضافي, سوف تدفع هذه المبالغ الضخمة من جيوب دافعي الضرائب, وعلى حساب بؤس وإفقار وتجويع ملايين البشر في بلدان العالم الثالث, وقد تبرز نزعات فاشية لدى الطغمة المالية الحاكمة واحتكارات الصناعات العسكرية في أمريكا للقيام بمغامرة عسكرية على غرار العدوان الأمريكي على العراق الشقيق, للهروب من الأزمة مؤقتا, لكن ذلك لن يضع حدا لازمة النظام الرأسمالي, كما ان تدخل الدولة بشراء مؤسسات مالية متعثرة خشية من انهيار النظام المصرفي, وتجنيب النظام الاقتصادي من الانهيار, لن تفلح في إنقاذ النظام الرأسمالي من الوقوع في أزماته, فكافة المعطيات تشير الى ان الأزمة في صلب الاقتصاد الحقيقي للنظام الرأسمالي, ولم تنحصر بالسياسة المالية ونقص السيولة وانهيار عشرات المؤسسات المصرفية وشركات التأمين فحسب, بل تعمقت الأزمة وأصبحت أزمة النظام الرأسمالي, فعلى سبيل المثال يعاني قطاع صناعة السيارات من خسائر فادحة قد تعرضه للإفلاس, فقد حذر تقرير في مجلة نيوزويك الأمريكية من ان مدينة ديترويت عاصمة صناعة السيارات في العالم على حافة الإفلاس بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية, وأوضح التقرير ان شركة جنرال موتورز وفورد تفتقران الى السيولة النقدية, وان خسائر جنرال موتورز لعام 2007 تقدر بحوالي 38.7 مليار دولار علما ان الشركة حققت إرباحا في جميع مصانعها في العالم باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية, بسبب ضعف الاقتصاد الأمريكي, وقد أغلقت 12 مصنعا واستغنت عن 30 ألف وظيفة. وان معظم الصناعات الأمريكية ليس أفضل حالا من قطاع صناعة السيارات. وصندوق النقد الدولي يرسم صورة قاتمة لاقتصاد أمريكا وكندا ،وان معدل نمو الاقتصاد الأمريكي سيشارف الصفر او السالب4 بقية عام 2008 وقد سجل معدل النمو السنوي في الولايات المتحدة أقل من مستوياته في 33 عاما، وقد أعلن عن انكماش5 الاقتصاد الأمريكي بنسبة 0.3% في الربع الثالث من العام الحالي، علما ان النمو كان في الربع الثاني من العام 2.8%، وأعلنت شركة موتورولا عملاق الالكترونيات عن خسارة قدرها 397 مليون دولار خلال هذه الفترة مقارنة بربح حققته العام الماضي قدره 60 مليون دولار ، كما خسرت شركة سي بي أس الإعلامية 12.4 مليار دولار، وأعلنت شركة أمريكان اكسبريس التي تصدر بطاقات الائتمان عن خطط لتخفيض عدد الوظائف كجزء من خطة لتوفير 8.1 مليار دولار نهاية عام 2009 ، ويصف غرينسبان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق (المصرف المركزي الأمريكي)1987-2006 ما يجري في أمريكا ” تسونامي ائتماني” في حين صنفت بيانات الاقتصاد البريطاني بأنه على حافة الركود، حيث انكمش بنسبة 0.5% خلال الربع الثالث من العام الحالي . وتتواصل الاجتماعات في مختلف أنحاء العالم للتباحث في الأزمة تجنبا من الانهيار وبحثا عن خشبة الخلاص، ويسعى مصرف باركليز 6لبيع 32% من رأسماله حوالي 11.5 مليار دولار لصناديق استثمار والأسر الحاكمة في دبي وأبو ظبي ، وكانت الحكومة البريطانية قد ضخت 60 مليار دولار لإنقاذ عدة بنوك ، ولم ينحصر هذا النشاط بالدول الصناعية السبع بل امتد ليشمل الدول الأسيوية ،ومن ثم الخليجية، للبحث عن مخرج للازمة ، ومع ذلك تتوالى الانهيارات في البورصات العالمية، تاركة خلفها خسائر تقدر بآلاف المليارات.
ومن ابرز النتائج الأولية للازمة التي يعاني منها النظام الرأسمالي سقوط الليبرالية الجديدة النظرية الرأسمالية القائمة على الحرية المطلقة لرأس المال, وإطلاق العنان لآلية السوق ووقف تدخل الدولة في كافة النشاطات الاقتصادية, وسقوط الإيديولوجية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على معظم دول العالم, مستغلة تفردها بالنظام العالمي ، مستخدمة ثقلها السياسي والاقتصادي وكذلك العسكري لإخضاع العالم لمصالحها ولرؤيتها الفكرية والسياسية، مسـتغلة المؤسسات الدولية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية كأذرع لفرض سياستها بالقوة، دون أدنى اعتبار للنتائج الكارثية التي أفرزتها هذه السياسة، وقد برزت مفاعيلها بالآثار الناجمة عن سياستها هذه في البلدان النامية، بالجوانب الاقتصادية والمالية والنقدية، بدءا من تحميل الفئات الشعبية أثار ونتائج ألازمات الاقتصادية، برفع الدعم عن مختلف الخدمات الأساسية من التعليم والصحة وزيادة العبء الضريبي وانتهاء بفــرض سياسة الخصخصة، وتحرير التجارة وتحرير الأسعار، وما تعنيه هذه السياسات من نتائج مؤلمة على الفئات الشعبية. والتي أدت إلى تجويع وإفقار مئات الملايين من البشر في مختلف أنحاء المعمورة, كما أدت إلى قتل وتشريد الملايين في الحروب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية لفرض سياساتها، هذه السياسات تنهار الآن أمام سمع وبصر شعوب العالم, هذا الانهيار المدوي هو النتيجة الحتمية للسياسة العدوانية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية ضد شعوب العالم بما في ذلك الشعوب العربية, هذا الانهيار النتيجة الحتمية للسياسة المالية والاقتصادية التي أفرزت تمركز رأس المال بأيدي حفنة من رجال المال والمتحكمين في الاقتصاد .
ان الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي خلقت وقائع جديدة على الأرض, أهمها تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية وفقدانها لدورها الأوحد في العالم وفرض شروطها على القارات الخمس دون منازع, فقد حان الوقت لطرح الملفات الثلاث على طاولة المفاوضات, الملف الاقتصادي بإعادة صياغة السياسات النقدية وطرح سياسات جديدة تنهي الدور المتميز للدولار الأمريكي ، والملف الأمني بطرح اتفاقيات جديدة في العالم تحرم احتلال أراضي الغير وتحرم حمايتهم من قبل متنفذين وتردع المحتلين ، والملف السياسي إعادة تكوين مجلس الأمن وإدخال دول جديدة للعضوية الدائمة وإلغاء حق الفيتو وإنهاء هيمنة أميركا على الأمم المتحدة والمنظمات المنبثقة عنها . وإجراء تعديلات على دور وعمل المؤسسات الدولية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، بما يخدم تحقيق تنمية اقتصادية شاملة في البلدان النامية ، وإعادة النظر بالديون على البلدان الفقيرة التي ورثتها من السياسة الليبرالية التي فرضتها أميركا .
انهيار التجربة السوفيتية ليس انهيارا لمبادئ العدالة الاجتماعية
منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي ويجري البحث عن إجابة على سؤال جوهري، حول أسباب انهيار التجربة السوفيتية، فبعد أكثر من سبعة عقود على انتصار ثورة أكتوبر وقيام الدولة السوفيتية، والاعتقاد أن التجربة الاشتراكية قد انتصرت في وجه الظلم والاستغلال والطغيان، جاء الانهيار المدوي الذي كــــان أثره كالصاعقة ليس فقط على شعوب الاتحاد السوفيتي فحسب بل على شعوب العالم اجمع وبشكل خــــاص على الــــدول النامية وفي عدادها الدول العربية، فمن لم يقدر أهمية وجود الاتحاد السوفيتي قبل انهياره، اعتقد انه اكتشف أهمية ذلك خلال العقدين الماضيين ، وما مدى الضرر الذي لحق بمختلف شعوب العالم من تفرد الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنة الليبرالية المتوحشة على أرجاء المعمورة والتحكم بمصيرهم، وما مدى أهمية وجود دولة عظمى تحمل مبادئ وأفكار سامية وتؤمن بحق تقرير المصير لشعوب العالم، وهذا لم يقلل من الرؤية النقدية للجوانب السلبية التي مرت بها التجربة السوفيتية، وخاصة غياب الديمقراطية والتعددية السياسية في الاتحاد السوفيتي، وغياب الحوافز الحقيقية للتطور الاقتصادي، والتي أسهمت بانهيار التجربة. فإذا كان انتصار الثورة في عام 1917 قد هز العالم على حد تعبير الكاتب الأمريكي جون ريد في كتابه الشهير عشرة أيام هزت العالم فالانهيار أيضا قد هز أركان العالم، وكان صدى وأثار ونتائج الحدث الثاني عكس تماما صدى وأثار ونتائج الحدث الأول على مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية في كافة أركان المعمورة، من هنا اختلفت الاجتهادات والآراء في الإجابة على السؤال الرئيسي حول أسباب الانهيار:-
هل هذه الأسباب لها علاقة في نظرية ماركس حــــول نقد الرأسمالية والبحث عن سبل تجاوزها، أم في التجربة السوفيتية ذاتها، وإذا كان الجواب يتصل بالتجربة، هل يكمن السبب بفكرة قيام الثورة في روسيا، أم بالأسلوب الستالينيي البيروقراطي المركزي الذي طبق في الاتحاد السوفيتي، وهنا أود أن اطرح بعض الاضاءات والأفكار لأبرز قادة الفكر الاشتراكي في العالم حول هذا الموضوع.القراءات الأولى للتجربة الروسية في بداياتها خلصت ألى أن الثورة ضد “منطق رأسمال ” أي منطق ماركس حسب تعبير المفكر الإيطالي غرامشي، كونها جاءت في أكثر الدول الرأسمالية تخلفا، وان نظرية لينين بإمكانية قيام الثورة في روسيا باعتبارها اضعف حلقات الإمبريالية، حققت غرضها في استيلاء الطبقة العاملة على السلطة، وكان التطور الرأسمالي في روسيا بمراحله الأولى، والطبقة العاملة أقل خبرة وتجربة ولكنها الأكثر تنظيما من الناحية السياسية بفضل دور حزب البلاشفة.
كانت الطبقة العاملة متواضعة من حيث الحجم، وكاد ينحصر وجودها بشكل رئيسي في مدينتي موسكو وسان بطرسبرغ أمام جماهير غفيرة من الفلاحين الذين اجتذبتهم الثورة في مواجهة الإقطاع وملاكي الأراضي، لا شك إن شعار تحالف العمال والفلاحين والجنود في ظروف الحرب الذي طرحه لينين شكل قوة محركـــة ومـــؤثرة وفاعلة من اجل انتصار الثورة، والوصول الى السلطة السياسية، إلا أن الحلم تبدد بعد ذلك بسبب العقبات الرهيبــــة التي واجهت الدولة الحديثة، مما اضطر القيادة السوفيتية بزعامة لينين من إجراء تعديلات على مسارها، وقد طرح لينين بوضوح في المؤتمر العاشر7 للحزب في عام 1921
” اشرنا في عدد من مؤلفاتنا ، وفي جميع خطاباتنا وأحاديثنا ، وفي عموم الصحافة إلى ان الحالة تختلف في روسيا حيث عمال الصناعة أقلية وحيث صغار المزارعين أغلبية كبيرة ففي بلد كهذا ، لا يمكن للثورة الاشتراكية ان تنتصر نهائيا الا بشرطين . الشرط الأول ان تدعمها في الوقت المناسب الثورة الاشتراكية في بلد او عدة بلدان متقدمة ، وتعلمون إننا بذلنا من الجهود أكثر بكثير مما مضى من اجل تحقيق هذا الشرط ، ولكننا لم نبذل الجهود الكافية لكي يغدو هذا الشرط امرأ واقعا. ” الشرط الثاني:- التفاهم بين البروليتاريا التي تتسلم زمام السلطة وبين أغلبية السكان الفلاحين، إن الفلاحين مستاءون من شكل العلاقات وإنهم لا يريدوا أن يعيشوا بعد اليوم على هذا النحو، وينبغي لنا أن نأخذ رغبتهم بعين الاعتبار” وكانت هذه التوجهات هي المقدمة لطرح السياسة الاقتصادية الجديدة” النيب ” في عام 1922 والتي انطلقت من إعادة النظر بالتوجهات المبكرة التي تبناها لينين في بداية الثورة، وخاصة ما يتعلق بالتـأمين والمصادرة وإلغاء الإنتاج البضاعي الصغير، وقدم رؤيته الجديدة التي انطلقت من حفز وتشجيع رأس المال الأجنبي والمحلي للإسهام في بناء اقتصاد الدولة الفتية كمرحلة انتقالية لمحاولة إنجاز ما لم تنجزه البرجوازية الروسية قبل الثورة.أدرك لينين لهذه الحقيقة وكان ينتظر الثورات العمالية في القارة الأوروبية وبشكل خاص في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا لقد زكى لينين هذا الاتجاه في كتاباته بمناسبة الذكرى الرابعة لثورة أكتوبر حيث قال في صريح العبارة. ” كنا نفترض دون حساب كاف، بأننا سنتمكن بالأوامر الصريحة التي تصدرها الدولة البروليتارية من أن ننظم على الطريقة الشيوعية في بلد من صغار الفلاحين، إنتاج وتوزيع المنتجات من جانب الدولة إلا ان الحياة بينت خطأنا وتبين انه لا بد من سلسلة من الدرجات الوسطية رأسمالية الدولةان الأزمة الحالية هي الأسوأ في تاريخ النظام الرأسمالي ،وســــوف تدفع العمــــال والمقهورين والمشردين والمتضررين في العالم البحث عن سبل مواجهة نظام الظلم والاستبداد والاستغلال ، مما يطرح على بساط البحث موضوع آليات العمل في المرحلة الجديدة، أمام قوى التقدم والحرية والديمقراطية في العالم، أحزابا ونقابات عمالية ومهنية ومنظمات اجتماعية، لأوسع حوار فكري وسياسي وديمقراطي بهدف الوصول الى مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. الفرصة التاريخية مهيأة لتوحيد المستغلين بحركات سياسية اجتماعية ،ان شــعار وحدة اليســار يكتسب أهمــية تاريخية في هذه الأيـــام لا بد من تقديم برنامج لتحقيقــه قرر المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الاستعاضة عن التأمين والمصادرة بالضريبة العينية8.
حققت المرحلة الانتقالية السياسة الاقتصادية الجديدة ” النيب” نجاحات ملموسة في مجال إعادة بناء الاقتصاد السوفيتي المدمر من أثار الحروب الداخلية والخارجية، لم تدم هذه المرحلة طويلا فقد أعاد ستالين اقتصاد شيوعية الثكنات من جديد، ورافق هذا التوجه حملة واسعة من القمع والإرهاب طالت ملايين البشر لفرض النموذج الستاليني بالقوة، باستيلاء الدولة على مختلف إشكال الملكية في الأرياف والمدن، وإدارة الاقتصاد بأسلوب أوامري بيروقراطي.
كان لتصدي شعوب الاتحاد السوفيتي للعدوان النازي، والتحام الدولة والحزب والشعب في معركة واحدة ضد المحتلين النازيين، والانتصار العظيم الذي حققته الدولة السوفيتية، اكبر الأثر على خروج الاتحاد السوفيتي من العزلة التي فرضها النظام الرأسمالي عليها بعد فشل حرب التدخل من إسقاط النظام الاشتراكي، وإعطاء الدولة السوفيتية دعما وزخما هائلا, مكنها من البروز كقوة عظمى لا يمكن تجاهلها في أي قضية تطرح على بساط البحث، وكاتجاه رئيسي في الصراع الدولي والحرب الباردة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وتعزز هذا الدور بفضل الدعم الذي قدمه الاتحاد السوفيتي لشعوب الدول المستعمرة في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في نضالها من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، كل ذلك اكسب الدولة السوفيتية شرعية وطنية وأممية، إلا ان أحلام خورتشوف الوردية بإقامة النظام الشيوعي قبل نهاية القرن العشرين قد تبددت، ودخل الاتحاد السوفيتي في كوما في عصر بريجينيف وخاصة في المرحلة الأخيرة، ولم يتمكن من إحراز أي تقدم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وبدأت مظاهر الأزمة في الربع الأخير من القرن الماضي في البروز دون علاج ، وقد أسهم كل من غوربتشوف ويلتسن بالتسريع في انهيار الدولة السوفيتية، والسؤال الهام هل كان الانهيار حتمية تاريخية ..؟ والسؤال الأخر هل كان من الممكن تحقيق الاشتراكية التـــي كتب عنها لينين عشية الثورة او في بداياتها الأولى وقبل طرحه السياسة الاقتصادية الجديدة النيب ..؟ ، اعتقد ان الانهيار لم يكن حتمية تاريخية وكان من الممكن تفاديه لو توفرت الإرادة السياسية لدى قيادة الدولة السوفيتية في وقت مبكر بتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية تخرج الدولة السوفيتية من ألازمة، ليس بإتباع سياسات حقبة شيوعية الثكنات، كما إنها ليست المساواتية التي تفقد القدرة على التنافس الحر في ظل تكافؤ الفرص، ولن تقوم على التأميم والمصادرة لكافة الفروع والقطاعات الاقتصادية بغض النظر عن حجمها، وتحويل الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين والمبدعين الى موظفين في مؤسسة بيروقراطية، فالثروات الأساسية للدولة هي ملك للشعب وينبغي عدم التفريط بها ، كما ان للدولة دور هام يجب القيام به في مجال التنمية الاقتصادية، وفي مجال تحسين وتطوير الخدمات العامة للمجتمع، ووضع الضوابط الكفيلة لمنع الجشع والاستغلال، لكن لا بد من تحرير وإطلاق قدرات الإنسان الإبداعية لدى الأجيال، وتوفير الآليات الديمقراطية لإيجاد المناخ الملائم لتطور الفكر والسياسة والاقتصاد والعلوم وكافة مجالات الحياة، ليس هناك صيغة محددة لتحقيق العدالة الاجتماعية ، وليس هناك قوالب وقوانين مسبقة ملزمة للتطبيق اقترحت في مرحلة تاريخية معينة ، حتي يحمل صاحبها لقب الاشتراكي، القضية الجوهرية إنهاء الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا لن يتحقق في ظل الرأسمالية المتوحشة ، كما لم يتحقق بظل رأسمالية الدولة البيروقراطية، فالحياة نفسها كفيلة بتقديم الصيغ التي تتلاءم مع مستجدات العصر وتضمن تحقيق نمو مضطرد بالاقتصاد يحقق الوفر في الإنتاج، والاستفادة من تكنولوجيا المعلومات وثورة والاتصالات ، ويؤمن رقابة شعبية حقيقية على مؤسسات الدولة لضمان استمرار الحوافز الكفيلة في تطوير المؤسسات العامة ، وتحقيق إصلاح كامل في مختلف مجالات الحياة ، وذلك بوجود ديمقراطية حقيقية تعكس نبض الشارع ، وتشكل صمام أمان لحماية المنجزات وتصويب الإخفاقات سواء في الوضع الاقتصادي او الاجتماعي، وقد برزت حركات سياسية واسعة في طول العالم وعرضه من اجل ذلك وفي مواجهة” الرأسمالية المتوحشة والعولمة الرأسمالية ” وكان أبرزها الحركات الاجتماعية التي برزت في أمريكا اللاتينية حيث نجحت هذه الحركات في العديد من الدول في الوصول الى السلطة عبر صناديق الاقتراع، و تحت شعارات اجتماعية بتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والسكن المناسب للجميع ، وتحقيق رفاهية المجتمع .

الأسباب الموضوعية لفشل الثورات الإشتراكية الأولى/ د. سمير امين

dflp@aloola.sy الحوار المتمدن – العدد: 2439 – 2008 / 10 / 19   1ـ مأساة الثورات الكبرى :   تتميَّز “الثورات الكبرى” بواقع أنها تندفع بعيداً إلى الأمام نحو المستقبل، خلافاً “للثورات العادية”، التي تكتفي بالاستجابة لمتطلبات التحولات المطروحة على جدول أعمال اللحظة.  

في المرحلة الحديثة هناك ثلاث ثورات كبرى فقط (الفرنسية، والروسية، والصينية). الثورة الفرنسية لم تكن مجرد “ثورة برجوازية”، أحلَّت النظام الرأسمالي محل النظام القديم، وسلطة البرجوازية محل سلطة الأرستقراطية. فهي أيضاً ثورة شعبية (وفلاحية تحديداً) طرحت مطالبها التساؤل حول النظام البرجوازي نفسه. فالجمهورية الديمقراطية المدنية الجذرية، التي تستوحي مثالها من فكرة تعميم الملكية الصغيرة على الجميع، ليست نتاج منطق تراكم الراسمال المباشر (القائم على اللامساواة)، بل إنكار له (في إعلانها الواعي بأن الليبرالية الاقتصادية عدو للديمقراطية). بهذا المعنى، كانت الثورة الفرنسية تحتوي، مذ ذاك، بذور الثورات الاشتراكية القادمة، التي لم تتوافر شروطها “الموضوعية”، طبعاً، في فرنسا آنذاك (تشهد على ذلك الحركة البابوفية). الثورتان، الروسية والصينية (ويمكن أن نضيف لهما ثورتي فيتنام وكوبا)، وضعت لنفسها الشيوعية هدفاً. وهذا متقدم جداً، بدوره، على الموجبات الموضوعية لحل المشكلات المباشرة في المجتمعات المعنيَّة.

الأزمة الماليـة العالمية وتداعياتها على الاقتصاد العربي/ غازي الصوراني

   

 
 

 مقدمة إلى ندوة معهد دراسات التنمية المعقودة في فندق جراند بلاس 15-10-2008
 
إذا كانت السياسة هي تكثيف للاقتصاد ، فإن الاضطراب العام الذي يعرفه النظام الرأسمالي تعبيرا عما يجري في أسواق المال العالمية سيوفر بالضرورة مناخاً جديداً لمتغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية هامة على الصعيد العالمي، فمنذ تفجر الأزمة المالية في سبتمبر 2008 والعالم بأسره يراقب التداعيات الخطيرة للانهيار المالي الكبير في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي أصاب العديد من المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وانتقلت آثاره – بدرجات متفاوتة – إلى بلدان الاتحاد الأوروبي واليابان والصين، إلى جانب تراجع البورصات والأسهم في العديد من البلدان العربية والعالمية، وهي آثار جاءت انعكاساً للمقدمات أو البدايات الأولى لأزمة سبتمبر 2008 كما يشير –منير حمارنة- عندما تم الإعلان عن إفلاس اثنى عشر بنكاً أمريكيا خلال فترة قصيرة، ثم تلا ذلك الإعلان عن إفلاس رابع اكبر بنك في الولايات المتحدة “ليمان بروذرز”، ووقفت مؤسسة التأمين الأمريكية “أيه. أي. ج” على حافة الإفلاس ، حيث تم انتشالها نتيجة تدخل حكومي سريع. وجرى بعد ذلك ادماج بنك “ميريل لينش” مع بنك “أوف أميركا” ، هذا بعدما أممت الحكومة الأمريكية أهم شركتين للرهن العقاري وهما ” فاني ماي وفريدي ماك”. بهذا التدخل تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن أيديولوجية الليبرالية الجديدة وطبقاتها المنفلتة التي بذلت جهوداً متعددة، وصلت حد التهديد والعدوان العسكري والاحتلال فيما يسمى ب”عولمة السلاح” لكي تفرض بالإكراه سياسات الليبرالية الجديدة بالنسبة لاقتصاد السوق وإزاحة دور الدولة في الاقتصاد إلى الحدود الدنيا، والاستسلام إلى آليات السوق باعتبارها قادرة على تعزيز أحادية العولمة الأمريكية وسيطرتها على مقدرات  العالم، كما توهم أصحاب هذه المدرسة من “ميلتون فريدمان” إلى ما يسمى بـ المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وبريطانيا . وفي هذا الجانب، فإن العديد من الاقتصاديين والباحثين أكدوا أن الأزمة الحالية هي الأسوأ منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، وإن أسبابها تكمن في طبيعة النظام الرأسمالي، وهي أزمة عميقة للرأسمالية كنظام، تعني فشل ونهاية عصر “الرأسمالية المالية” بكل أرباحها الخيالية المصطنعة التي تتحقق في الأساس من المضاربات. فالرأسمالية المالية –كما يقول منير حمارنة- كانت تدير أموال وأنشطة العالم الاقتصادية بموجب عقلية المقامرين في كازينوهات القمار، وإن أسواق المال تحكمها نفس قواعد المقامرة التي تديرها المافيات . وهو ما ينطبق تماماً على قواعد اقتصاد السوق والاقتصاد الحر. علاوة على ذلك، فإن طبيعة التناقضات الملازمة لنمط الإنتاج الرأسمالي –كما يقول إرنست ماندل- تنفجر دوريا في أزمات فيض الإنتاج ، ذلك ان الميل إلى أزمات فيض الإنتاج الدورية ، والى سير الإنتاج بدورات يجتاز عبرها بالتتالي مراحل الإنعاش والرواج و”السخونة” والأزمة والكساد ، هذا الميل ملازم لنمط الإنتاج الرأسمالي ، وله وحده ، بحيث يمكن أن يختلف اتساع هذه التموجات بين حقبة وأخرى، غير أنها واقع حتمي في النظام الرأسمالي. إن الذي يميز أزمة فيض الإنتاج الرأسمالية هو أن المداخيل تنخفض والبطالة تنتشر ، ليس لأن الإنتاج المادي قد انخفض بل عكس ذلك، لأنه ازداد بصورة تخطت بكثير القوة الشرائية المتوفرة. فينخفض النشاط الاقتصادي لأن المنتجات لم يعد بيعها ممكنا وليس لأنها نقصت ماديا . إن أزمة فيض الإنتاج هي في آن واحد نتاج هذه العوامل والوسيلة التي يحوز عليها النظام الرأسمالي ليبطل مفعولها جزئيا، فالأزمة –كما يضيف ارنست ماندل- تؤدي إلى انخفاض قيمة البضائع وإفلاس منشآت عديدة، تتقلص بالتالي قيمة الرأسمال الإجمالي. هذا الأمر يسمح بإعادة صعود لمعدل الربح ونشاط التراكم، إذا لم تتمكن القوى الطبقية النقيض أو البديل اليساري الديمقراطي من تجاوز وتغيير النظام الرأسمالي نفسه. على أي حال، فإنه بالرغم من ضخامة وحجم الخسارة المالية الناجمة عن هذه الأزمة، فإنها لم تراكم حتى اللحظة عوامل الانهيار الكلي أو الشامل للنظام الرأسمالي العالمي –خاصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذان يستحوذان على أكثر من ثلثي الناتج الإجمالي العالمي- لكنها بالتأكيد ستدفع نحو زيادة العوامل والتراكمات باتجاه المزيد من التفكك والتأزم في الاقتصاد الرأسمالي عموماً وفي منظومة العولمة الرأسمالية وأدواتها، (الصندوق والبنك الدوليين) وإيديولوجيتها الليبرالية الجديدة على وجه الخصوص، حيث سنشهد بالضرورة، وقبل نهاية العقد الحالي، تراجعاً حاداً في البعد الأحادي الأمريكي في السيطرة العالمية، سيؤدي إلى إزاحته ومن ثم إحلال شكل جديد من التعددية القطبية –في إطار النظام الرأسمالي في طور ما بعد العولمة-سيكون احد أهم رموزها – الاتحاد الأوروبي، واليابان، والصين وروسيا، وما سينتج عن ذلك من متغيرات اقتصادية عبر الدور الإكراهي للدولة الرأسمالية في التدخل الاقتصادي والعودة بشكل أو بأخر إلى معطيات المدرسة الكينزية بعد الفشل الذريع الذي أصاب مدرسة الليبرالية الجديدة وأدواتها وممارساتها من جهة كما سنشهد تغيرات سياسية على الصعيد الدولي، والإقليمي ستنعكس إيجاباً على دول أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا من حيث تفكيك أواصر التبعية السياسية والمالية والاقتصادية من جهة ثانية، علاوة على ما ستعكسه هذه التحولات الناجمة عن الأزمة الراهنة على هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها والعلاقات الدولية عموماً، باتجاه كسر هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية عليها، وفي كل الأحوال نحن العرب –وكل شعوب العالم- مقبلون على حقبة جديدة في حياة النظام الرأسمالي قد تدفع نحو نهايتها المحتومة أو قد تؤجل تلك النهاية وفق حركة وقدرات قوى البديل اليسار الديمقراطي في البلدان الرأسمالية أو في بلدان الأطراف، خاصة وان هذه القوى – في بلادنا كما في كل بلدان العالم- تدرك إن الأزمة الاقتصادية تفاقم التناقضات الاجتماعية ويمكنها أن تنفذ إلى أزمة اجتماعية وسياسية متفجرة. إنها تشير إلى أن النظام الرأسمالي أصبح ناضجا لاستبداله بنظام أكثر فعالية وأكثر إنسانية، لا يبذّر الموارد البشرية والمادية. لكنها لا تؤدي تلقائيا إلى انهيار هذا النظام، بل ينبغي أن يطيحه عمل واع من قبل الطبقات الفقبرة صاحبة المصلحة في التغيير عبر حركاتها واحزابها السياسية. وفي هذا السياق أشير إلى أن المشكلة/الأزمة بدأت منذ زمن في الاقتصاد الأمريكي في سوق السلع والإنتاج وتزايد الخلل في الميزان التجاري الأمريكي وصولاً إلى أزمة العقارات التي انتقلت إلى السوق المالي والبنوك .. يمكن ملاحظتها في سياق تسلسلها الزمني[1] عبر تراكمات قديمة تواصلت حتى اللحظة لم يتناولها بالتحليل سوى القليل، فالافلاسات في الشركات الأمريكية قديمة، علاوة على استمرار ضعف النمو الاقتصادي، فبالرغم من انتصارها في الحرب الباردة، “تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تخسر حاليا سيطرتها الأحادية في نظام العولمة كما تخسر حرب البطالة والمخدرات والإنتاجية والتعليم، علاوة على تزايد أزمة الاقتصاد الأمريكي منذ عام 2000 وصولاً إلى سبتمبر2008 عبر جملة من المؤشرات : 1-حسب ميدل ايست اون لاين http://www.middle-east-online.com فقد أكد تقرير بنك الاحتياط الفدرالي عام 2001 على استمرار ضعف النمو في قطاعي الصناعة والتجارة مع اتجاه لمزيد من الخفض في أسعار الفائدة ، كما “شكل إفلاس كل من شركتي world com للاتصالات في يوليو 2000 التي بلغت ديونها 41 مليار دولار، وشركة انرون Enron وهي أكبر شركة في قطاع الطاقة التي تجاوزت إيراداتها 100 مليار دولار في ديسمبر 2001، أكبر حالتي إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة، مما كشف طبيعة الأزمة الموجودة في مفهوم السلطة السياسية corporate governance، كما طال مسلسل الفضائح شركة “زيروكس zerox” العالمية التي تعد أكبر شركة لتقنيات التصوير في العالم، كما تعرضت مؤسسة “جي-بي مورجان تشيس” ثاني أكبر شركة مصرفية قابضة في الولايات المتحدة، وشركة “ميريل لينش” المالية، ومؤسسة “كلوبال كروسينج” و”أديلفيا للاتصالات” و”تشارتر للاتصالات” ثاني أكبر شركة كابل” [2]، أما “بالنسبة لأثر هذه الأزمة على الاقتصاد الأمريكي، فإن أغلب التقديرات تشير إلى أن الخسائر قد طالت عددا كبيرا من المستثمرين الأمريكيين قدر حجم خسارتهم نحو 8.6 تريليون دولار”[3] . 2- من واقع قراءة الأرقام والبيانات الاقتصادية الهامة التي يوردها د.عبد الخالق عبد الله في دراسته المشار إليها ، فإن الولايات المتحدة تستهلك أكثر مما تنتج ، وتستورد أكثر مما تصدر ، وخلال السنوات الماضية سجلت الولايات المتحدة –كما اشرنا من قبل- أعلى حالات الإفلاس في كل تاريخها المعاصر ، (أكثر من (700) ألف حالة إفلاس) ، كذلك أخذت الولايات المتحدة تعاني من أكبر عجز مالي في العالم تجاوز 400 مليار دولار ، أما إجمالي ديونها فإنه قد تجاوز كل الأرقام القياسية بعد أن أصبح يزيد عن ثلاثة آلاف مليار دولار ، أي أكثر من 1.5 ضعف إجمالي الديون المترتبة على كل الدول الأخرى في العالم ، الى جانب أكثر من (10) مليون شخص عاطل عن العمل (8% من القوة العاملة) ، كما تراجعت الولايات المتحدة الى الدولة رقم (13) من حيث الإنفاق على الصحة ، والدولة رقم (17) من حيث الإنفاق على التعليم ، ورقم (29) من حيث عدد العلماء والفنيين بالنسبة الى إجمالي السكان، حيث أن لديها (55) عالما وفنيا فقط لكل ألف نسمة مقابل (317) عالما وفنيا لكل ألف نسمة في اليابان ، وبالنسبة لاستهلاك المخدرات والكحول فإن الولايات المتحدة هي الأولى في العالم في هذا المجال ، حيث أنها تستهلك 80% من إجمالي المخدرات في العالم ، وهي من أعلى الدول في العالم بالنسبة لحالات التفكك الأسري والعنف والاغتصاب والقتل،  حيث أصبح 50% من الشعب الأمريكي يتعرض لشكل من أشكال الإجرام ، ونسبة 21% من كل النساء يتعرضن للاغتصاب . 3- لقد بات من الواضح أن الاقتصاد الأميركي في السنوات الأخيرة يعاني عدة صعوبات من بينها الركود، فقد وصل عجز الموازنة الأميركية في العقد الأخير من القرن الماضي إلى ما يناهز 350 ملياراً وبلغ حجم الديون الخارجية 3.5 تريليون دولار، وزادت ديون الأفراد بنسبة 12 في المائة ، في حين لم يرتفع دخل الفرد إلا بنسبة 7 في المائة ، كما ارتفعت معدلات البطالة إلى 8 بالمائة . وخلال فترة التسعينيات هبطت معدلات البيع في أسواق السيارات والعقارات هبوطاً حاداً, وأصبحت سرعة الإنتاجية تقل ثلاث مرات عن مثيلاتها في اليابان ومرتين عنها في أوروبا الغربية، هذا بالإضافة إلى التردي الذي تعرفه الخدمات الصحية والتعليمية، وتزايدت نسبة الإقصاء والتهميش في أوساط الفئات الفقيرة, وتراجعت نسبة العلميين والفنيين حسب تقرير التنمية البشرية في العالم، فهناك 55 فنياً وباحثاً لكل ألف من السكان الأميركيين مقابل 129 في كل من السويد وهولندا، و257 في كندا و317 في اليابان، وتشهد المدارس والجامعات الأميركية حالات من التدهور ، يبرزها تراجع طلابها أمام الطلاب الأجانب وخاصة في مجال الرياضيات والكيمياء وعلوم الحاسب الآلي. وحسب “ايمانويل تود” صاحب كتاب: (ما بعد الإمبراطورية، دراسة في تفكك النظام الأمريكي) الذي يتنبأ بانهيار الولايات المتحدة الأميركية، وهو كان سبق وتنبأ بتفكك الاتحاد السوفيتي قبل عشر سنوات من انهياره، فإن أميركا بحاجة إلى 1.5 مليار دولار يومياً لتغطية العجز في ميزانها التجاري الذي قارب عام 2000 الـ 450 مليار دولار. وهو يعتبر أن أميركا عشية القرن الحادي والعشرين أصبحت غير قادرة على أن تعيش على إنتاجها وحده إذا شاءت الاحتفاظ بنفس مستوى المعيشة، ويتنبأ المؤلف الذي أثار كتابه ضجة, بأنه مع ازدياد قوة “أوراسيا” ستنخفض وتتوقف التدفقات المادية والمالية التي تغذي أميركا اليوم، مما سيجعل منها دولة مثل غيرها من الأمم. 4- الولايات المتحدة تعاني من عجز كبير في الموازنة يُقدَّر أن يصل إلى أكثر من سبعمائة مليار دولار[4]، وحسب ما يقول رجل الاقتصاد الأمريكي “وارن بافيت” (وهو ثاني أغنى رجل في أمريكا) فإن العجز المتوقع في الموازنة الأمريكية أو مجموع الديون الأمريكية سيصل عام 2015 إلى (11) تريليون دولار، وهذا يعني أن خزينة الولايات المتحدة ستتكبد فقط فوائد سنوية على هذه القروض تشكل حوالي خمسمائة وتسعين مليار دولار، ستكون عبء الفائدة التي ستتكبدها الخزينة الأمريكية، وقد حذر مدير مكتب الكونغرس في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الفرنسية في 6مارس 2004 إن العجز التجاري الأمريكي المتراكم قد يلامس 2600مليار دولار من الآن وحتى العام[5]2015 . وفي هذا السياق يقول المفكر البريطاني “إريك هوبسبوم “والإمبراطورية الأميركية قد تسقط لأسباب داخلية، والأكثر إلحاحاً منها هو كون الامبريالية بمعنى السيطرة على العالم وإدارته، لا تثير اهتمام معظم الأميركيين الملتفتين بالأحرى إلى ما يحدث داخل الولايات المتحدة، فالاقتصاد هو على درجة من الوهن ما سيحمل الحكومة والناخبين الأميركيين يوماً على اتخاذ قرار بأن من الأهم الانكباب على هذا الأمر بدلاً من خوض المغامرات في الخارج”. أضف إلى ذلك أنه وكما يحدث حالياً أي تغطية افلاسات الشركات المالية الكبرى، سوف يكون على الأميركيين أنفسهم أن يمولوا جزءاً كبيراً من التدخلات الخارجية، وهذا ما لم يحدث لا في حرب الخليج ولا إلى حد كبير إبان الحرب الباردة” .  5-ومع أول انفجار للأزمة في سبتمبر 2008 عبر أزمة الرهونات العقارية[6] ، حيث أعلنت شركتي “فاني فاي وفريدي ماك” إفلاسهما ، وكان ذلك الإعلان أساس العاصفة المالية ، حيث أن هاتان المؤسستان اللتان ترمزان إلى ضخامة الفقاعة المالية، كانتا تغطيان بمفردهما مخاطر 45 في المائة من القروض العقارية الأميركية. ولإنقاذهما من الغرق، قبِلت الخزينة الأميركية في بداية أيلول/سبتمبر أن تضخّ فيهما مبلغ 200 مليار دولار. وهذا يعتبر تأميماً عملاقاً يُشير إلى تبدلٍ في الحقبة التاريخيّة ، كما يقول إبراهيم ورده (ملحق لوموند ديبلوماتيك-أكتوبر 2008) ، وفي يوم 15/9 اكتشف المودعون وضعا ماليا نجم عن إفلاس مصرف Lehman Brothers ، وهو المصرف الاستثماري الخامس في العالم ، وأنّ مصرف Bank of America ، قد إمتصّ مصرف MerrillLynch، عملاق السمسرة، بمساعدة السلطات الأميركيّة الحكوميّة؛ في حين يتمّ التحضير لإنقاذ مجموعة التأمينAmerican International group (AIG) التي تحتّل المرتبة الأولى عالمياً في مجال التأمين ، ثم –كما يضيف إبراهيم ورده (لوموند ديبلوماتيك 10/2008)- أعلن السيّد هنري بولسن ، وزير الخزانة الأميركية، عن وضع ماردي القرض الرهنيّ ، جمعيّة National Mortgage Association (Fannie Mae) وشركة Federal Home LoanMortgage Corporation (Freddie Mac)، تحت الوصاية الحكومية . وفيما يتعلق بنظام العولمة الأمريكي ، فإن البحث المدقق والمتعمق في صميم هيكل المجتمع الأمريكي وعلاقاته بالمنظومة العالمية يوضح أن طاقاته أقل من طموحاته. فالولايات المتحدة – كما أشرنا من قبل- تعانى من عجز مزمن في ميزانها التجاري إلى جانب ديونها المتراكمة[7] ، أي أنها لا توفر لباقي العالم الأموال اللازمة لدفع التوسع الرأسمالي قدماً ، وبما يضمن شروط إعادة إنتاج هيمنتها . وهو وضع يختلف عن وضع بريطانيا في القرن التاسع عشر-كما يقول سمير أمين بحق- ، حيث كانت الأخيرة تصدر أموالاً للعالم كله في ظل وجود فائض هيكلي للميزان التجاري البريطاني، ومن ثم توفرت لها الشروط الملائمة لإعادة إنتاج موقعها المهيمن . أما الولايات المتحدة –كما يستطرد سمير أمين- فهي أكبر مستورد للأموال، ومن ثم أصبحت مجتمعاً طفيلياً يمتص النصيب الأعظم من الفائض المنتج خارجه. ولا شك أن استمرار هذا الوضع الهش ، رهين برضوخ بقية بلدان العالم لتفاقم إفقارهم بلا نهاية. ونظراً لإدراك الولايات المتحدة التام لذلك ، فإنها تسعى بدأب إلى تعويض ضعفها الاقتصادي باستغلال تفوقها العسكري والنووي، الأمر الذي يجسد – في رأينا- ما يمكن تسميته بالهيمنة المأزومة والهروب إلى الإمام من ناحية ويؤكد بصورة قطعية خطأ طروحات واستنتاجات فرنسيس فوكوياما فيما يتعلق بزعمه حول نهاية التاريخ واقتصاد السوق والليبرالية الجديدة كإطار جامع ومستقبلي للبشرية، ولكن رغم ذلك لا بد من الإقرار بأنه بالرغم من تفاقم الأزمة المالية الراهنة، إلا أنها لم تمتد حتى اللحظة إلى توأمها الآخر، واقصد بذلك الاقتصاد العيني أو الإنتاجي والسلعي بكل جوانبه من ناحية كما ان ظروف العالم الرأسمالي عموماً وبلدان الأطراف خصوصاً لا تؤشر حتى اللحظة على توفر مشروع البديل الديمقراطي –اليساري كإمكانية واقعية من ناحية ثانية . ومن ناحية أخرى ، فإن بعض ردود الفعل على الأزمة ، اتخذت طابعاً فكرياً ، فكثيرون هم الذين يرون أن الأزمة ذات طابعً أيديولوجي- سياسي بامتياز، لأن الليبرالية الجديدة التي شنت حملات متعددة الأوجه منذ سبعينات القرن الماضي لفرض اقتصاد السوق وتحرير الأسواق والأسعار، وإنهاء دور الدولة في الحياة الاقتصادية وتسليم الاقتصاد إلى القطاع الخاص، فشلت تماماً ، وأخذ العديد من الدول يعود الآن إلى التأميم لإنقاذ اقتصاده، ومن هذه الزاوية يمكننا أن نرى العديد من ردود الفعل والانتقادات والتي تمثل موقف قوى اجتماعية وسياسية واسعة في جميع البلدان ولأول مرة تظهر الليبرالية الجديدة محاصرة ومدحورة بهذا الشكل . ولكن رغم كل مؤشرات التراجع والتأزم في بنية الاقتصاد الأمريكي، إلا أن العالم يقف مشدوهاً –كما يقول د.حازم ببلاوي- أمام ما يطلق عليه «الأزمة المالية» العالمية، فأكبر اقتصاد في العالم(الولايات المتحدة الأمريكية) مهدد بالانزلاق إلي هاوية الكساد والإفلاس، ومِن مَن ..؟ من أكبر وأعرق المؤسسات المالية الدولية في أمريكا وأوروبا، فكيف حدث ذلك؟ ولماذا هي «أزمة مالية» أكثر منها «أزمة اقتصادية»؟ فهي أزمة مالية أو هي أزمة في القطاع المالي يمكن أن تهدد بإغراق الاقتصاد الامريكي والاوروبي بأكمله إذا تفاقمت وادت إلى الانهيار المالي الشامل. ومن هنا أهمية وضوح تحليلنا لهذه الأزمة الذي يتطلب أولاً فهم واستيعاب «البدهيات» والمبادئ الأولية لعلم الاقتصاد، التي تفرق بصورة أساسية بين ما يمكن أن نطلق عليه «الاقتصاد العيني أو الحقيقي» وبين «الاقتصاد المالي»، كما يرى بحق حازم ببلاوي شارحا الفرق بينهما بقوله :  ”فأما الاقتصاد العيني «وهو ما يتعلق بالأصول العينية Real Assets فهو يتناول كل الموارد الحقيقية التي تشبع الحاجات بطريق مباشر (السلع الاستهلاكية) أو بطريق غير مباشر (السلع الاستثمارية) . «فالأصول العينية» هي الأراضي وهي المصانع، وهي الطرق، ومحطات الكهرباء، وهي أيضاً القوي البشرية. وبعبارة أخرى هي مجموع السلع الاستهلاكية التي تشبع حاجات الإنسان مباشرة من مأكل وملبس وترفيه ومواصلات وتعليم وخدمات صحية ، وهكذا فالاقتصاد العيني أو الأصول العينية هو الثروة الحقيقية التي يتوقف عليها بقاء البشرية وتقدمها . وإذا كان الاقتصاد العيني هو الأساس في حياة البشر وسبيل تقدمهم، فقد اكتشفت البشرية منذ وقت مبكر أن هذا الاقتصاد العيني وحده لا يكفي بل لابد أن يزود بأدوات مالية تسهل عمليات التبادل من ناحية، والعمل المشترك من أجل المستقبل من ناحية أخري. وهكذا –كما يضيف د.ببلاوي- بدأ ظهور مفهوم جديد اسمه «الأصول المالية» Financial assets، باعتبارها حقاً علي الثروة العينية. وأصبح التعامل يتم علي «الأصول المالية» باعتبارها ممثلاً للأصول العينية. فالبائع ينقل إلي المشتري حق الملكية، ومن ثم ظهرت فكرة «النقود» التي هي أصل مالي، بمعني أنها بمثابة «حق» ليس علي أصل بعينه (أرض معينة أو سلعة معينة) وإنما هي حق علي الاقتصاد العيني كله. فمن يملك نقوداً يستطع أن يبادلها بأي سلعة معروضة في الاقتصاد من السلع والخدمات المعروضة ، أي أن «النقود» هي أصل مالي ممثل عن الاقتصاد العيني. ولم يتوقف تطور «الأصول المالية» علي ظهور حق الملكية أو ظهور النقود كحقوق مالية علي الاقتصاد بل اكتشفت البشرية أيضاً أن الكفاءة الاقتصادية تزداد كلما اتسع حجم المبادلات، فالقابلية للتداول Negotiability ترفع القيمة الاقتصادية للموارد. ومن هنا ظهرت أهمية أن تكون هذه الأصول قابلة للتداول ، وهكذا –كما يستطرد د.ببلاوي- جاء ظهور الأوراق المالية من أسهم وأوراق تجارية وسندات مما زاد من حجم الأصول المالية المتداولة والتي تمثل الثروة العينية للاقتصاد. وساعد وجود هذه الأصول المالية المتنوعة علي انتشار وتوسع الشركات وتداول ملكيتها وقدرتها علي الاستدامة ، ثم يضيف بقوله : “ولكن الأمر لم يقتصر علي ظهور هذه الأصول المالية الجديدة (أسهم وسندات) بل ساعد علي انتشار تداولها ظهور مؤسسات مالية قوية تصدر هذه الأصول باسمها، وحيث تتمتع بثقة الجمهور مما أدي إلى زيادة تداول هذه الأسهم والسندات بين الجمهور” ، فمن ناحية ظهرت البورصات التي تتداول فيها هذه الأصول المالية، ومن ناحية أخرى فإن المؤسسات المالية الوسيطة (البنوك بوجه خاص) حين تمول الأفراد فإنها تحل، في الواقع، مديونية هذه البنوك التي تتمتع بثقة كبيرة لدى الجمهور محل مديونية عملائها، ومديونية هذا العميل للبنك تستند إلي ملاءة هذا العميل والثقة فيه . وهكذا لعب القطاع المصرفي – والقطاع المالي بصفة عامة – دوراً هائلاً في زيادة حجم الأصول المالية المتداولة وزيادة الثقة فيها. ومن هنا –كما يستنتج د.ببلاوي- بدأت بوادر أو بذور الأزمات المالية وهي بدء انقطاع الصلة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني. وأصبحت للأسواق المالية حياتها الخاصة بعيداً عما يحدث في الاقتصاد العيني.. ثم يضيف “ومن هنا أيضا تظهر حقيقة الأزمة المعاصرة باعتبارها أزمة «مالية» بالدرجة الأولي نجمت عن التوسع الكبير في الأصول المالية علي نحو مستقل ـ إلي حد كبير ـ عما يحدث في «الاقتصاد العيني»، ويرجع ذلك إلى المؤسسات المالية التي أسرفت في إصدار الأصول المالية بأكثر من حاجة الاقتصاد العيني، ومع هذا التوسع الكبير في إصدار الأصول المالية، زاد عدد المدينين، وزاد بالتالي حجم المخاطر إذا عجز أحدهم عن السداد. ورغم أن البنوك المركزية تراقب البنوك التجارية في ضرورة احترام هذه النسب، فإن ما يعرف باسم بنوك الاستثمار في الولايات المتحدة لا يخضع لرقابة البنك المركزي وفق شروط اتفاقية “بازل”[8] ، ومن هنا توسعت بعض هذه البنوك في الإقراض لأكثر من ستين ضعف حجم رؤوس أموالها كما في حالة UBS، ويقال إن الوضع بالنسبة لبنك Lyman كان أكبر، وهذه الزيادة الكبيرة في الاقتراض تعني مزيداً من المخاطر إذا تعرض بعض المدينين لمشكلة في السداد كما حدث بالنسبة للأزمة العقارية الناجمة عن توسع المؤسسات المالية في الإقراض بسبب بسيط –كما يقول د.ببلاوي- وهو “الجشع greed ، فمزيد من الإقراض والاقتراض يعني مزيداً من الأرباح قصيرة الأجل حيث يتوقف عليها حجم مكافآت الإدارة. وهكذا أدي الاهتمام بالربح في المدة القصيرة إلى تعريض النظام المالي للمخاطر في المدة الطويلة” دون أن يعني ذلك – كما أشرت في البداية- إلى أن هذه الأزمة تؤشر لانهيار كلي وشامل في بنية النظام الرأسمالي في المدى الزمني القصير على الأقل. أما عن سبب ولادة الأزمة الراهنة ، يقول منير حمارنةفي البداية كانت المصارف ومؤسسات البناء تجذب الإيداعات من المدخرين، ثم تقدمها على شكل قروض للذين يريدون شراء المنازل . وكانت المعادلة هذه سهلة جداً، من المدخر إلى المقترض عبر المصرف أو المؤسسة. ثم اتسعت العملية ، إذ من أجل زيادة الأرباح زاد التوجه إلى الاستدانة من المصارف الأخرى لتقديم القروض العقارية . وتحولت هذه المصارف الوسيطة إلى مؤسسات للتمويل الشمولي لقطاع العقارات، وأصبح لها حملة أسهم وإدارات نشطة تسعى لجني الأرباح ثم تفتق ذهن العاملين في هذا القطاع لزيادة الأرباح عبر أسلوب يقضي بتجميع القروض السكنية وبيعها كسندات أمان لمصارف أخرى أو لمستثمرين ماليين، وأدت مختلف الإيداعات الجديدة إلى زيادة وتنويع مصادر المخاطر. في البداية لم تكن هناك مشكلة ، كانت السوق العقارية تزدهر والمصارف تستعيد الأموال المقترضة من خلال ارتفاع أسعار العقارات، وأصحاب المنازل كانوا يتحملون تسديد ديونهم وحتى أخذ قروض جديدة. ثم أخذت المصارف تقرض دائنين لا مداخيل لديهم، وتعتمد على احتمال ارتفاع أسعار العقارات. ولكن عندما وصلت هذه العمليات الذروة في الأرباح والاستدانة، أخذت أسعار العقارات تتراجع وتتباطأ منذ عام 2006، مما أصبح يؤثر تدريجياً على قدرة المستدينين في تسديد ديونهم. هكذا هبط سوق القروض العقارية، وكشفت خسائر دائني القروض، واتضح أن أسعار العقارات جراء هذه المضاربات المتلاحقة والمتعددة قد جرى تضخيمها.  ومن الواضح أنه لم يكن من المتوقع أن تستمر حركة الرهن العقاري والربح العقاري على خطها المستقيم صعوداً كما حصل لمدة 18 عاماً، لأن طبيعة الدورة الاقتصادية، كما يعرفها ماركس، تلعب دورها في الاقتصاد الرأسمالي الذي يحرك الاستثمار فيه عامل الربح فقط. فالدورات الرأسمالية استندت إلى عامل الربح إلى أن بلغت الأرباح الذروة، ثم أخذت تتراجع وتتحول إلى خسائر كما هي طبيعة الدورة، حيث يواجه كل حالة صعود حالة هبوط” . وفي هذا السياق تشير مجلة الايكونومست البريطانية –كما أوردها منير حمارنة- إلى أن صناعة المال الأمريكية حصلت على 10% من إجمالي أرباح الشركات عام 1980 مقابل قروضها وخدماتها المختلفة لهذه الشركات، في حين أن حصة صناعة المال الأمريكية تضاعفت أربعة أمثال مع العام الأخير 2007، حيث تبلغ تقديرات أرباح المال المباشرة في العقد الأخير 1.2 تريليون دولار. ومع هذه الأرباح الخيالية فإن صناعة المال تحولت إلى الصناعة الرأسمالية الأولى وتراجعت أهمية القطاعات الإنتاجية والخدمية الحيوية وأصبح تدوير الأموال في الأسهم والسندات والمشتقات المالية المبتكرة والمضاربات في المعادن والنفط يأتي في مقدمة الأنشطة الرأسمالية ويتفوق على ما عداه من حيث الأرباح والأهمية . وفي ظل هذه الهزات المالية العنيفة فإن المؤسسات المالية الأمريكية فقدت نحو 1.2 تريليون دولار من القيمة الاسمية لأسهمها منذ أغسطس / آب 2007. ولا يقل عن ذلك خسائر سوق العمل، حيث فقد مائة ألف وظائفهم في القطاع المالي منذ بداية العام الحالي وهناك 50 ألف وظيفة أخرى في الطريق إلى الضياع. ومع إفلاس بنك ليمان براذرز فقد 26 ألفاً وظائفهم في القطاع المالي الأمريكي .   أما د.ببلاوي ، فإنه يرى أن الأزمة ولدت نتيجة ما أطلق عليه أزمة الرهون العقارية، فالعقارات في أمريكا هي أكبر مصدر للإقراض والاقتراض، فالحلم الأمريكي لكل مواطن هو أن يملك بيته، ولذلك فهو يشتري عقاره بالدين من البنك مقابل رهن هذا العقار، ثم ترتفع قيمة العقار، فيحاول صاحب العقار الحصول علي قرض جديد نتيجة ارتفاع سعر العقار، وذلك مقابل رهن جديد من الدرجة الثانية، ومن هنا التسمية بأنها الرهون الأقل جودة، وبالتالي فإنها معرضة أكثر للمخاطر إذا انخفضت قيمة العقارات، ولكن البنوك لم تكتف بالتوسع في هذه القروض الأقل جودة، بل استخدمت «المشتقات المالية» لتوليد مصادر جديدة للتمويل، وبالتالي للتوسع في الإقراض.. كيف ..؟ عندما يتجمع لدى البنك محفظة كبيرة من الرهونات العقارية، فإنه يلجأ إلي استخدام هذه «المحفظة من الرهونات العقارية» كضمان للاقتراض الجديد من السوق عن طريق إصدار سندات أو أوراق مالية مضمونة بالمحفظة العقارية، وهكذا فإن العقار الواحد يعطي مالكه الحق في الاقتراض من البنك، ولكن البنك يعيد استخدام نفس العقار ضمن محفظة أكبر، للاقتراض بموجبها من جديد من المؤسسات المالية الأخرى، هكذا أدى تركز الإقراض في قطاع واحد «العقارات» على زيادة المخاطر، ويأتي العنصر الثالث والأخير وهو نقص أو انعدام الرقابة أو الإشراف الكافي على المؤسسات المالية الوسيطة . وقد تكاتفت هذه العناصر علي خلق هذه الأزمة المالية، ولم يقتصر أثرها علي التأثير علي القطاع المالي بل إنه هدد أحد أهم عناصر هذا القطاع وهو «الثقة» فإن الأمور تصبح أكثر خطورة إذا فقدت الثقة أو ضعفت في النظام المالي الذي يقوم علي ثقة الأفراد . ويزداد الأمر تعقيداً نتيجة للتداخل بين المؤسسات المالية في مختلف الدول، فجميع المؤسسات المالية ـ وبلا استثناء ـ تتعامل مع بعضها البعض، وأي مشكلة عويصة تصيب إحدى هذه المؤسسات، لابد أن تنعكس بشكل مضاعف علي بقية النظام المالي المعولم. وهكذا نجد أن الأزمة المالية الحالية هي نتيجة للتوسع غير المنضبط في القطاع المالي في الولايات المتحدة ومن ورائه في بقية دول العالم المتقدم، والسؤال –كما يطرحه د.ببلاوي- : =&3=&

حول شعار الدولة الديموقراطية أو ثنائية القومية بقلم: نعيم الأشهب

???? ????? : 2008-10-01
??  ???? ???? ?????

????: ???? ?????? – ?????

?? ???? ????????? ??????? ?????? ?? ???? ????? ?????? ?????????? – ?????????? ??? ???? ????? ??????? ?? ??? ??????? ???? ?????? ?????? ??????????? ?? ?????? ?????? ??????? ??????? ?? ???? ?? ??? ??? ???????? . ??????? ??????? ???? ???? ????? ?? ????? ??????? ???? ???? ??? ?????? ??????? ?????????? ??: ?? ??? ???? ??????? ??? ????????? ????? ???:?? ???? ?? ???? ?????? ??????????? ?? ?????? ?????? ??????? ???? ????? ?? ??????? ????????? ???? ??????? ????? ???????? ???????? ?????? ??????? ??? ??? ???? ????????? ??? ?????? ???????: ?? ???? ?? ????? ????? ??? ?????? ?? ???? ???????? ??? ???? ?????? ??????????? ?? ???????? ???????? ??? ???? ?????? ?????? ??????? ?????? ???????? ?? ?????? ???? ?????? ?????? ??? ?? ????? ????? ????? ?????? ??????????? ?? ???????? ???????? ?? ??? ?????? 1967? ?? ?????? ????? ??? ????? ??????? ??? ??? ??? ???????? ?? ?????? ??????? ???????? . *** ???? ?????? ??????????? ?? ?????? ?????? ??????? ??? ??? ??????? ??? ?????? ?????????? ??? ????? ???????

???? ?? ????? ?? ???? ?????? ???????????? ??? ???? ???? ??? ???? ???? ??? ??? 1968 ? ????? ???? ??? ??? ?? ??? ?? ???? ??? ???? ?????? ??????? ???? ?????? ????? ???? ??????? ?? ?????? ????? ????????? ?????? ????????. ??? ???????? ?? ?????? ?????? ??????????? ??????? ?????? ??????? ???? ?? ????? ??????? ????????? ????? ???????? ?????? ???????? ????? ??????. ?? ??? ?????? ???? ?? ?????? ???? ????? ?????? ???? ??? ???? ??????? ???? ????? ???? ?????? ???????? ?? ??????? ????? ??? ???? ??????? ?? ???????. ??? ???? ??? ??????? ???? ?? ????? ???????? ??????????? ???????? ???????? ????? ????? ?????? ???????? ?????? ?? ????? ????? ?? ???????? ?????? ?????????? ????? ??? ?????? ?????????? 1936 – 1939 ?? ???? ??? ????????.
?? ??? ??? ????????? ??? ????? ???? ????? ??????? ????????? – ??????? ???????? ??????? ?? ?????? ???? ???? ??? ?? ?????? ????? ????? – ?????? ???????? ?? ??? ??????? ?? ?????? ?????? ??????????? ?????? ??????? ??????? ?????? ??????? ????????? ?? ??????? ???????? ???? ????? ?????? ????? ???????? ????????? ????? ?????? ???? ????? ??????? ?????? ?????????.
??????? ??????? ????? ????? ????????? ????? ???? ?????? ??? ?????? ??? ???? ????? ?????? ????? ??????. ???? ??? ????? ????? ???????? ?? ????? ????? ?? ??? ??????? ??????? ?????????? ?????????? ???? ???? ????? ????? ???? ????? ?? ?????? ??? ?????? ????? ????? ?? ??????? ??? ??? 1918? ?? ???????? ????? ????. ???? ??? ????? ?????? ?????? ?? ???????? ??????? ???? ???? ?? ??????? ??? ??? ???????.
??? ??????? ???????? ?? ????? ??????? ?????????? ????? ??? ?? ?????? ??????? ?? ?????? ?? ????? ????????? ?????????? ???????? ??? ???? ???? ???? ????? ?? ??? ???????? ??? ?? ????? ??????. ??? ??? ??????? ???? ???? ??? ???? ?? ???? ???? ?????? ???????? ????? ?????? ??? ?????? ????????? ???? ???? ??? ????? ???? ?????? ?????? ?? ??????? ??? ??? ??? ??? ????.
??? ????? ??? ??????? ??? ??????? ??????? ???????? ???????? ??? ??? ?? ???? 1943 ??? ???? ????? ??????? ????????? ?????? – ??????? ? ??? ??? ??? ??????? ??????? ?? ??????? ????????.
???? ????? ???? ?????? ?????? ?? ??????? ???? 1943? ?? ???? ??????? ??????? ???? ???? ?? ????? ??????? ????????? ??? ?????? ??? ????? ?????? ????? ???? ?????? ???? ?????? ??????????? ??????? ?????? ??????????? ????? ????? ?? ??? ??????? ??????? ???? ????? ?????? ?? ???? 1948? ?? ??? ????? ???? ??????? ??? ???? ???? ???????.
????? ??? ????? ??????? ????????? (??????? ????????) ???? ?????? ?????? ?????? ??????? ??????? ?????? ??????????? ??? ???? ???? ????? ?????? ?? 29/11/1947? ?? ?? ???????: ???? ?????? ?????? ?????? ??????? ????????? (??????? ????????) ???? ????????? ???? ??? ??????? ???????? ?? ?????? ?????? ???????? ????????? ????? ????? ??????? ????? ??????.
??? ??????? ???? ????? ??? ????? ??????? ????????? (??????? ????????) ???? ???? ??????? ??????? ?? ???? 1947? ??? ?????? ???? ??????? ?????? ?????? ??????? ???????? ????? ??????? ???? ?????? ?? ????? 1947 ???? ?????? ??????????? ???? ??? ????? ???? ??? ?????? ??? ???????? ????????? ?????? ?????? ??????? ????? ?????? ?? ?????? ??????????? – ????? ???? ???? ????? ?????? ??? ???????? ????? ???????? – ??? ????? ??? ????? ???? ?????? ???????? ??????? ?? ?????? ?????? ???????? ????? – ???? ???? ? ??? ???? ????? ?????? ????? ??????. ??????? ???? ??????? ??? ????? ?????? ??????? ?????? ????????.
???? ?? ???? ?? ??? ????? ??????? ?? ????? ???? ???? ???? ???????? ?????? ??? ????? ??? ????? ?????? ??????????? ??? ????? ???? ?? ??? ????? ?????????? ???? ????? ??????? ??????? ???? ?????? ???? ?????? ??????????? ?? ???????? ??????? ? ????? ?? ??????? ?? ???? ??????? ?? ??? ?????? ?????????? ??????? ??????? ????????.
??? ???? ?????????? ???? ????? ???? ?????? ???? ?????? ??? ??? ???? ???????? ?? ????? ??????????? ?????? ??? ??????? ??????? ???????? ?? ??? ????? ?????? ??????? ??????????? ???? ??? ????? ????? ?????? ?? ????? ????????? ?????? ???????? ??? ???? ????????: ?????? ???????????? ??????? ?????? ???????? ?? ???? ????????? ???????? ??? ???? ????????? (?????)? ??? ????? ?? ????? ?????? ?????.
***

البنك الدولي: تراجع النفط والأزمة سينالان من الشرق الاوسط

=&0=& 11.10.2008 12:18 قال خبراء اقتصاد لدى البنك الدولي ان استمرار تراجع سعر الخام وانخفاض التحويلات المالية من جراء الازمة المالية العالمية سيفضيان الى تباطوء النمو في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

وأبلغ فاروق إقبال مدير البنك لشؤون التنمية الاقتصادية في المنطقة الصحفيين أن “النفط كان مساهما رئيسيا في النمو بمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا على مدى العامين الأخيرين لكن اذا استمر تراجع الاسعار فسيتراجع النمو أيضا.”

وذكر إقبال أن خبراء الاقتصاد لدى البنك يعملون الان على أساس توقعات أن يبلغ متوسط سعر النفط 75 دولارا للبرميل في 2009. وتراجعت أسعار النفط من مرتفعات قياسية قرب 150 دولارا للبرميل في يوليو تموز لتغلق في معاملات نيويورك يوم الجمعة عند حوالي 80 دولارا للبرميل.

حول بعض الملاحظاتٍ على كتاب -اليسار والخيار الإشتراكي- داود تلحمي

=&0=&=&1=&=&2=&=&3=&=&4=&=&1=&=&6=&=&7=&=&8=&=&1=&=&10=&=&1=&=&12=&=&3=&=&14=&.

التجربة السوفييتية تبقى حدثاً مركزياً في القرن العشرين وفي التاريخ البشري

فالتجربة السوفييتية في التحول الإشتراكي، ومهما كان تحليلنا لمراحل مسارها ولأسباب انهيارها، تبقى حدثاً مركزياً بالغ الأهمية في القرن العشرين وفي التاريخ البشري بمجمله، حدثاً ترك بصماته على تطورات العالم كله خلال سنواتها السبعين ونيّف. وستبقى التجربة تترك تأثيراتها ومفاعيلها بعد الإنهيار.
فمن الممكن أن تكون هناك آراء متنوعة حول تقييم هذه التجربة، وحول مراحلها المتعاقبة، منذ ثورة العام 1917 وحتى الإنهيار وتفكك الإتحاد السوفييتي في العام 1991. ومن الممكن التفكير بفرضيات متعددة… لو حدثت ثورة أخرى، أو أكثر، واكبتها في إحدى دول أوروبا الأكثر تطوراً إقتصادياً ومجتمعياً… أو لو عاش لينين مدةً أطول ليقود بنفسه تلك المرحلة الإنتقالية البالغة الصعوبة… أو لولا أعمال هذا القائد أو ذاك من قادة الإتحاد السوفييتي اللاحقين… وهي فرضيات ليس من الممكن الجزم بما كانت ستؤول إليه، لأن ذلك كله يتعلق بماضٍ رحل، وبمعطيات بالغة التعقيد والتشابك لا يمكن، بالطبع، معرفة ما كان يمكن أن تفرزه بشكل محدد ومحسوم. وفي كل الأحوال، نحن الآن أمام تجربة منتهية وأصبحت مُلكاً للتاريخ. وما هو ممكن الآن، وضروري، هو السعي الى دراستها ودراسة إنعكاساتها على وضع الشعوب التي عاشت في ظلها أو في ظل تجارب شبيهة، كما شعوب بلدان ومناطق العالم الأخرى.
وأعتقد جازماً أن الأمور، في أية حال، لا تنتهي عند هذا الحد. أي إن التجربة السوفييتية، وأقصد هنا أيضاً مجمل التجارب الشبيهة التي شملتها انهيارات 1989-1991 وتفككات يوغسلافيا اللاحقة، باقية بآثارها على مجتمعاتها، وعلى بلدان العالم، بأشكال متعددة. وهي، وإن انتهت من زاوية حضورها المرئي، ستبقى، كما العديد من الأحداث الكبرى في التاريخ البشري، موجودة تحت السطح ولها امتدادات متنوعة ومتراكمة، بحيث ستبقى بصماتها وتفاعلات ما أنجزته، وما أخفقت في إنجازه، قائمة لفترة طويلة من الزمن.

في سبيل الدفاع عن الوطن