الخلفية السياسية والاقتصادية لمواقف دول أمريكا اللاتينية

كشفت الحرب القذرة التي شنّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بدعم وتأييد من حلف الأطلسي عن ظاهرتين بارزتين: الأولى مواقف الدول الصديقة المؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني، وأخص بالذكر دول أمريكا اللاتينية، والتي تستحق الشكر والتقدير على مواقفها الرائعة والمبدئية ضد حرب الإبادة، وقد عبّرت معظم هذه الدول مجتمعة ومنفردة عن مواقف مبدئية منحازة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني باعتبارها جزءً أساسيًا من حركة التحرر العالمي. فقد ألغى زعماء البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا والأوروغواي والباراغوي في اجتماع مشترك اتفاقية “الميركسور” للتعاون الاقتصادي مع الكيان الصهيوني، كما اعتبرت بوليفيا “إسرائيل” دولة إرهابية، “ووقعت على نداء مقاطعة إسرائيل” الذي تتبناه منظمات غير حكومية، وقرر الرئيس الفنزويلي، “نيكولاس مادورو”، استضافة الأطفال المصابين، وكفالة الأطفال اليتامى.

الآثار الإنسانية والاجتماعية لحرب الإبادة

هزيمة نكراء باعتراف جنرالات الاحتلال الصهيوني.. جيش الاحتلال يجر أذيال الخيبة.. فشل العدوان الإسرائيلي الإجرامي في تحقيق أهدافه المعلنة.. “تدمير قواعد الصواريخ وشل عمل المقاومة الفلسطينية”، لم تتوقف صواريخ المقاومِة حتى الدقيقة الأخيرة من وقف إطلاق النار، لكن قوات الاحتلال نجحت بجدارة بمنافسة “هتلر وموسليني” في قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير المنازل والمدارس على رؤوس المدنيين والأطفال. لم تفلح الطائرات والمدافع الإسرائيلية التي ألقت حممها خلال أربعة أسابيع في فرض صك الاستسلام على غزة الباسلة.. غزة التي نالت إعجاب وتقدير شعوب العالم أجمع.. ونجحت في تلقين جيش الاحتلال درسًا جديدًا، غزة الشامخة التي عانقت السحاب بصمودها وتضحياتها.

وصمة عار على جبين النظام الدولي

صوَّب المجرمون الفاشست لهيب نيرانهم -وللمرة الثالثة على التوالي- على مدارس الأنروا، رغم حصول المسؤولين في الأنروا على موافقة قوات الاحتلال على إيواء الأطفال والنساء الفلسطينيين في مدارسها، وتسليم إحداثيات هذه المدارس للمحتلين الصهاينة لتجنب قصفها؛ فقد استخدمت هذه الإحداثيات لتوجيه القنابل الأمريكية الحارقة لقتل النساء والأطفال الذين احتموا بالمدارس. وصمة عار على النظام العربي الذي لم يُحرك ساكنا لوقف المذابح، لوقف شلال الدماء.. آلاف الفلسطينيين بين قتلى وجرحى؛ منهم: 80% من المدنيين، مُعظمهم من الأطفال والنساء. كتب الجندي الإسرائيلي دافيد عوفاديا -على حسابه على شبكة التواصل الاجتماعي- “قتلت اليوم 13 طفلا عربيا”. عار على جبين النظام الدولي ألا يضع حدًّا لهؤلاء القتلة! والذي يُقيم الدنيا ولا يقعدها على قتل “إسرائيلي” واحد، في حين تخضبت أرض غزة بدماء الفلسطينيين وقادة التحالف الإمبريالي، يُكررون تصريحاتهم الاستفزازية العدوانية “من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها!!”.

بريكس تقدم نموذجا اقتصاديا جديدا

بإعلان مجموعة بريكس عن إنشاء “بنك للتنمية وصندوق للطوارئ” تكون المجموعة قد أقدمت على خطوة هامة نحو ترسيخ نظام عالمي متعدد القطبية. فقد أعلنت رئيسة البرازيل ديلما روسيف عن توقيع الاتفاق أثناء انعقاد قمة البرازيل، وبرأسمال مبدئي 100 مليار دولار، وسيتخذ البنك من مدينة شنغهاي الصينية مقرًا له. ويتميز تكتل بريكس بتوجهه السياسي المغاير للسياسات الامبريالية، فهو ينطلق بعلاقاته الخارجية من المصالح المشتركة، بعيدًا عن نهج الهيمنة والتبعية، وهذا ما أكدته ديلما روسيف، بأن المجموعة تسعى لتحقيق العدالة والمساواة في الحقوق، كما إنها شددت على ضرورة المشاركة البناءة للمنظمات الدولية في حل المسائل السياسية المعقدة، منعا لأعمال أحادية الجانب لصالح دولة ما، وقد طالب زعماء بريكس بتحقيق إصلاحات في نظام الحصص التصويتية في صندوق النقد الدولي.

عدوان همجي.. تشتت شعبي .. صمت رسمي

منذ عدة أيام والعدو الصهيوني يشن حرب إبادة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مستهدفا البنية التحتية والسكان المدنيين، مخلفا عشرات الشهداء ومئات الجرحى. جاء العدوان الصهيوني بعد الجريمة النكراء التي ارتكبها المستوطنون بإحراق الشاب محمد أبوخضير حيًّا بعد حقنه في البنزين، والاعتداء الوحشي على ابن عمه. ليضيف الاحتلال جريمة جديدة لسجله الملطخ بدماء الفلسطينيين. إنّ استدعاء قوات الاحتلال لجنود الاحتياط دليل واضح على النوايا المبيتة لدى العدو الصهيوني لخوض معركة طويلة، هدفها تدمير بنية المقاومة، وقتل الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، فهو يعتقد أن المناخ السياسي عربيا وإقليميا أصبح ملائما لفرض شروط الاستسلام على الشعب الفلسطيني.

نهج جديد وسياسة اقتصادية جديدة

إذا كانت السياسات الليبرالية المنفلتة القائمة على تحرير أسواق المال والتجارة وفرض الضرائب غير المباشرة وإفقار المواطنين، وراء إسقاط حسني مبارك ومحمد مرسي؛ فالحكومة الانتقالية التي شكلها المستشار عدلي منصور برئاسة حازم الببلاوي ليست أوفر حظًا. أختير الببلاوي بصفته شخصية اقتصادية يتمتَّع بخبرات واسعة، وكان من أولى مهامه التصدي للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر، وعلى الرغم من الغموض الذي اكتنف إقالته، إلا أن أسباب الإقالة لم تكن لخلافات تتعلق بالنهج الاقتصادي، حيث واصلت حكومة إبراهيم محلب النهج ذاته، ولم تشهد مصر خطوات إيجابية ملحوظة في الجانب الاقتصادي خلال العام الأخير، إن لم نقل إن الأزمة تفاقمت بشكل ملموس، لعدم وجود رؤية استراتيجية واضحة لمواجهتها.

الآثار الاقتصادية للأزمة العراقية

قبل تناول الآثار الاقتصادية للأزمة لابد من الإشارة إلى أن المتضرر الحقيقي لما يجري في العراق، الشعب العراقي أولا والأمة العربية ثانيا، من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن قتل للأبرياء، والتهميش والإقصاء والتدخل الأجنبي في شؤون العراق، ونهب الاحتكارات الرأسمالية لثرواته النفطية، وإفقار وتشريد العراقيين، ومحاولات تمزيق الدولة.. أمّا الآثار الاقتصادية لها أبعاد إقليمية ودولية.

ألقت الأزمة العراقية بظلالها على الاقتصاد العالمي، فقد هوت أسعار الأسهم في البورصات العالمية منذ الإعلان عن احتلال المسلحين لعدد من المدن العراقية، وارتفعت أسعار النفط، وسادت أجواء من الذعر في الأسواق العالمية، خشية من استمرار الأزمة، واتساع رقعة القتال ودخول العراق في حرب أهلية تؤثر على الصادرات النفطية للأسواق العالمية، في ظل المقاطعة الإيرانية، ووقف الإمدادات النفطية الليبية، فقد واصلت أسعار النفط ارتفاعها منذ سقوط الموصل بأيدي المسلحين، قبل أن تتراجع إلى أقل من 114 دولارا للبرميل في نهاية الأسبوع الماضي، بعد إعلان المملكة العربية السعودية عن استعدادها لتعويض السوق العالمي من أي انخفاض ناجم عن الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة، فقد أعلن مسؤول نفطي سعودي لوكالة رويترز أنّ السعودية لها القدرة على ضخ حوالي 12.5 مليون برميل يوميا – تنتج حاليًا حوالي 9.7 مليون برميل- وأضاف المسؤول السعودي سوف نستمر في المحافظة على توازن سوق النفط الدولي. فقد أسهم التعهد السعودي بتعويض أي نقص ناجم عن تراجع الصادرات العراقية وابتعاد الأعمال القتالية عن الجنوب العراقي ومواصلة الحكومة العراقية بتصدير النفط من البصرة، بتهدئة الأسواق العالمية.

ماذا يجري في العراق !

قبل الدخول في تفاصيل ما يجري في العراق، علينا الاعتراف أولا بحقيقة موضوعية؛ وهي أن الكارثة التي حلت بالعراق هي حصيلة الاحتلال الأمريكي عام 2003، وتعيين بريمر حاكما للعراق، وقيامه بتشكيل مجلس للحكم على أسس طائفية لمساعدته، وتدمير الجيش العراقي والمؤسسات الوطنية، وتنصيب ما يسمى بالمعارضة التي دخلت العراق على ظهر الدبابة الأمريكية لقيادة الدولة العراقية بعد انتهاء مهمة بريمر، وكان حريصا على إصدار دستور طائفي للعراق يحمل بذور صراعات وأزمات طائفية ومذهبية قبل مغادرته، متضمنا 21 تشريعا طائفيا ومذهبيا للأحوال الشخصية، مقسما الشعب العراقي الى 21 تجمعا (مجاميع) على أسس طائفية ومذهبية وإثنية، وتم نقل معاملات الأحوال الشخصية والمدنية للمواطنين من المؤسسات المدنية في المدن والمحافظات إلى مؤسسات دينية؛ مما أدى إلى غرس بذرة تفتيت العراق طائفيا، وقد أسس الدستور لتقسيم العراق (سنة وشيعة وكرد) وعزز العصبيات القبلية والمذهبية، واعداد العراق نحو نظام الأقاليم والفيدراليات تمهيدا لتقسيمه إلى دويلات.

في سبيل الدفاع عن الوطن