أرشيف التصنيف: Uncategorized

ارتفاع معدلات الفقر.. أسباب ونتائج

كشف التقرير العربي للأھداف الإنمائية للألفية 2013 الذي أعدّته الأمم المتحدة وجامعة الدول
العربية أن اكثر من “خُمس العرب” يعيشون تحت خط الفقر، وبالكاد يجدون “قوت يومھم”
وبعضھم لا يجد كفاف يومه، وقد كشف التقرير ان معدل الفقر في المنطقة العربية ارتفع من
%22.7 في عام 1990 الى 23.4 % في عام 2011 ، وقد ارتفعت نسبة الذين يعانون من الفقر
المدقع (الحالة التي لا يستطيع فيھا الإنسان الوصول إلى إشباع حاجاته الغذائية لتأمين 3000
سعر حرارية يوميا ليتمكن من مواصلة حياته ع2ند حدود معينة (من 4.1 % عام 2010 الى
%7.4 عام 2012 ، وقد ارتفعت نسبة الذين يعانون من الفقر المدقع على المستوى العالمي في
البلدان الاقل نموا من 13.9 % عام 1990 الى 21.6 % عام 2012 ، وقد سجلت المنطقة
2010 مقارنة مع – العربية اقل قدر من التقدم في تخفيض نسبة الفقر المدقع بين عامي 1990
الدول النامية.
إن الظروف البائسة التي تعيشھا الجماھير الشعبية في معظم الاقطار العربية ناجمة عن نظم
الفساد والاستبداد، التي اخضعت اقتصادات الوطن العربي لمصالح الاحتكارات الرأسمالية، بھدف
توسيع السوق الرأسمالي، وتعميم الثقافة الاستھلاكية وإبقاء الاسواق العربية مفتوحة امام
المنتجات الرأسمالية، وفرض النموذج الاقتصادي الريعي، والخضوع للسياسات الليبرالية التي
فرضتھا المؤسسات الدولية من صندوق النقد والبنك الدوليين الى منظمة التجارة العالمية لصالح
المراكز الرأسمالية، بإزالة كافة الحواجز الجمركية امام انسياب التجارة الخارجية وتحرير اسواق
المال، وفرض سياسة التخاصية، مما ادى الى انتعاش البرجوازية الطفيلية، واتساع مظاھر
الفساد المالي والاداري، ونھب خيرات الامة العربية، وتعميق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية،
بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وانھيار القيمة الشرائية لاجور العمال والمستخدمين والفقراء
عامة، وفرض سياسات ضريبية متحيزة ضد الفقراء استنزفت طاقاتھم وقدراتھم الاقتصادية،
وحولت غالبية المواطنين الى فقراء، بسبب الارتھان لمصالح الاحتكارات الرأسمالية، التي ادت
الى إفقار الشعوب العربية، وارتفاع معدلات البطالة. إن رُبع شبابِ العالم العربي وخُمسُ نسائه
ھم من دون عمل يوفر لھم عيشاً لائقا، وانتشار سوء التغذية بمعدلات لم تشھدھا المنطقة من
. قبل، لتطالَ خمسين مليون شخص، بعد أن كان العدد ثلاثين مليون في عام 1990
لقد مررت الدوائر الاستعمارية سياسة التخاصية في البلدان العربية بذريعة تعثر بعض
المؤسسات، وادخال الشريك الاستراتيجي، لتطوير القدرة التنافسية لھذه المؤسسات، وعلى الرغم
من عدم توفر مسوغات لھذه التبريرات، فھناك حلول خلاقة للمؤسسات المتعثرة، بما في ذلك
خصخصة ادارة بعض الشركات اذا اقتضت الحاجة الى ذلك، وھو ليس خيارا وحيدا، مع الاحتفاظ
بملكية الاصول للدولة. ومع ذلك لم تقف سياسة التخاصية في البلدان العربية عند المؤسسات
المتعثرة، بل تجاوزتھا واصبحت تطبقھا نھجا سياسا واقتصاديا، وبذلك جرى التخلي عن مقدرات
الدولة بأسعار زھيدة لا تتناسب اطلاقا مع قيمة الاصول التي دفعت من جيوب المواطنين وعلى
حساب زيادة عدد الفقراء في الوطن العربي، خضوعا لمصالح الاحتكارات الرأسمالية، وطبقة
السماسرة والفاسدين الذين تلقوا الرشا والعمولات، لتجعل من متنفذين في السلطة اثرياء بلا
حدود، وتتشكل طبقة واسعة من البرجوازية الطفيلية من الفاسدين وناھبي اموال الشعب.
( فعلى سبيل المثال قامت الحكومات الاردنية المتعاقبة ببيع مؤسسات الدولة بحوالي ( 2400
مليون دولار، وبأقل بكثير من القيمة الفعلية لھذه المؤسسات، وتم ھدر ھذه الاموال التي تعتبر
ملكا للاجيال، دون الاستفادة منھا بأي مشروع تنموي استثماري. ويكفي الاشارة الى شركة
الفوسفات الاردنية احدى اھم فضائح الفساد في الاردن، التي تم بيعھا بسعر بخس واعطاء
الفاسدين امتيازات واسعة مكنتھم من الاستيٮلاء على مئات الملايين من الدولارات، وقد اضطرت
الجھات الرسمية تقديم احد رموز الفساد للقضاء بعد الفضائح المتتالية للمدعو وليد الكردي الذي
احتل منصب رئيس مجلس ادارة شركة الفوسفات الاردنية، بالسجن لسبعة وثلاثين عاما وتغريمه
( حوالي ( 350 ) مليون دولار. علما انه تم بيع نصيب الحكومة من شركة الفوسفات بقيمة ( 112
مليون دولار فقط لا غير.
كما يقول د. احمد السيد النجار الخبير الاقتصادي المصري، “تم إھدار ما بنته الحكومات والأجيال
السابقة بأسعار لا تزيد على 10 % من سعر الأرض، وتشريد أكثر من نصف مليون عامل،
وتدمير بعض الصناعات المتقدمة كليا. وعلى سبيل المثال قامت شركة بابكو أند ويلكوكس
الأمريكية بتدمير صناعة المراجل البخارية فى مصر بعد شراء شركة النصر للغلايات ومخزوناتھا
ب 17 مليون دولار فى صفقة فساد مروعة، بينما تبلغ قيمتھا الحقيقية نحو 25 مِثلا”!
لھذه الأسباب وغيرھا يعاني الوطن العربي من الفقر والتخلف، والتبعية السياسية والاقتصادية،
ولھذه الاسباب ھبت الشعوب العربية ضد نظم الفساد والاستبداد من اجل تحقيق الحرية
والديمقراطية والشفافية، لاختيار ممثلين حقيقيين للشعوب العربية ولتحقيق تنمية اقتصادية مبنية
على الموارد الغنية التي يملكھا الوطن العربي، ومكافحة الفقر ومعالجة قضايا البطالة وتحقيق
العدالة الاجتماعية.

مغزى الذهاب إلى الكونغرس

تنعقد قمة العشرين في ظل خلافات سياسية واقتصادية حادة، حيث تهيمن الأزمة السورية على اجواء المؤتمر. إضافة الى عدد من الملفات الاقتصادية، ابرزها، اثر انهاء سياسة الحفز الاقتصادي الذي تطبقه الولايات المتحدة الاميركية على النمو الاقتصادي، وانعكاساته على الاقتصاد العالمي، كما تحظى الاقتصادات الناشئة بالاهتمام الرئيس لدورها المحوري في الحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي على الرغم من تراجع النمو الاقتصادي في روسيا والهند، الا انها تبقي مجموعة بريكس في طليعة الاقتصاد العالمي، وتبقى منطقة اليورو الحلقة الاضعف في المراكز الاقتصادية العالمية رغم التحسن الطفيف الذي طرأ خلال الربع الاخير.

جردة حساب

ليس من قبيل الصدفة أن شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية كانت الجامع المشترك الأعظم بين الثورات الشعبية في البلدان العربية، رغم أن لكل دولة خصوصيتها اقتصاديا واجتماعيا؛ إلا أن السمة العامة لهذه البلدان خضوعها للتبعية الأجنبية. فالاستقلال السياسي الذي انتزعته الشعوب العربية من الاستعمار الكولونيالي بعد تقديم مواكب الشهداء من أعز وأنبل وأشرف أبناء الأمة وفاء واخلاصا للوطن من أجل الحرية والاستقلال، تم استلابه من قبل الاستعمار الجديد المتمثل بالاستعمار الاقتصادي، بتمكين المراكز الرأسمالية من فرض شروط التبعية على البلدان النامية عامة وفي عدادها البلدان العربية، بعد اغراقها بالمديونية، واخضاعها لاملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، والاستيلاء على مقدرات هذه البلدان، ونشر الثقافة الاستهلاكية؛ في وقت أفلتت بعض الدول النامية (الصين الهند البرازيل..الخ) من فخ المديونية وشروط التبعية بفضل امتلاكها الارادة السياسية في التحرر والانعتاق، وأصبحت نموذجا يحذى حذوه في العالم.
جاءت الثورات العربية لانجاز برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية، ومن أولى مهامها تطهير البلاد من الفساد والاستبداد، واقامة دولة ديمقراطية يسودها العدل والمساواة، والتخلص من هيمنة البرجوازية الطفيلية ووكلاء الشركات الأجنبية ” الكمبرادور” على الاقتصاد الوطني، واعادة الثروات العربية المنهوبة، واستثمار الموارد العربية في مشروع تنموي اقتصادي اجتماعي، ومعالجة قضايا الفقر والبطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية. فمن حق الشعب صانع الثورة، أن يطلب من الحكومة المنتخبة تقديم جردة حساب، لمعرفة الانجازات التي حققتها. رب قائل يقول إن عاما أو اكثر غير كاف لحصد المكاسب.. صحيح ولكن، شريطة وجود برنامج عمل واضح يحدد مسار الحكومة، وآفاق التطور الاقتصادي والاجتماعي، وهذا لم يحدث في كل من مصر وتونس وليبيا التي شهدت سقوط أنظمة ديكتاتورية. لا بل شهدت هذه البلدان تراجعا خطيرا في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، انعكست مظاهرها باتساع مساحات الفقر وارتفاع معدلات البطالة، ما دفع ملايين المصريين في العودة الى الشارع لتصحيح مسار الثورة.
تناولت الأسبوع الماضي بعض مظاهر تراجع الوضع الاقتصادي في مصر، أواصل في تغطية بعض مظاهر التراجع الاقتصادي والاجتماعي، التي كانت سببا في إحداث تغيير جوهري من قبل الجماهير الشعبية تجاه الإخوان المسلمين. يقول الخبير الاقتصادي المصري د. احمد السيد النجار رئيس مركز الدراسات الاقتصادية في جريدة “الأهرام”: لم يطرأ أي تحسن في الانفاق العام على قطاع الصحة المتدني أصلا .. فقد استلم د. مرسي الحكم والإنفاق على الصحة يقدر بنحو 5% من اجمالي النفقات العامة، أي أقل من ثلث ما تطلبه منظمة الصحة العالمية وهي 15% للحفاظ على صحة الفقراء ومحدودي الدخل والصحة العامة للمجتمع. فقد حافظ مشروع موازنة 2013/ 2014 على المعدل نفسه حيث خصص حوالي 4,7% من الإنفاق العام للصحة..! وفي السياسة الضريبة التي تشكل أهم أدوات اعادة توزيع الدخل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فقد اقتصر الاعفاء الضريبي على أول ألف جنيه في الشهر. علما أن الحركة العمالية المصرية تطالب برفع الحد الأدنى للأجر الى 1500 جنيه شهريا، أما الشريحة العليا للضرائب نسبتها 25% لمن يبلغ دخله أكثر من 250 ألف جنيه. بينما تبلغ في الولايات المتحدة 43 %، وفي فرنسا وبريطانيا وإيطاليا 40% .
أما تونس فهي ليست أفضل حالا، فالاقتصاد التونسي يعاني من تراجع ملموس في احتياط العملات الأجنبية التي انخفضت من 13 مليار دينار إلى 10 مليارات دينار تونسي. وارتفعت نسبة الفقر والبطالة . وتقول وزارة الشؤون الاجتماعية في تقرير لها، إن نسبة الفقر بلغت 24.7? وفقا للمعايير الدولية التي تحدد حد الفقر بدولارين للفرد الواحد يوميا. وتقدر وزارة الشؤون عدد العاطلين من العمل بـ700 الف شخص ، 69% منهم تقل أعمارهم عن 30 عاما.. ويقول وزير الشؤون الاجتماعية التونسي: «الفقر والبطالة وعلاقات الإنتاج تشكل أبرز المواضيع التي تتصدر مطالب واحتجاجات المواطنين في هذه الفترة».. ويُتوقع تواصل الاحتجاجات مع عجز الحكومة الوفاء بوعودها للمواطنين.
صحيح أن البلدان العربية بحاجة إلى مزيد من الوقت لتوفير الاستقرار السياسي والاقتصادي، شريطة التخلي عن السياسات الاقتصادية الليبرالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وعدم انخراط المؤسسة العسكرية في العمل السياسي، وكان من الأفضل أن تواصل الحركة الشعبية دورها في تصويب مسار الثورة من دون تدخل المؤسسة العسكرية. إلا في حالة تعرض السلم الأهلي للخطر، مع تأكيد صيانة حق المواطنين في التعبير عن ارائهم بالطرق السلمية، ورفض أي شكل من اشكال الاعتداء على حقوق الانسان ، وعزل الأصوات الداعية للاقتتال الأهلي .

ماذا يُجرى في تركيا ؟

لم تكن حديقة تقسيم سوى الشرارة التي أشعلت المظاهرات الشعبية الواسعة في مختلف المدن التركية، ما يعزز الانطباع بوجود أسباب أعمق وأشمل من قضية تقسيم، فالمجتمع التركي يعاني من أزمات سياسية واجتماعية يمكن تقسيمها الى ثلاثة محاور رئيسية هي:

أولا: من المعروف أن تركيا حققت نموا اقتصاديا كبيرا خلال العقد الأخير، واعتبر النموذج التركي مثالا لدى بعض البلدان النامية، الا أن عام 2012 شهد تراجعا ملموسا في النمو الاقتصادي. ففي أعقاب سنتين من النمو المرتفع، شهد الاقتصاد التركي تراجعا واضحا في عام 2012، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي نموا بلغ 2.2% في مقابل 8.8% في عام 2011. وبالتدقيق في أسباب التراجع، تبين أن من أهم محركات النمو الاقتصادي التركي (القروض والتدفقات الاستثمارية الخارجية) فقد اعتمدت تركيا على القروض الأجنبية، التي رفعت المديونية الخارجية الى 350 مليار دولار، على عكس ما انتشر بين الأوساط الشعبية أن تركيا سددت كامل ديونها، والصحيح أن تركيا سددت آخر قسط من ديونها لصندوق النقد الدولي. وقد ساهم تدفق رؤوس الأموال الأجنبية الى تركيا من المراكز الرأسمالية التي تعاني من حالات الانكماش الاقتصادي بعد انفجار الأزمة الاقتصادية، برفع معدلات النمو الاقتصادي. وبمجرد شعور القطاع المصرفي باقتراب تركيا من الأزمة السورية وحالات عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة سحبت المصارف الأجنبية حوالي 90 مليار دولار أي حوالي 9 % من الناتج المحلي التركي. ومن المعروف أن الاعتماد على التمويل الخارجي يحمل بطياته مخاطر كبيرة، كما أصبحت القروض وخدماتها تشكل عبئا ثقيلا على الاقتصاد التركي .

حروب من نوع جديد

بعد سنوات من الانكماش والركود الاقتصادي، وبعد أن أُرغم على اخلاء موقعه لصالح اقتصاد دولة نامية، وتراجعه إلى المركز الثالث في نادي كبرى اقتصادات العالم، عاد الاقتصاد الياباني ليحقق نموا اقتصاديا لافتا، بمعدل سنوي قدره 4.1 % في الربع الأول من العام الحالي، جاء هذا النمو بعد تعديل التقديرات الأولية التي كانت تشير إلى انكماش الاقتصاد الياباني بمعدل 3.5%.، لكن السؤال الرئيسي، ما هو سر التقدم المفاجئ للاقتصاد الياباني، وهل يعكس بداية انفراج اقتصادي للمراكز الرأسمالية في العالم، أم متصل بخصائص الاقتصاد الياباني. خاصة أن الاقتصاد العالمي مـا زال يترنح تحت تأثير الأزمة المالية والاقتصادية، والاقتصاد الأوروبي دخل حالة كساد من جديد، وبعض دول منطقة اليورو على حافة الانهيار.

كيري يُسوّق للحل الاقتصادي

في ظل ظروف عربية وإقليمية تسودها حالات من التوتر والانقسام شعبيا ورسميا، ومع احتدام الصراع في الأزمة السورية بين أطراف عربية واقليمية ودولية، ومحاولات الإمبريالية الأمريكية بالتنسيق والتعاون المشترك مع الكيان الصهيوني لاقتناص الفرص لإحداث تغييرات دراماتيكية في الوطن العربي، جاءت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في المنتدى الاقتصادي العالمي، بالاعلان عن خطة اقتصادية بقيمة أربعة مليارات دولار لتوسيع الاستثمارات في الاقتصاد الفلسطيني خلال ثلاث سنوات، وقد أوضح كيري ان هذه الخطة “التحويلية” يمكن أن تخفض البطالة بشكل كبير وترفع معدلات الأجور 40 %. ومن المعروف أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من ضعف شديد بسبب القيود المفروضة عليه من الاحتلال الصهيوني، الناجمة عن بروتوكول باريس المنبثق عن اتفاقية أوسلو، الذي كبل الاقتصاد الفلسطيني واخضعه لتبعية الكيان الصهيوني، فهو يعاني من تشوهات هيكلية ناجمة عن طبيعة ارتباطه بالكيان الصهيوني، فقد تراجع القطاع الزراعي، ويعاني الاستثمار من مضايقات تحول دون اقامة صناعات فلسطينية متطورة تنافس الصناعات الإسرائيلية، وارغام القطاع الصناعي الفلسطيني على استخدام الخامات الإسرائيلية أو المستوردة عن طريق المعابر الإسرائيلية. الأمر الذي أدى الى ارتفاع معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية، التي تعتبر الأعلى في المنطقة حيث وصلت نسبتها حوالي 24%. لم يأت العرض الأميركي بدوافع انسانية لمساعدة الفلسطينين بسبب صحوة ضمير، أو مجرد مشروع استثماري لصالح الاحتكارات الأمريكية، بل جزء من مشروع عرف “بالحل الاقتصادي” للقضية الفلسطينية، بابقاء قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، واقامة “دولة” فلسطينية بحدود مؤقتة، لا تتمتع بالسيادة الوطنية على الأرض، مع ابقاء الجدار، واستمرار الهجمة الاستيطانية الشرسة التي ابتلعت 40 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، ويستهدف الحل الاقتصادي توفير الحد الأدنى من احتياجات السكان الاستهلاكية، منعا للاحتقانات وقيام ثورة الجياع على غرار الثورات الشعبية في الوطن العربي، فهي جزء من وصفة البنك الدولي لاحتواء الحركات الاحتجاجية. ما طرحه كيري في المنتدى الاقتصادي العالمي ليس معزولا عما يُجرى في الوطن العربي – سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين- بل هو جزء من مشروع امبريالي – صهيوني يستهدف المنطقة بأكملها ويُجرى تنفيذه على مراحل، بالأمس القريب مورست الضغوطات السياسية والمالية على السلطة الفلسطينية لمنعها من التوجه الى الأمم المتحدة للمطالبة بالاعتراف في الدولة الفلسطينية. أما اليوم يعلن كيري عن رغبة أميركا في انقاذ الاقتصاد الفلسطيني، وحل مشكلة البطالة، وزيادة دخل المواطنين، وعلى مسمع شيمون بيريز الموجود في المنتدى الاقتصادي العالمي، لم يفت كيري تأكيد ان اقتراحه هذا يعتمد على التقدم في عملية السلام بين الفلسطينيين و”إسرائيل”. تحاول أميركا ممارسة سياسة العصا والجزرة. فقد وصف كيري الخطوة الأمريكية واحدة من أسس بناء السلام الدائم “لأن الوقت حان لإرساء نموذج جديد للتنمية… فقد اقحم المنتدى الاقتصادي بقضايا تمس المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني، بتمرير السياسات الاسرائيلية حول اعادة المفاوضات في ظل الاستيطان لجرجرة السلطة الفلسطينية الى مفاوضات عبثية تمهد الطريق لحل في اطار المشروع الامبريالي – الصهيوني واقامة ” الشرق الأوسط الجديد ” بعد اعادة صياغة خارطة المنطقة من جديد وفق المصالح الامبريالية الصهيونية، معتمدة على تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية، التي اشعلتها في الوطن العربي ونشر ثقافة الحقد والكراهية بين أبناء المجتمع. تأتي هذه السياسات في ظل تضاؤل فرص الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية رغم الاتفاق المبدئي بين روسيا وأمريكا على عقد مؤتمر جنيف 2 بتشكيل حكومة انتقالية تخرج البلاد من الصراع العسكري، وتمهد لانتخابات ديمقراطية. فالنتائج العسكرية التي حسمت واحدة من أبرز المعارك بين الحكومة والجيش الحر في القصير، لا تشجع الامريكيين على عقد المؤتمر قبل محاولة احداث تغيير جديد في موازين القوى على الأرض. فالهدف النهائي اخضاع سورية للشروط الأمريكية، وليس انهاء الصراع على طاولة المفاوضات، وانهاء الصراع العربي – الاسرائليي، وتصفية القضية الفلسطينية، والغاء حق العودة.

المنتدى الاقتصادي العالمي

في ظل اشتداد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ومع دخول أوروبا حالة الكساد الاقتصادي من جديد، وما تعانيه كل من أميركا واليابان من ركود اقتصادي، وفي ظل تعثر اقتصادات البلدان العربية غير النفطية وفي المقدمة البلدان التي شهدت سقوط أنظمة ديكتاتورية، عقد المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن على شاطئ البحر الميت بمشاركة أكثر من ألفي شخصية من رؤساء الدول والوزارات وصناع القرار في مجالي السياسة والاقتصاد.
بحث المنتدى رفع معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة العربية، وكيفية استجابة الحكومات العربية في البلدان التي شهدت ثورات شعبية لاحتياجات شعوبها..! وقد عبر مدير صندوق النقد الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسعود أحمد، عن قلقه بسبب التوترات الاجتماعية المتصاعدة التي تحبط أي تعاف اقتصادي مبكر بعد عامين من الاضطرابات السياسية التي أدت إلى تفاقم الضغوط المالية وتهدد استقرار الاقتصاد الكلي في هذه البلدان، وخاصة في دول المغرب وتونس ومصر والأردن.
إن قراءة متأنية لتجربة هذه البلدان تبين بوضوح أن النهج الاقتصادي الذي تبنته في العقدين الأخيرين بتشجيع من صندوق النقد والبنك الدوليين هو المسؤول عن التشوهات الهيكلية لاقتصادات هذه البلدان، والتي أثرت سلبا على الواقع الاجتماعي. فقد أنشأت المراكز الرأسمالية علاقات غير متكافئة، مع الدول النامية بما يخدم سياسة التوسع الرأسمالي لتحقيق مزيد من الارباح عبر أسواق جديدة، وتوظيف شرائح من البرجوازية المحلية لتسويق منتجاتها، وتشكل طبقة سياسية واقتصادية مهيمنة اقتصاديا من ” الكبمرادور” مع تعاون وثيق الى حد التبعية مع نظم سياسية ديكتاتورية فرخت “طبقة طفيلية ” حققت مكاسب ذاتية، بعقد الصفقات والحصول على العمولات، والقيام بانشطة سياسية واقتصادية لا تخلو من الفساد والاستبداد. وبذلك تشكل تحالفا للدفاع عن هذا النهج، بين هذه الطبقات الطفيلية في المجتمعات العربية، والاحتكارات الرأسمالية، غلب عليها طابع التبعية السياسية والاقتصادية، وكان للمؤسسات الدولية من صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية دور مهم في توجيه وادارة هذا النهج وتقديم الخبراء الذين يتظاهرون بالحرص على اقتصادات البلدان النامية بعد اغراقها بالمديونية واخضاعها لاملاءات أسهمت بتفاقم الأزمة، وكان أبرزها ارغام هذه البلدان على الغاء كافة اشكال الدعم للقطاعات الانتاجية من الزراعة والصناعة المحلية، والغاء الدعم عن الخدمات الاساسية في المجتمع، وتراجع الدولة عن القيام بواجباتها في التعليم والصحة، وتقليص نشاطها الاقتصادي الى أن حصرت مهمتها في أعمال البنية التحتية، بعد تنازلها عن مؤسسات الدولة باسم التخاصية متذرعة بتعثر بعض المؤسسات، والدعوة لادخال شريك استراتيجي. وقد رافق هذه التوجهات فرض سياسات ضريبية جديدة بزيادة اعتماد الدولة على الضريبة غير المباشرة مثل” ضريبة المبيعات” ما اسهم بتخفيض دخل الأسر وتراجع انفاقها العام، وأحدث تأثيرا مزدوجا، الأول: تراجع قدرة المواطنين على توفير احتياجاتهم الأساسية، والثاني: انخفاض الطلب الكلي أمام العرض الكلي وحدوث ركود اقتصادي بالسوق ادى الى تراجع فرص العمل وتسريح أفواج من العمال.
هذه السياسات أوصلت البلدان النامية الى حالة الافلاس السياسي والاقتصادي. وليس الاحتجاج على هذه السياسات كما اورد مدير الصندوق، ” الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية مسؤولة عن تراجع اقتصادات هذه البلدان”، أما النظم العربية التي تناولها التقرير سواء التي شهدت سقوط الأنظمة الديكتاتورية أو غيرها، ما زالت تسير على النهج الاقتصادي الذي اوصلها الى الكارثة الاقتصادية، والتي كانت سببا رئيسيا للثورات الشعبية، وما استمرار حالة الغضب الشعبي في هذه البلدان سوى تعبير عن رفض الشعوب العربية لمواصلة هذا النهج. ان التصدي للازمة لم يأت الا بنهج سياسي اقتصادي جديد، ينطلق اساسا من فك التبعية مع الاحتكارات الراسمالية، واقامة علاقات متكافئة، وتحقيق مشروع تنموي اقتصادي يعتمد على الذات باستغلال الثروات العربية، واستقطاب الفوائض المالية، واستثمار الكفاءات من العمالة العربية المبعثرة والمشردة، وتوطين التكنولوجيا، واقامة تكتل اقتصادي عربي، مع حزمة من القوانين التي تسهم في دينامية الاقتصاد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفر فرص عمل جديدة تتناسب مع احتياجات المجتمع العربي.
أما الهدف الاساسي الذي عقد من أجله المنتدى الاقتصادي، كان باهتا كالمنتديات السابقة، فلم يظهر أي أثر ايجابي على الدولة الأردنية المضيفة رغم انعقاده للمرة السابعة في البحر الميت، أو الدول العربية المستهدفة. أما اسوأ ما شهده المنتدى وجود وفد صهيوني لتكريس سياسات التطبيع التي تمارسها بعض الأنظمة العربية.

العالم من دون أميركا

تحت هذا العنوان نشر ريتشارد هاس، أحد أبرز المفكرين السياسيين المحافظين ورئيس أحد أهم مراكز الأبحاث الأمريكية “مجلس العلاقات الخارجية “، مقالا قال فيه: إن التهديد الأكثر خطورة الذي يواجه الولايات المتحدة الآن وفي المستقبل المنظور ليس الصين الصاعدة، أو كوريا الشمالية المتهورة، أو إيران النووية، أو الإرهاب الحديث، أو تغير المناخ. رغم أن كلاً من هذه المخاطر يشكل تهديداً محتملاً أو فعليا، فإن أعظم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة تتلخص في الديون المتزايدة الضخامة، والبنية الأساسية المتهالكة، والمدارس الابتدائية والثانوية الرديئة، ونظام الهجرة الذي عفا عليه الزمن، والنمو الاقتصادي البطيء، باختصار؛ الركائز المحلية التي تستند إليها قوة أميركا.
ما ورد في تشخيص الكاتب حول التحديات التي تواجه الولايات المتحدة، يعبر عن مفاعيل الازمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في أيلول 2008، والتي أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على النظام الرأسمالي، وعلى أهمية ما أورده الكاتب، لكنه توقف عند بعض مظاهر الأزمة. وهنا نضع عدة خطوط تحت كلمة “بعض” تجاهل الكاتب أبرز مظاهر الازمة، البطالة المتفاقمة، ومعاناة العمال والفقراء والطبقات الوسطى، اضافة الى ما سببته الأزمة من معاناة لشعوب الأرض قاطبة، فالأزمة التي اشعلت فتيلها أزمة الرهن العقاري وانهيار بنك ليمان برذرز، وانهيار مئات البنوك والمؤسسات المالية الأميركية، تسببت بتشريد ملايين البشر من منازلهم ليقيموا بكرافانات أشبه بمعسكرات الاعتقال الجماعي، ينتظرون وجبات الطعام من الجمعيات الخيرية، هؤلاء وغيرهم من الهائمين على وجوههم، هم الذين دفعوا ثمن سياسات اقتصاد السوق المنفلت.
ويضيف الكاتب.. قد يتشفى القراء بما يُجرى. تشفى المتضررين من الغطرسة الامريكية لا يستطيع أحد حصره، فالمشاعر الانسانية لضحايا السياسة الأمريكية ملك لأصحابها… لم تفلت دولة في بلدان العالم الثالث من الغطرسة الامريكية، منذ أواسط القرن الماضي بدءا من ” مشروع أيزنهاور” الذي عرف بسياسة ملء الفراغ، بعد هزيمة الاستعمار الإنجلو- فرنسي في الشرق الأوسط، ومحاولات فرض ” حلف بغداد ” وما تبع ذلك من احلال للاستعمار الجديد متمثلا في الولايات المتحدة الأميركية، مكان الاستعمار القديم، والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط، باخضاع ايران للنفوذ الاميركي بعد الانقلاب على حكومة مصدق. والدعم غير المحدود السياسي والاقتصادي والعسكري الذي قدمته الولايات المتحدة الاميركية للكيان الصهيوني في احتلالها فلسطين واجزاء من الوطن العربي، ومن ثم الاحتلال الاميركي المباشر للعراق الذي اعتبر ذروة انتصار “مشروع ايزنهاور” في ملء الفراغ والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط. وعشرات الحروب والانقلابات الدموية التي تمت بتخطيط من الدوائر العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة، من كوبا الى فيتنام ومن الكونغو الى تشيلي والقائمة تطول.
يستدرك الكاتب بالقول إنه ينبغي للناس في مختلف أنحاء العالم أن يتوخوا الحذر في حين يتمنون فشل أميركا في التعامل مع تحدياتها الداخلية، لأن ذلك لن يأتي بلا ثمن باهظ ، موضحا أن رهان العالم على نجاح أميركا يكاد يعادل رهان أميركا على نفسها. حيث يشكل اقتصاد الولايات المتحدة نحو ربع الناتج العالمي. وإذا تسارع نمو الولايات المتحدة، فإن قدرة أميركا على استهلاك سلع وخدمات دول أخرى سوف تزداد.
لا شك أن الكاتب يدرك أن لا أحد يضمر شرا للشعب الأميركي، ولا رغبة لأحد باختفاء اميركا عن العالم فقط اختفاء الغطرسة الأميركية والسسياسة العدوانية الأميركية.. اختفاء الظلم وتحقيق العدل.. كل ما تسعى اليه الشعوب تغيير السياسات الأمريكية، فالاعتراض على نهج الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية القائمة على التفرد بقيادة العالم مستغلة جبروتها، مستعينة ببعض الأنظمة الديكتاتورية والدول العنصرية لفرض هيمنتها على ارادة الشعوب. وفي السياسة الداخلية يمكن القول، انتهى العصر الذي تستطيع المراكز الرأسمالية الجمع بين تحقيق رخاء يضمن نسبة نمو اقتصادي يسمح بالسيطرة على معدلات البطالة وتحقيق الثراء الفاحش لكبار الرأسماليين، وتآكل الطبقة الوسطى، هذا النهج أصبح خَلْفنا بعد اختراق الدول النامية مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها جدار الدول المتقدمة ومنافستها ليس في الأسواق العالمية فحسب، بل في أسواقها. انتهى عصر تقسيم العمل بين دول منتجة “الدول الصناعية” ودول مستهلكة “الدول النامية”. نحن في عصر العولمة، عصر انتقال رأس المال من المراكز الى الأطراف بحثا عن العمالة الرخيصة. ليس مهما لرأس المال المحافظة على مكانة دولته الاستثمارية، بقدر ما هو أهم “جني الأرباح” .
أما مسألة الخروج من الأزمة في ظل الواقع الملموس، لم تجد نفعا يد ادم سميث “الخفية” في الحفاظ على التوازن الاقتصادي في سوق منفلت، فقد حان الوقت لاحداث تغيير جوهري، بدور ملموس للدولة في “توزيع عادل للثروة” بدلا من يد سميث “الخفية”، ليتمكن العمال والفقراء من توفير غذاء ودواء لأطفالهم وزيادة الطلب الكلي في السوق، ما يسهم برفع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة ايرادات الخزينة وتطوير البنية التحتية والسيطرة على الدين العام.

حذار من اللعب بالنار

تناقلت وكالات الانباء العالمية قرار الحكومة الاميركية بارسال جنود اميركيين الى الاردن استعدادا لدور حاسم في الصراع الدائر في سورية، والدخول في مغامرة تعرض الاردن والمنطقة باكملها لافدح المخاطر، وتشير المعلومات الصحفية ان قوات امريكية خاصة مرابطة في قواعد عسكرية في “اسرائيل” والاردن تستعد للتدخل الفوري في عمق الاراضي السورية، بذريعة السيطرة على مخازن الاسلحة الكيماوية،. فالتاريخ يعيد نفسه والذرائع التي استخدمت لاحتلال العراق الشقيق يجري تكرارها. ينطوي على القرار الاميركي عدوان اجنبي وتدخل سافر في شؤون دولة عربية شقيقة، وزج الاردن في اتون حرب مدمرة قد تهدد امنه القومي وكيانه السياسي، وتوسع دائرة الصراع لتشمل الاردن ولبنان وقد تمتد الى ابعد من ذلك لتصبح حربا عالمية في الشرق الاوسط. فالازمة السورية تحتاج لمن يسهم باطفاء نيرانها بدلا من سكب الزيت على النيران. يأتي الاستعداد للتدخل الاميركي في سورية بعد حرب داخلية استمرت حوالي عامين دمرت البنية التحتية للدولة السورية وقتلت عشرات الالاف وشردت ملايين السوريين. وسواء كان بقصد او بغير قصد فان جزءا هاما من اهداف الكيان الصهيوني قد تحقق، بتدمير الدولة السورية وتمزيق قدراتها العسكرية، لانهاء دورها في الصراع العربي- الاسرائيلي، فاذا كانت مصر والاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية خرجوا من المواجهة مع العدو الصهيوني بعد الاتفاقيات التي وقعت في “كامب ديفد واوسلو ووادي عربة” فـان اخراج سورية من المواجهة يأتي بعد تفتيت الدولة بمعركة داخلية لم تكلف العدو الصهيوني جنديا واحدا.
ما يجري الان في سورية من تدمير البنية التحتية وتفكيك الدولة واستنزاف قدراتها وطاقاتها والتضحية بأعز ما تملك من ابنائها يشكل خطوة رئيسية باتجاه تمرير المشروع الصهيوني الامبريالي، باحداث تغيرات دراماتيكية في المنطقة، عنوانها الاساسي، سايكس بيكو جديد يتضمن تصفية القضية الفلسطينية، والغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى بلادهم، ودخول المنطقة في صراعات داخلية وحروب اهلية، فالهدف المعلن للمشروع الصهيوني تصفية القضية تحت مسميات مختلفة منها “كونفدرالية فلسطينية اردنية” حيث كثر الحديث عن ترتيبات رسمية بين الاردن والسلطة للاعلان عن الكونفدرالية بعد ازالة المعيقات، وقد تعهد الاردن باحياء المفاوضات بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني على الرغم من مواصلة الاستيطان في الاراضي الفلسطينية وفرض سياسة الامر الواقع، علما انه لم يبقَ من الاراضي الفلسطينية ما يستدعي التفاوض عليه، وفي ذات السياق تجددت الدعوات الصهيونية حول اقامة ما يسمى بالوطن البديل التي كان اخرها التصريحات الوقحة لعضو الكنيست الصهيوني “الداد” “بأن الاردن وطن الفلسطينيين”. الذي يعكس الاطماع الصهيونية، واشعال نار الفتنة، ونقل الصراع من صراع عربي – صهيوني الى صراع عربي – عربي.
لذلك ينبغي تحصين الموقف الشعبي في وجه المشاريع الصهيونية وسد كافة الثغرات التي يتسلل من خلالها الاحتلال الصهيوني لبث سمومه وتحقيق اهدافه العدوانية.
وبدلا من مواجهة التحديات الخطيرة، يقف النظام العربي باتجاه تمزيق الجبهات الداخلية بعدم الاستجابة للمطالب الشعبية، بتحقيق الحرية والديمقراطية واجراء انتخابات حرة ونزيهة تعكس ارادة الشعب. اضافة الى العلاقات العربية – العربية التي تشهد تشتت المواقف العربية في ظل اخطر مرحلة في التاريخ الحديث، فعلى سبيل المثال مقابل التناغم السياسي بين الاردن والسلطة الفلسطينية، هناك تناغم سياسي بين حركة حماس وقطر ترك اثارا سلبية حتى على العلاقات الداخلية في حركة حماس، انعكس بنتائج انتخابات حماس الاخيرة حيث انتصر الاتجاه المعني بتعزيز هذا التناغم. ورافق هذا التناغم علاقات مميزة تربط حركة حماس بالقيادة المصرية تعززها خلفية فكرية واحدة.
استنادا لذلك فالعلاقات الفلسطينية – الفلسطينية مرشحة للاستمرار ضمن خطين متوازيين وان اقتربا بنهجهما السياسي الا ان المشروع الصهيوني سيبقيهما متباعدين جغرافيا خاصة وانهما ارتبطا سياسيا بالموقف العربي الرسمي واصبحا جزءا منه، يترتب عليهما ما يترتب على النظام العربي من الانخراط بالمشروع القادم بدلا من مقاومته . اما الخاسر الاكبر فهو الشعوب العربية وحركة التحرر العربي عموما والشعب الفلسطيني وحركته التحررية على وجه الخصوص، كونه المستهدف الاول خلال المرحلة المقبلة، وعنوانها التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، واعادة ربط قطاع غزة بمصر وفق شروط سياسية وامنية محددة، وكونفدرالية اردنية مع مساحات من الاراضي الفلسطينية يطلق عليها اسم فلسطين، لا تتمتع بوحدة جغرافية لوجود الشريان الاستيطاني الذي مزق وابتلع اراض واسعة من القدس والضفة الغربية، في ظل هيمنة صهيونية سياسيا واقتصاديا وامنيا.

فتشوا عن الأسباب الحقيقية وراء العنف

مع اتساع ظاهرة العنف الجامعي، انبرى عدد غير قليل من المهتمين في التصدي لهذه الظاهرة وابداء الرأي حول أسبابها وكيفية معالجتها، منهم من تفحصها بعين ثاقبة ورؤية شمولية، ومنهم من كانت رؤيته قاصرة، تعاملت معها بذهنية أمنية، وقد جاءت الأحداث المؤسفة لجامعة مؤتة التي ذهب ضحيتها شاب في مقتبل العمر، بعد سلسلة من الحوادث المشابهة لتدق ناقوس الخطر، والمؤسف أن ردود الفعل الأولية أخذت طابعا عرفيا، كالقول إن الجامعة ستشهد خطة أمنية محكمة ومتكاملة سيكون لدائرة الأمن الجامعي استراتيجية جديدة … وأن المشكلة تكمن في هذا السياج المحيط حول الجامعة المتآكل والذي يحتاج الى الصيانة… والخطة تشمل وضع كامرات مراقبة على البوابات وفي الساحات ونقاط تجمع الطلبة ..من دون التفكير بالأسباب الحقيقية، واختيار الوسائل الملائمة لمواجهتها.
وفي هذا السياق قال رئيس اللجنة التي وضعت استراتيجية الحد من العنف الجامعي، أستاذ علم الاجتماع الدكتور موسى شتيوي، إن عددا كبيرا من الجامعات لم يضع الاستراتيجية موضع التنفيذ. والتي تتضمن المحاور الرئيسية للاسترايجية الخاصة بالحد من العنف الجامعي، إلغاء جميع أشكال التمييز وتوفير العدالة والمساواة بين الطلبة، سواء على صعيد القبولات في الجامعات وعمليات تقويم الطلبة، وتطوير آلية واضحة لمنع تفشي ظاهرة الوساطة والمحسوبية، بما يخلق بيئة جامعية معرفية تنويرية، تركز على صقل شخصية الطالب، وتطوير عمل عمادات شؤون الطلبة وزيادة دعم الأنشطة الطلابية ومساعدة الطلبة وأنديتهم، وتعزيز الشفافية والنزاهة في انتخابات مجالس الطلبة.
ومع أهمية الاستخلاصات التي توصلت اليها اللجنة كدراسة مخصصة لشؤون الطلبة ومشاكلهم المباشرة ، فإن الالتزام بهذه المبادئ يسهم بشكل مباشر بالتخفيف من ظاهرة العنف، لكن اتساع هذه الظاهرة يملي علينا التفكير في البعد الاجتماعي خاصة وإن ظاهرة العنف ليست محصورة في الجامعات، فان تدهور الأوضاع المعيشية لغالبية المواطنين عامة وذوي الدخل المحدود خاصة يفسر حالات الاضطراب والاحتقانات التي نلحظها ليس في الجامعات وحدها بل وفي المجتمع عامة، ومع اتساع دائرة الفقر التي أدت إلى زيادة جيوب الفقر من 22 جيبا عام 2006 إلى 36 جيبا عام 2010. وسجلت أعلى نسبة للفقر في محافظة المفرق، وتلتها معان والطفيلة. فالبلاد مرشحة الى مزيد من العنف والمظاهر السلبية، إن لم يجر التصدي للأسباب الحقيقية التي يعاني منها المجتمع، خاصة وأن الأزمة الاقتصادية تتفاعل بشكل متسارع في ظل ارتفاع معدلات التضخم نتيجة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ومعظم السلع الأساسية، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تآكل الأجور الفعلية للعاملين بأجر في القطاعين الحكومي والخاص، حيث تشير أرقام دائرة الإحصاءات العامة لعام 2011 أن حوالي 80 % من العاملين بأجر يتقاضون رواتب دون الـ 400 دينار. علما أن خط الفقر للأسرة المكونة من 6 افراد 400 دينار وفقا للدراسات الرسمية لعام 2010 مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع الأرقام القياسية للأسعار خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة .
كما أن السياسات العامة التي اتبعت خلال العقدين الأخيرين اسهمت في تعميق الهويات الفرعية “الطائفية والاقليمية والجهوية”، وكان لقانون الانتخاب القائم على الصوت الواحد المجزوء الذي صدر عام 94 وما زال ساري المفعول أبلغ الأثر على تفتيت النسيج الاجتماعي وتعميق العصبيات القبلية في المجتمع الأردني، كما مارست الحكومات المتعاقبة سياسات عرفية لحرمان الطلبة من أبسط حقوقهم في التنظيم الطلابي، ولم تتورع في معاقبة نشطاء الطلبة وزجهم بالسجون لا لشيء فقط لنشاطهم الطلابي وتمتعهم بثقة زملائهم في الانتخابات الطلابية في الجامعات الأردنية، وما زال المجتمع الأردني يذكر بألم المجزرة التي ارتكبت في جامعة اليرموك عام 86 وذهب ضحيتها عدد من الطلبة. ومن المعروف أن ظاهرة العنف في الجامعات الأردنية لم تكن موجودة قبل ممارسة سياسة ” تطهير الجامعات” من النشاطات الطلابية والوطنية مثل احياء بعض المناسبات الوطنية. إن هذه السياسات أوصلت الجامعات الأردنية الى حالة من الخواء السياسي، وأدخلت هذا القطاع الحيوي في المجتمع الأردني في تناقضات وصراعات مدمرة.