أرشيف التصنيف: Uncategorized

مشروع قانون ضريبة الدخل

قبل ابداء الرأي في التعديلات المطروحة على قانون ضريبة الدخل، لا بد من الاشارة الى أن هذه التعديلات يفترض أن تكون جزءا من حزمة اجراءات في مواجهة عجز الموازنة، صحيح أن تعديل قانون ضريبة الدخل يعتبر مطلبا وطنيا، بهدف اعادة توزيع الدخل وتحقيق العدالة الاجتماعية وزيادة ايرادات الخزينة، الا أن ارتباطه بخطوات حكومية تتعلق برفع أسعار المياه والكهرباء بعد اجراءات الرفع المتلاحقة لأسعار المشتقات النفطية، سوف يترك آثارا سلبية على الاقتصاد الوطني عامة، وعلى الغالبية العظمى من المواطنين خاصة. صحيح أن الدولة معنية بتوفير المال لتخفيض عجز الموازنة، لكن ذلك لن يتحقق من خلال الجباية، فزيادة الأعباء على المواطنين اجراء انكماشي يسهم في استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي ويفاقم الأزمة.
لذلك ينبغي أن تقلع الحكومة عن فكرة رفع أسعار الكهرباء عامة وعن الصناعة خاصة من حيث المبدأ حتى لا تتسبب بكارثة اقتصادية، سيكون لها آثار اجتماعية خطيرة، ومن باب التذكير فان القطاع الصناعي يوظف 239 ألف عامل وعاملة، ويتعرض لمنافسة حادة من قبل دول عربية وآسيوية خاصة في ظل تحرير أسواق التجارة. علما أن هناك بدائل أمام الحكومة، أولا العمل على تخفيض تكلفة الكهرباء، فهناك تأكيدات من قبل ذوي الاختصاص بأن قطاع الكهرباء يعاني من تراجع كفاءته في التصنيع والتزويد، ما يرفع تكلفة الانتاج، عدا عن ضرورة العمل على تنويع مصادر الطاقة، وهي متاحة محليا سواء من خلال الطاقة البديلة أو بواسطة الصخر الزيتي. أما الجانب الثاني الذي يجب تحقيقه الى جانب الاصلاح الضريبي التفكير الجدي بتخفيض النفقات العامة للدولة، ولن أدخل بتفاصيل التخفيضات، فالمقال لا يحتمل وقد تناولت هذه التخفيضات في مقالات سابقة اضافة الى مكافحة الفساد.
عودة الى مشروع قانون ضريبة الدخل الذي قدمته الحكومة الأسبوع الماضي يمكن ملاحظة ما يلي: هناك تعديلات جوهرية أبرزها اعتماد مبدأ الضريبة التصاعدية ورفع سقف الضريبة الى 40% على الدخل الذي يزيد على مليوني دينار لقطاعات البنوك والشركات المالية والصرافة والتأجير التمويلي. أما شركات الاتصالات والتأمين والتعدين والوساطة المالية فقد طرح المشروع لأعلى سلم الضريبة التصاعدية الى 40% للدخل الذي يزيد على مليون دينار، والمجموعة الثالثة، الأشخاص الاعتباريين والمقصود هنا الشركات التجارية والصناعية المختلفة وغير الواردة في المجموعتين الأولى والثانية، ويصل السلم الضريبي لهذه القطاعات الى 25% بعد الدخل الذي يزيد عن 500 الف دينار. أما الشخص الطبيعي فقد خفض المشروع الاعفاءات عن الأفراد من 12 ألفا الى 9 آلاف والأسرة من 24 الفا الى 18 ألفا، مع فرض ضريبة تصاعدية تبدأ بـ 5% وتصل الى 30% على الدخل الذي يزيد على 50 الف دينار.
الملاحظ أن المشروع أبقى على النص نفسه الذي ورد في القانون المؤقت رقم 28 لعام 2009 والذي تضمن مساواة القطاع الصناعي بالقطاع التجاري، الأمر الذي يحرم القطاع الصناعي ميزة وجود سياسة ضريبية تفضيلية للقطاع الصناعي، فالاصلاح الضريبي يعتمد على مبدأ الضريبة التصاعدية على الشركات والأفراد، والمشروع قدم خطوة مهمة في هذا الاتجاه بما يكفل زيادة إيرادات الخزينة، وتحقيق العدالة الاجتماعية. اضافة الى استخدام السياسة الضريبية كأداة لتحفيز الاستثمار في القطاعات المنتجة والمشغلة للعمالة المحلية. وهذا لم يتحقق في المشروع المقدم ، لذلك أعتقد أنه من الضروري تخفيض نسبة الضريبة على القطاع الصناعي.
أما القطاعات التي ما زال المشروع عاجزا عن الوصول اليها، القطاعات الطفيلية، فقد حان الوقت للوصول الى المضاربات المالية والعقارية، بفرض ضريبة على أرباح المتعاملين في البورصة والعقارات، والمتاجرة في القطاعات التي تحقق أرباحا خيالية أسوة بالمستثمرين في القطاعات الأخرى في البلاد، حيث يمكن توفير آلية مناسبة لتحديد صافي الربح والخسارة للمتعاملين من خلال المؤسسات المعنية. وان سياسة ضريبية من هذا النوع تحفز المستثمرين الانتقال من القطاعات الطفيلية الى القطاعات الانتاجية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جزءا مهما من أرباح هذه القطاعات تتحول الى خارج البلاد.
أما النقطة الأخيرة فان الاصلاح الضريبي يجب أن يشمل ضريبة المبيعات باعادة هيكلتها وتخفيضها الى نقطة الصفر على الغذاء والدواء ورفعها على سلع الرفاهية. وسحب صلاحية الحكومة بتحديد نسبة الضريبة الخاصة لأنها تشكل مخالفة دستورية، تصل أحيانا الى نسب مرتفعة كالمشتقات النفطية على سبيل المثال، وحصر أي تعديل بالمؤسسة التشريعية .

فنزويلا في عهد تشافيز

ودع الشعب الفنزويلي وفقراء العالم في الخامس من آذار مناضلا ثوريا وقائدا أمميا مميزا، “هوغو تشافيز” قائد الثورة البوليفارية، فمنذ أربعة عشر عاما حصل شافيز على ثقة الشعب الفنزويلي عبر صناديق الاقتراع وانتخب رئيسا لفنزويلا عام 1999 وحصل على 56% من الأصوات، ومنذ ذلك التاريخ وهو يتمتع بثقة الشعب، وأعيد انتخابه لعدة دورات كان آخرها في نهاية العام الماضي، الا أن المرض لم يمهله. وفي آخر انتخابات نيابية فاز الحزب الاشتراكي الموحد الذي كان يقوده تشافيز بالانتخابات التشريعية بحوالي 60 % من مجلس النواب. لقد أسهمت السياسات الليبرالية واملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين التي كانت سائدة قبل وصول تشافيز الى السلطة في تعميق الاحتقانات الاجتماعية.
تميزت التجربة الفنزويلية بالمواءمة بين التعددية السياسية والفكرية في اطار الدولة الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع، وبتحقيق الاشتراكية، (اشتراكية القرن الحادي والعشرين) كما يُجرى وصفها من دون المساس بالحريات العامة حيث تعرف العالم على نموذج جديد من الاشتراكية، مختلفا عن اشتراكية الأحزاب الشمولية التي استندت على قاعدة امتلاك “الحقيقة المطلقة”، فقد صانت الثورة البوليفارية حرية الرأي والتعبير والتنظيم والتظاهر، وأفسحت المجال أمام المعارضة، التي جندت صفوفها وواصلت عملها بحرية مطلقة مستخدمة امكاناتها غير المحدودة في مواجهة الثورة الاشتراكية، رغم لجوئها الى العنف وقيامها بانقلاب عسكري في نيسان عام 2002 مدعوم من الاحتكارات الراسمالية، ومن قبل الدوائر الامبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. الا أن الفئات الشعبية تصدت بحزم للانقلابيين وأعادت السلطة الشرعية بعد 48 ساعة على الانقلاب.
إن غياب تشافيز يعتبر خسارة كبرى ليس للشعب الفنزويلي فحسب، بل ولفقراء العالم أجمع، وعزاؤنا فيه أنه ترك ارثا ثوريا ودولة ديمقراطية وحزبا مناضلا يستمد قوته من قاعدة شعبية تمثل الفقراء والكادحين الذين تمتعوا بمكاسب ملموسة عبر السلطة الشعبية بتوفير التعليم المجاني الشامل، وتقديم الخدمات الصحية للفقراء والمسحوقين، الذين أصبحوا يدافعون عن مصالحهم وحقوقهم المكتسية ومنجزاتهم الاجتماعية.
إن اهمية المنجزات التي حققتها الثورة الفنزويلية أنها أسهمت بتحالفها مع الثورة الكوبية باعادة تشكيل القارة الاميركية على أسس جديدة، بسقوط الأنظمة الديكتاتورية وانتخاب أنظمة ديمقراطية اجتماعية، لتحل مكان الأنظمة الديكتاتورية التي كانت تعرف بجمهوريات الموز، والأنظمة البوليسية التي تروع المواطنين وتمارس القهر والاضطهاد باشكالهما كافة. والأنظمة الغارقة بالفساد وتجارة المخدرات.
جاء انتصار الثورة البوليفارية لاعلان بزوغ فجر جديد في القارة الاميركية، أوصل قيادات شعبية من طراز جديد عبر صناديق الاقتراع الى الحكم في عدد من الدول، يمثلون نهجا ديمقراطيا اجتماعيا، وبعض هؤلاء القادة من صفوف الحركة النقابية والعمالية مثل الرئيس البرازيلى السابق، لولا دا سيلفا، الشخصية المميزة الذي قاد بلاده لدورتين بجداره. وحققت البرازيل في عهده نموا اقتصاديا متميزا، لتصبح سادس أكبر اقتصادات العالم وتحتل مكان بريطانيا بفضل وتائر النمو الاقتصادي. أما الرئيس البوليفي فهو من صفوف الحركة النقابية ويمثل حالة متقدمة في تاريخ الدولة ويعتبر انتصاره في الانتخابات امتدادا لمبادئ القائد التاريخي جيفارا، اضافة الى النجاحات التي حققتها الارجنتين ونيكارغوا والاكوادور وغيرها، في مواجهة الفقر والتخلف وبناء اقتصادات وطنية مستقلة وصياغة نموذج اقتصادي جديد، فقد نجحت هذه الدول في تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتحرير اقتصاداتها من التبعية، وتحقيق النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، لدرجة أن منظمة (اونكتاد) المنبثقة عن الأمم المتحدة للتجارة والتنمية اعترفت ان هذا النموذج الاقتصادي يشكل بديلا للسياسات الاقتصادية ” الليبرالية الجديدة ” التي هيمنت على اقتصادات معظم دول العالم منذ تسعينيات القرن الماضي، وكانت سببا مباشرا لتعميق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وأدت الى انفجار الأزمة المالية والاقتصادية التي يعاني منها النظام الراسمالي حاليا. لقد افشلت دول اميركا الجنوبية بزعامة تشافيز اتفاقية إقامة منطقة التجارة الحرة لدول القارة الأميركية، الصادرة عن مؤتمر قمة كيبك في كندا في يناير 2001، حيث اعتبرها تشافيز اتفاقية غير متكافئة تسهم في تكريس الهيمنة الأميركية على اقتصادات دول القارة.
حاز هوغو تشافيز على شعبية في عدد غير قليل من دول العالم تفوق شعبية حكامها، فقد وقف الى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال الصهيوني وطرد سفير “اسرائيل” في بلاده أثناء العدوان الصهيوني على قطاع غزة ، كما وقف الى جانب المقاومة اللبنانية في نضالها ضد المحتلين الصهاينة، وكان له موقف مؤيد وداعم للشعب العراقي ضد الاحتلال الامريكي .

مؤيد العتيلي

صمت هاتفك ولم أعد أسمع صوتك المجلجل.. لم أعد أسمع عبارتك الشهيرة: أين أنت يا رجل.. نعم تأخرت عليك.. اعذرني يا رفيقي.. لم احتمل، أكاد ألا أصدق أنك رحلت بعد مسيرة مليئة بالعطاء.. ذات يوم ومنذ أربعة عقود .. جاءني صديق عزيز، متلهف للتعبير عن مشاعره تجاه شاب مثقف.. مهذب.. دمث الأخلاق، مستدركا.. هل تعرفه.. اسمه مؤيد، قلت لا لم أتشرف بمعرفته بعد، رغم أنني متشوق لرؤيته فقد سبق وحدثني عنه أحد الأصدقاء، الا أن خصوصية العمل السري قد لا تسمح لي بذلك، فهو في القطاع الطلابي للحزب الشيوعي، وأعتقد أنه من طلاب الجامعة الأردنية .. صحيح ولكن لن أفوت عليك هذه الفرصة، سأتولى هذه المهمة اليوم، وسأفسد عليك انضباطك الحزبي.. ذهبت بمعية رفيقي المرحوم المناضل محمد الشقارين، كان ذلك في أوائل سبعينات القرن الماضي .. كانت تربطني علاقة حميمة بالشقارين، أمضينا أهم مرحلة في حياتنا بالنضال ضد الاحتلال الصهيوني تحت مظلة قوات الانصار .. حملت تلك الأيام ذكريات شخصية وانسانية ووطنية .. نتسامر ونتناول أطراف الحديث حول مختلف القضايا، بدءا من حياة الناس البسطاء في القرية والمدينة مرورا بالقضايا الثقافية والفكرية، وانتهاء بردود الافعال الساخنة لموافقة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على مبادرة روجرز.. أو المشاركة في فك اشتباك بين مؤيد ومعارض من فصائل المقاومة في منطقة لا تبعد بضعة كيلومترات عن مواقع العدو الصهيوني.. وتحت قصف المدافع الاسرائيلية أحيانا. كان لقاءا حميميا رغم أنه الأول، توطدت العلاقات لاحقا مع صديق العمر ورفيقي مؤيد، عملنا سويا في خدمة الطبقة العاملة والحركة النقابية، وتناوبنا على رئاسة جلسات المؤتمر التأسيسي للحزب الديمقراطي الاشتراكي المنعقد في تشرين الثاني 1992، وأوكل لنا صياغة برنامج الحزب وواصلنا العمل في صفوف الحركة الوطنية من مختلف المواقع المتاحة. تولى مؤيد رئاسة تحرير جريدة الحزب ” الفجر الجديد” وسامي الزبيدي وفهد الخيطان أعضاء في هيئة التحرير، عملت على ارساء مبادىء الحرية والديمقراطية، وهي من أولى التجارب في مجال التعددية السياسية في اطار الحزب الواحد. شاءت الأقدار أن يغادرنا سامي ومؤيد في أسبوع واحد وبالطريقة نفسها، خلال أسبوع اختطف الموت صديقين عزيزين. كان سامي يكتب تحت اسم الهندي الأحمر، وكان خياله خصبا.. متجاوزا الخطوط التي رسمها الحزبيون بعباراتها وديباجاتها ومنطوقها الثوري المركزي، كانت تجربة جديدة حملت اجتهادات أصاب بعضها واخطأ بعضها الآخر.
توطدت علاقاتنا الى أن أصبحت من أسمى العلاقات الانسانية والنضالية، ليس على الصعيد الشخصي فحسب، بل والعائلي ايضا، فقد أسهمت مصاهرة الشقارين لمؤيد، بتوطيد العلاقات وتعميقها فيما بيننا. اتقن مؤيد فنون النضال مستفيدا من كفاءته ومواهبه المتنوعة.. مؤيد الكاتب والشاعر والنقابي والسياسي وقبل كل ذلك الانسان، فقد انخرط في صفوف النضال مبكرا من خلال عضويته في اتحاد الطلبة وانتمائه للحزب الشيوعي، في أوائل سبعينات القرن الماضي، وكان له دور تعبوي مؤثر في صفوف الحركة النقابية من خلال نشاطه في نقابة المصارف، حين كان موظفا في القطاع المصرفي، وتبوأ موقعا قياديا في نقابة العاملين في المصارف والتأمين والمحاسبة، وأصبح رئيسا للنقابة. كان موضع احترام وتقدير، لكل من تعرف عليه، كان يتمتع بصفات مميزة. متواضع .. ودود .. شهم .. مرهف الاحساس ومتدفق الحماس دفاعا عن القضايا العادلة.. متميزا باسلوبة .. اللعنة صمت هاتفك .. ولم أعد أسمع صوتك.
لم يجلس مؤيد المثقف والشاعر والكاتب والروائي في برج عاجي.. لم تنحصر علاقاته بالنخب رغم ابداعه وعطاءه النوعي، فهو مع العمال عاملا ونقابيا، ومثقفا ثوريا، غادرنا مؤيد مبكرا وهو في ذروة عطاءه، كان نائبا لرئيس رابطة الكتاب الذي واكب نشاطاتها منذ تأسيسها. كان حراكيا ومناضلا مع ابناء شعبه من أجل الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية، ومن أجل تحقيق اصلاح شامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، رافضا تحميل الشعب اعباء الازمة المالية والاقتصادية، كان مؤمنا حتى العظم بالدفاع عن قضايا الطبقة العاملة، والفقراء عامة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
كان مؤيد ملتصقا بقضايا شعبه وأمته، ناضل في صفوف الحركة الوطنية من أجل أردن وطني ديمقراطي،مؤمنا بحتمية الانتصار وتحرير الأرض والانسان، وطرد الغزاة الصهاينة، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس، وحق العودة. والتحرر من التخلف والتبعية، والنهوض بالامة تحت رايات الحرية والديمقراطية والوحدة. كان في وداع مؤيد جمهور واسع من مختلف ألوان الطيف السياسي. المجد والخلود لفقيدنا الغالي، وخالص العزاء لأسرتك واصدقائك.
 

ماذا بعد الانتخابات ..؟

عندما ترفض الجماهير الشعبية أن تُحكم بأساليب الماضي، وعندما تفشل أدوات السياسة في مواصلة الحكم بالأساليب نفسها، ماذا يعني ذلك…؟ ، هذا يعني ان هناك أزمة عامة في البلاد، وانسداد في الأفق. وقد عبرت الجماهير الشعبية في حراكاتها ومسيراتها في مختلف المحافظات عن رفضها المطلق للنهج السائد بفرض سياسة الأمر الواقع على الشعب، ورفع أسعار المشتقات النفطية، وغياب الاصلاحات السياسية، ورفض القوانين التي تنتمي للماضي وفي مقدمتها قانون الانتخاب. هذا القانون الذي حرم الشعب الأردني من ايصال ممثليه الى قبة البرلمان، وأفرز حكومات فشلت في ادارة موارد البلاد، وتجفيف منابع الفساد، وكممت الأفواه وأصدرت القوانين المقيدة للحريات الصحفية، ومارست الضغوط المباشرة على الصحفيين، وعطلت أهم مواد الدستور” الشعب مصدر السلطات” حين زورت ارادة الشعب بايصال نواب لا يمثلون الشعب.
في المقابل تتآكل قاعدة النظام وتتسع الشريحة التي توجه نقدا للنهج السائد، خاصة ممن احتلوا مواقع قيادية في البلاد، فقد أقروا بحجم الضرر الذي لحق في الدولة نتيجة التزوير الذي جرى في الانتخابات النيابية، لكنهم يصرون على أن هذا التزوير تم في آخر دورتين فقط، وان كان الواقع يشير الى غير ذلك فان العصر الحديث لم يشهد انتخابات حرة ونزية وغير موجهة منذ صدور قانون الصوت الواحد سيء الذكر.
لقد جرى تداول خمس حكومات خلال العامين الماضيين، لم تقدم أي منها مخرجا للأزمات، وان جاءت الحكومة الحالية في ذروة الأزمة الا ان هذا لا يعني انها مسؤولة وحدها عّما وصلت اليه البلاد من خلل أصاب كافة مناحي الحياة. الا انها تتحمل مسؤولية رفع أسعار المشتقات النفطية في الوقت الذي لا تحمل برنامجا وطنيا لمعالجة الأزمة المالية، ومع ذلك تجري محاولات يائسة لتسويق الانتخابات النيابية، بعد اتساع الفجوة بين السياسات الرسمية والشارع الأردني، لعدم وجود ثقة بأن البلاد ستشهد انتخابات حرة ونزيهة، فقد زورت ارادة الشعب مسبقا من خلال قانون الصوت الواحد المجزوء الذي جرى اعادة فرضه مجددا، بعد أن أفرز هذا القانون برلمانات وحكومات مسؤولة عن الازمات المستعصية، فمن يصر على فرض قانون اقصائي يسهم في تزوير ارادة الشعب، لن ولم يمهد لانتخابات نزيهة، فالعلاقة مترابطة بين النظام الانتخابي والاجراءات التي تتبعها السلطة التنفيذية لتمرير سياسات محددة.
والنتيجة أن البلاد تمر في أزمات واحتقانات لا تحتاج الى حلول قسرية وفرض سياسة الأمر الواقع، بل تحتاج الى حلول خلاقة، فهناك استحقاقات سياسية واقتصادية واجتماعية تحتاج الى حكومة اجماع وطني تنبثق عن انتخابات حرة ونزيهة، تتولى فتح ملف الفساد وتحويله بالكامل الى القضاء. وفتح الملف الاقتصادي، والاقلاع عن السياسات الاقتصادية التي أوصلت البلاد الى الخراب. فالمديونية المتفاقمة لم تعد تسمح للحكومات القادمة بأن تواصل سياسة الاقراض، لسبب بسيط أنه لم يعد ممكنا الاقتراض من الخارج نتيجة الشروط القاسية والمذلة لاملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، كما أن الدين الداخلي امتص السيولة من السوق المحلي وأصبحت الحكومة منافسا قويا للقطاع الخاص على التسهيلات الائتمانية، أما المنح القادمة من الأشقاء فقد لمسنا حجم الضغوطات السياسية والمذلة التي استخدمت للافراج عنها ، ليس هناك أفضل من استثمار مواردنا بشكل جيد، وضبط النفقات العامة والاعتماد على الذات.
في ظل هذه الأجواء تصر الحكومة على اجراء الانتخابات النيابية بموجب القانون الذي أفرز المجالس السابقة، مع تعديل طفيف لا يحدث تغييرا ملموسا في النتائج، على الرغم من اتساع قاعدة المقاطعة للانتخابات من أحزاب سياسية وقوى وشخصيات وطنية واجتماعية، اضافة الى أوساط واسعة من الحراكات الشعبية، ناهيك عن المزاج الشعبي العام الذي يتجه نحو العزوف عن المشاركة في الانتخابات، وقد اتسعت هذه الظاهرة بعد قرار الحكومة برفع الأسعار، والتحضير لوجبة جديدة تتضمن رفع أسعار الكهرباء والماء، فمن غير المتوقع أن تنهي الانتخابات التي ستجري في مطلع العام القادم الأزمة أو تشكل مدخلا للخروج منها، بل ستسهم في تفاقمها، ولم يكتب للمجلس القادم الذي سينتخب على القانون الحالي ان يعمر كثيرا، ولن يكون حظه اوفر من المجلسين الاخيرين .
 

من المسؤول عن تفاقم الأزمة…؟

ألهب قرار الحكومة برفع أسعار المشتقات النفطية الشارع الذي يشهد حراكا سياسيا وشعبيا منذ مطلع العام الماضي، بهدف تحقيق اصلاحات سياسية ودستورية كخطوة على طريق الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية. وبدلا من الاستجابة للمطالب الشعبية لتحقيق الاصلاحات لمواجهة الأزمات المركبة، أقدمت الحكومة على التأزيم بقرارها المجحف رفع اسعار المشتقات النفطية. ان الاجراء الحكومي المجتزأ بتحميل المواطنين اعباء الازمة المالية لا يشكل مخرجا للازمة، بل يدخل البلاد بأزمات جديدة، وقد جاء هذا الاجراء اذعانا لاملاءات صندوق النقد الدولي على خلفية حاجة الحكومة للاقتراض منه .
لم يكشف رئيس الوزراء سرا حين تحدث عن تفاقم عجز الموازنة وتنامي المديونية، بسبب تراجع الايرادات وزيادة النفقات، فالعجز الذي تعاني منه الخزينة ليس طارئا، وهو ثمرة السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة، صحيح أن انقطاع الغاز المصري الذي تعتمد عليه الأردن بشكل رئيسي في توليد الكهرباء أسهم في تفاقم الأزمة، لكن نهج السياسات الاقتصادية هو المسؤول عن معاناة البلاد من الأزمات، حتى في قضية الغاز كان على الحكومة استدراك الموقف مبكرا وقبل وقوع الأزمة بتنويع مصادر الطاقة واستغلال الصخر الزيتي لتوليد الكهرباء، واستخدام الطاقة المتجددة، وحتى مع ظهور الأزمة منذ اكثر من عام كان باستطاعة الحكومة تدارك الموقف وبناء رصيف لاستدراج عروض للغاز المسال من مصادر اخرى، لكن غياب الشعور بالمسؤولية لدى اصحاب النهج السائد وغياب مجالس نيابية تعكس ارادة الشعب، نتيجة التزوير ادى الى تردي الأوضاع الاقتصادية، وانفلات النفقات العامة للحكومة .
فقد أظهرت الموازنة العامة للحكومة المركزية والمؤسسات المستقلة، للعام الحالي 2012 بعد اقرارها من مجلس الامة كما جاءت من الحكومة من دون تعديل في نهاية شباط الماضي بوجود عجز قدره حوالي 2757 مليون دينار، كما قدرت الايرادات المحلية بحوالي 5625 مليون دينار. على افتراض ان الايرادات المحلية سوف تنمو 17% وبقيمة قدرت بحوالي 900 مليون دينار مقارنة مع عام 2011، من دون الاستناد الى معطيات علمية لتحقيق هذا النمو، فالنمو الاقتصادي المتوقع للعام الحالي لا يتجاوز 2.4% كيف يمكن تحقيق نمو في الايرادات بنسبة كهذه ..؟ الا اذا اقدمت الحكومة على فرض ضرائب جديدة وهذا ما فعلته الان وباعتراف رئيسها انها تفرض ضرائب على المشتقات النفطية تصل الى 40 %، ومن المفترض انها تغطي العجز المتحقق في الديزل والغاز المنزلي الامر الذي لا يبرر بحال من الاحوال رفع الاسعار. علما ان النسبة الحقيقية للضرائب تصل الى حوالي 53 %. مع الاشارة هنا الى ان سياسة زيادة الضرائب غير المباشرة وخاصة على المشتقات النفطية تعتبر سياسة انكماشية تسهم بشكل مباشر في تباطؤ النمو الاقتصادي، وتضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الاردني، في ظل سياسة الاسواق المفتوحة التي تنتهجها الدولة، فالاثار الجانبية لرفع الاسعار تتجاوز حدود التعويضات التي يجرى الحديث عنه فالقضية لا تمس المواطنين فحسب، بل والاقتصاد الاردني عامة. وقد بدأت الاثار السلبية بالظهور في الاسواق المحلية من تراجع الطلب على السلع. وقد حاولت الحكومة تسويق قرارها تحت ذريعة ايصال الدعم لمستحقيه، بتحويل دعم نقدي لبعض الفئات الاجتماعية، ومن غير المتوقع ان تكون للدعم النقدي اثار ايجابية على الفئات الشعبية، فالدعم النقدي المعلن متواضع جدا، ولا تتمتع هذه الحكومة كغيرها من الحكومات المتعاقبة بثقة المواطنين لعدم استمرار الدعم وفقا للتجارب الماضية.
ان تحميل الفئات الشعبية اعباء الازمة المالية والاقتصادية دفعت الجماهير الشعبية إلى النزول الى الشارع للمطالبة بالتراجع عن القرارات الحكومية، خاصة وان بوسع الحكومة الاقدام على حزمة اجراءات تسهم بتخفيض عجز الموازنة بعيدا عن جيوب الفقراء، كالغاء ودمج المؤسسات الحكومية بالوزارات وتطبيق اعادة الهيكلة بتخفيض الانفاق وإلغاء الامتيازات غير المبررة الممنوحة لكبار الموظفين، وليس باجراءات ادارية فحسب وبطريقة استعراضية كما اعلن الرئيس. مع الاهتمام باستثمار الموارد الطبيعية بوجه افضل، فالاردن لا يعاني من افتقار الموارد بقدر معاناته من سوء استخدامها. وتحويل الاقتصاد الاردني من اقتصاد ريعي الى اقتصاد انتاجي. و تعزيز وتطوير أجهزة الرقابة لسد منابع الفساد المالي والإداري، ومحاسبة الفاسدين، واسترداد اموال الشعب المنهوبة.
اضافة الى كل ذلك ان الحكومة الحالية حكومة انتقالية تشكلت للقيام بمهمة محددة لا يمتد عمرها الى اكثر من ثلاثة أشهر للاشراف على الانتخابات، ولم تحصل على تفويض من الشعب او ممثليه لاتخاذ اجراءات كهذه، ولا تملك برنامجا متكاملا لمعالجة الازمة المالية والاقتصادية، وليس من حقها الدخول إلى جيوب المواطنين .
 

الأفاق المستقبلية للعلاقات الاقتصادية العربية

فهمي الكتوت

23/1/2010
لم يتمكن الوطن العربي من تحقيق الاكتفاء الذاتي, في غذائه وكسائه ودوائه, وفجوة الغذاء تتسع عاما بعض آخر, لتصل حوالي 24 مليار دولار سنويا, وبنسبة نمو 8 %, والحبوب تشكل 50%, أما الزيوت النباتية 62%, رغم المعلومات الرسمية التي تشير,

هل من حل سياسي في الافق

فهمي الكتوت

   25/7/2009

هيلاري كلينتون تطالب بدعم وتشجيع الحكومة اليمينية الإسرائيلية بخطوات تطبيعية لدفعها نحو اتخاذ قرارات صعبة سياسيا, وتؤكد ان التقدم نحو السلام ليس من مسؤولية الولايات المتحدة أو إسرائيل فقط. مما يتضح أن منهجية الدبلوماسية الأمريكية ما زالت قائمة على ممارسة الضغوط على الطرف العربي, لفرض تسوية لا تستجيب للمصالح الوطنية, ومع ذلك يبقى السؤال مطروحا, هل من تسوية بالأفق وما هي مفرداتها, للإجابة ينبغي معرفة حاجة الأطراف الرئيسية الثلاثة للتسوية, العربي والإسرائيلي والأمريكي.

1- منذ تولي الرئيس باراك اوباما سلطاته الدستورية وهو يسعى لترميم علاقاته مع البلدان العربية والإسلامية, وقد برز هذا جليا بخطابه في جامعة القاهرة بداية الشهر الماضي عندما خاطب العرب والمسلمين بلغة عاطفية أضفى عليها طابعا إسلاميا, رصد المراقبون عدد كلمات مسلم أو إسلامي في خطابه بحوالي ثلاث وأربعين مرة, وذلك محاولة لإنهاء ثماني سنوات من التحريض والعداء والعدوان والاحتلال لأراض عربية وإسلامية, مع ذلك لم تقدم الإدارة الأمريكية خطوات ملموسة تجاه القضية الفلسطينية او القضايا العربية عامة, فهي ما زالت تردد المصطلحات نفسها التي استخدمها بوش مثل حل الدولتين والمطالبة بوقف إنشاء مستوطنات جديدة, متجاهلة المستوطنات القائمة والجدار والقدس وحق العودة, ليس هذا فحسب فلم تصمد مطالباته للإسرائيليين بوقف الاستيطان فأصبحت تطلب تنازلات عربية لإقناع نتنياهو بوقف الاستيطان, كما واصلت الحديث عن انسحاب قوات الاحتلال الأمريكي من العراق من دون الإعلان عن تحملها مسؤولية الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب العراقي. الموقف الأمريكي يعكس حجم الأزمة التي خلفتها إدارة المحافظين الجدد للولايات المتحدة, سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا, فالإدارة الجديدة معنية بإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي أو هكذا تبدو لتمرير المصالح الأمريكية في مرحلة ما بعد بوش بأدوات أخرى وسياسات أقل تكلفة ولتوفير مناخ ملائم لمغادرة جنودها المهزومين في العراق وأفغانستان, وذلك تحت ضغط الأزمة المالية والاقتصادية التي تعاني منها, ليس بهدف توفير مليارات من الدولارات تضخ لتغطية النفقات الحربية فقط, بل أيضا لاستقطاب مزيد من الأموال العربية لتوظيفها في مواجهة الأزمة, فسياسة الغطرسة والعربدة التي مارستها الإدارات السابقة في ظل نظام عالمي تمتعت به بأحادية القطبية, قد انهار وهي عاجزة عن مواصلة نهجها السابق, لذلك نلاحظ انفتاحا أمريكيا على العالم وبشكل خاص على الدول الوازنة التي تشكل ثقلا اقتصاديا للبحث عن مخارج للازمات المتراكمة وبؤر التوتر التي أشعلتها في المرحلة السابقة. ومع ذلك لن تخرج إدارة اوباما كثيرا عن السياسات الأمريكية التقليدية إلا بقدر ما تفرضه الظروف والمستجدات التي أفقدتها القدرة على العمل بالأساليب السابقة.

ما بعد الحداثة

Normal 0 false false false /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:”جدول عادي”; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:””; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:”Times New Roman”; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;}

 ما بعد الحداثة, مفهوم معقد, حيث تبقى الصعوبة في الحقيقة, قائمة في تقديم تعريف دقيق ومحدد لهذا المفهوم أو مصطلح, كونه قد ظهر أو تجلى في دراسات أو مجالات دراسية أكاديمية كثيرة ومتنوعة شملت, الفن , هندسة العمارة, الموسيقى , السينما, الأدب , السوسيولوجيا, الاقتصاد, الأزياء, التكنولوجيا…وغيرها, لذلك من الصعوبة بمكان تحديد موقع مفهوم ما بعد الحداثة, هل هو معاصر ؟, أم تاريخي؟, بل أن الصعوبة نجدها أيضا في قدرتنا على تحديد بداية هذا المفهوم ……..