في ظل اشتداد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ومع دخول أوروبا حالة الكساد الاقتصادي من جديد، وما تعانيه كل من أميركا واليابان من ركود اقتصادي، وفي ظل تعثر اقتصادات البلدان العربية غير النفطية وفي المقدمة البلدان التي شهدت سقوط أنظمة ديكتاتورية، عقد المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن على شاطئ البحر الميت بمشاركة أكثر من ألفي شخصية من رؤساء الدول والوزارات وصناع القرار في مجالي السياسة والاقتصاد.
بحث المنتدى رفع معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة العربية، وكيفية استجابة الحكومات العربية في البلدان التي شهدت ثورات شعبية لاحتياجات شعوبها..! وقد عبر مدير صندوق النقد الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسعود أحمد، عن قلقه بسبب التوترات الاجتماعية المتصاعدة التي تحبط أي تعاف اقتصادي مبكر بعد عامين من الاضطرابات السياسية التي أدت إلى تفاقم الضغوط المالية وتهدد استقرار الاقتصاد الكلي في هذه البلدان، وخاصة في دول المغرب وتونس ومصر والأردن.
إن قراءة متأنية لتجربة هذه البلدان تبين بوضوح أن النهج الاقتصادي الذي تبنته في العقدين الأخيرين بتشجيع من صندوق النقد والبنك الدوليين هو المسؤول عن التشوهات الهيكلية لاقتصادات هذه البلدان، والتي أثرت سلبا على الواقع الاجتماعي. فقد أنشأت المراكز الرأسمالية علاقات غير متكافئة، مع الدول النامية بما يخدم سياسة التوسع الرأسمالي لتحقيق مزيد من الارباح عبر أسواق جديدة، وتوظيف شرائح من البرجوازية المحلية لتسويق منتجاتها، وتشكل طبقة سياسية واقتصادية مهيمنة اقتصاديا من ” الكبمرادور” مع تعاون وثيق الى حد التبعية مع نظم سياسية ديكتاتورية فرخت “طبقة طفيلية ” حققت مكاسب ذاتية، بعقد الصفقات والحصول على العمولات، والقيام بانشطة سياسية واقتصادية لا تخلو من الفساد والاستبداد. وبذلك تشكل تحالفا للدفاع عن هذا النهج، بين هذه الطبقات الطفيلية في المجتمعات العربية، والاحتكارات الرأسمالية، غلب عليها طابع التبعية السياسية والاقتصادية، وكان للمؤسسات الدولية من صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية دور مهم في توجيه وادارة هذا النهج وتقديم الخبراء الذين يتظاهرون بالحرص على اقتصادات البلدان النامية بعد اغراقها بالمديونية واخضاعها لاملاءات أسهمت بتفاقم الأزمة، وكان أبرزها ارغام هذه البلدان على الغاء كافة اشكال الدعم للقطاعات الانتاجية من الزراعة والصناعة المحلية، والغاء الدعم عن الخدمات الاساسية في المجتمع، وتراجع الدولة عن القيام بواجباتها في التعليم والصحة، وتقليص نشاطها الاقتصادي الى أن حصرت مهمتها في أعمال البنية التحتية، بعد تنازلها عن مؤسسات الدولة باسم التخاصية متذرعة بتعثر بعض المؤسسات، والدعوة لادخال شريك استراتيجي. وقد رافق هذه التوجهات فرض سياسات ضريبية جديدة بزيادة اعتماد الدولة على الضريبة غير المباشرة مثل” ضريبة المبيعات” ما اسهم بتخفيض دخل الأسر وتراجع انفاقها العام، وأحدث تأثيرا مزدوجا، الأول: تراجع قدرة المواطنين على توفير احتياجاتهم الأساسية، والثاني: انخفاض الطلب الكلي أمام العرض الكلي وحدوث ركود اقتصادي بالسوق ادى الى تراجع فرص العمل وتسريح أفواج من العمال.
هذه السياسات أوصلت البلدان النامية الى حالة الافلاس السياسي والاقتصادي. وليس الاحتجاج على هذه السياسات كما اورد مدير الصندوق، ” الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية مسؤولة عن تراجع اقتصادات هذه البلدان”، أما النظم العربية التي تناولها التقرير سواء التي شهدت سقوط الأنظمة الديكتاتورية أو غيرها، ما زالت تسير على النهج الاقتصادي الذي اوصلها الى الكارثة الاقتصادية، والتي كانت سببا رئيسيا للثورات الشعبية، وما استمرار حالة الغضب الشعبي في هذه البلدان سوى تعبير عن رفض الشعوب العربية لمواصلة هذا النهج. ان التصدي للازمة لم يأت الا بنهج سياسي اقتصادي جديد، ينطلق اساسا من فك التبعية مع الاحتكارات الراسمالية، واقامة علاقات متكافئة، وتحقيق مشروع تنموي اقتصادي يعتمد على الذات باستغلال الثروات العربية، واستقطاب الفوائض المالية، واستثمار الكفاءات من العمالة العربية المبعثرة والمشردة، وتوطين التكنولوجيا، واقامة تكتل اقتصادي عربي، مع حزمة من القوانين التي تسهم في دينامية الاقتصاد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفر فرص عمل جديدة تتناسب مع احتياجات المجتمع العربي.
أما الهدف الاساسي الذي عقد من أجله المنتدى الاقتصادي، كان باهتا كالمنتديات السابقة، فلم يظهر أي أثر ايجابي على الدولة الأردنية المضيفة رغم انعقاده للمرة السابعة في البحر الميت، أو الدول العربية المستهدفة. أما اسوأ ما شهده المنتدى وجود وفد صهيوني لتكريس سياسات التطبيع التي تمارسها بعض الأنظمة العربية.
أرشيف التصنيف: الارشيف
هل تواجه البلاد أزمة مالية واقتصادية..؟
كثرت التصريحات الرسمية المتناقضة حول الأزمة المالية التي تواجه البلاد، ” البلاد تسير نحو اليونان… الاقتصاد الأردني مهدد بالانهيار… الدينار مهدد بالانهيار… لا يوجد رواتب لموظفي الدولة… العام الحالي سيكون صعبا على الأردن… بالمقابل نطالع تصريحات مضادة، مثل: الاقتصاد الأردني تعافى من أزمته… الدينار يتمتع بحماية كافية للحفاظ على استقراره… الوضع المالي في البلاد ليس أصعب من السنوات السابقة..! كيف يمكن تفسير هذه التصريحات المتناقضة، هل الاقتصاد الاردني يعيش ازمته ام تعافى وتجاوزها..؟ علما أن التصريحات المتفائلة أو المطمئنة تأتي مباشرة بعد التصريحات المتشائمة، هل هناك تخبط في السياسية المالية والاقتصادية، أم لهذه التصريحات وظيفة سياسية محددة؟
أعتقد جازما أن هذه التصريحات جاءت لتمرير رفع أسعار المشتقات النفطية في أكثر من مرة على الرغم من الضرائب المرتفعة التي تفرضها الحكومة على هذه المواد الارتكازية، والتي تسببت برفع أسعار معظم السلع الأساسية. وتكررت هذه التصريحات في هذه الأيام لتمرير رفع أسعار الكهرباء. فقد سربت الحكومة توجهاتها المبنية على تعهداتها لصندوق النقد الدولي، برفع فاتورة الكهرباء على مراحل تبدأ بزيادة نسبتها 15%، انسجاما مع املاءات صندوق النقد الدولي، الذي يُتبع سياساته أولا بأول من خلال مندوبه الدائم في وزارة المالية. دون اعتبار للآثار الاجتماعية لهذا الاجراء الذي يتسبب برفع معظم السلع الأساسية، ناهيك عن تأثيره على القطاع الصناعي من اضعاف القدرة التنافسية للصناعة الوطنية وهروب المستثمرين للخارج. أما التصريحات المطمئنة التي يطلقها بعض المسؤولين، وظيفتها محاولة يائسة لترميم آثار التصريحات المتشائمة دون جدوى.
نحن نتحدث عن الأردن وليس عن كوكب آخر لتبرير التنبؤات المتناقضة، نحن نتحدث عن حصيلة السياسات المالية والاقتصادية في البلاد، وليس عما يحتويه باطن الأرض من غاز أو بترول يحتمل التقديرات المتباينة. إن فحص نتائج السياسات المالية الاقتصادية تحتاج الى معطيات محددة تفضي بنتائج ملموسة، منها معدلات نمو الناتج المحلي الاجمالي الذي يحدد الوضع الاقتصادي، وهو يراوح حول 2.5% ، ويلامس معدلات النمو السكاني في البلاد، ويعبر عن فشل النهج الاقتصادي السائد في تحفيز الاقتصاد الوطني بسبب استمرار السياسات الليبرالية الجديدة التي فرضت على البلاد، على الرغم من الاعتراف المدوي بفشل هذه السياسات في المراكز الرأسمالية. أما بخصوص السياسة المالية، فقد اتسعت الهوه بين الايرادات والنفقات، بزيادة معدلات نمو النفقات بنسب أعلى بكثير من معدلات نمو الايرادات، فقد خفضت الحكومات ايرادات الخزينة من القطاع المصرفي والتجار بالتعديلات المتتالية لضريبة الدخل، وتراجعت ايرادات الخزينة من الايرادات المحلية غير الضريبية بسبب التخلي عن مؤسسات الدولة لصالح الاحتكارات الرأسمالية باسم التخاصية. أما النفقات المتنامية والتي لا تحتل أولوية في الاقتصاد الأردني، على سبيل المثال استملاك الأراضي والاشغال والمباني والاثاث والسيارات الفارهة، التي تشكل حوالي نصف النفقات الرأسمالية. أما نفقات الجهاز العسكري التي ارتفعت خلال السنوات الأربعة الأخيرة أكثر من 50%، وشكلت حوالي ثلث النفقات الجارية خلال العام الماضي 2012، وفوائد الدين العام التي تضاعفت خلال نفس الفترة من 400 مليون الى 800 مليون دبنار. كما أن المديونية تجاوزت قانون الدين العام بشكل خطير، وبدلا من ضبطها يعلن وزير المالية عن توجه الحكومة باعادة النظر بقانون الدين العام. وبهذه المناسبة نشرت وكالات الأنباء قرار وكالة ” ستاندرد أند بورز” تخفيض التصنيف الائتماني للأردن على المدى الطويل درجة واحدة إلى “بي بي سالب” من النظرة السلبية للاقتصاد الأردني الذي يعيش أزمة مركبة تفاقمت خلال الأعوام الثلاثة الماضية. والحديث يطول حول الازمة ومظاهرها، وسوء توزيع الدخل الذي أسهم بشكل مباشر في اتساع الهوة بين الاثرياء من البرجوازية البيروقراطية والكمبرادور من جهة، والطبقات الفقيرة والمتوسطة من جهة ثانية. ناهيك عن الفساد المالي والاداري الذي استنزف طاقات البلاد.
أما الاستخلاص الرئيس أن الأزمة التي تعيشها البلاد تحتاج الى نهج جديد لمواجهتها وليس لتصريحات تعكنن أمزجة المواطنين لتمرير مزيدا من الأعباء المالية على كاهلهم، وان السياسات المالية والاقتصادية السائدة تدفع البلاد نحو المجهول، وان رفع أسعار المحروقات والكهرباء لن يحل مشكلة الموازنة. لكن من المفيد ان نذكر معالي وزير المالية بتصريحاته السابقة حول الهدر في نفقات الموازنة الذي قدره بحوالي 15%-20% وتصريحاته الأخيرة الذي يتحدث فيها عن تهرب ضريبي سنوي مقداره 800 مليون دينار.
العالم من دون أميركا
تحت هذا العنوان نشر ريتشارد هاس، أحد أبرز المفكرين السياسيين المحافظين ورئيس أحد أهم مراكز الأبحاث الأمريكية “مجلس العلاقات الخارجية “، مقالا قال فيه: إن التهديد الأكثر خطورة الذي يواجه الولايات المتحدة الآن وفي المستقبل المنظور ليس الصين الصاعدة، أو كوريا الشمالية المتهورة، أو إيران النووية، أو الإرهاب الحديث، أو تغير المناخ. رغم أن كلاً من هذه المخاطر يشكل تهديداً محتملاً أو فعليا، فإن أعظم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة تتلخص في الديون المتزايدة الضخامة، والبنية الأساسية المتهالكة، والمدارس الابتدائية والثانوية الرديئة، ونظام الهجرة الذي عفا عليه الزمن، والنمو الاقتصادي البطيء، باختصار؛ الركائز المحلية التي تستند إليها قوة أميركا.
ما ورد في تشخيص الكاتب حول التحديات التي تواجه الولايات المتحدة، يعبر عن مفاعيل الازمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في أيلول 2008، والتي أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على النظام الرأسمالي، وعلى أهمية ما أورده الكاتب، لكنه توقف عند بعض مظاهر الأزمة. وهنا نضع عدة خطوط تحت كلمة “بعض” تجاهل الكاتب أبرز مظاهر الازمة، البطالة المتفاقمة، ومعاناة العمال والفقراء والطبقات الوسطى، اضافة الى ما سببته الأزمة من معاناة لشعوب الأرض قاطبة، فالأزمة التي اشعلت فتيلها أزمة الرهن العقاري وانهيار بنك ليمان برذرز، وانهيار مئات البنوك والمؤسسات المالية الأميركية، تسببت بتشريد ملايين البشر من منازلهم ليقيموا بكرافانات أشبه بمعسكرات الاعتقال الجماعي، ينتظرون وجبات الطعام من الجمعيات الخيرية، هؤلاء وغيرهم من الهائمين على وجوههم، هم الذين دفعوا ثمن سياسات اقتصاد السوق المنفلت.
ويضيف الكاتب.. قد يتشفى القراء بما يُجرى. تشفى المتضررين من الغطرسة الامريكية لا يستطيع أحد حصره، فالمشاعر الانسانية لضحايا السياسة الأمريكية ملك لأصحابها… لم تفلت دولة في بلدان العالم الثالث من الغطرسة الامريكية، منذ أواسط القرن الماضي بدءا من ” مشروع أيزنهاور” الذي عرف بسياسة ملء الفراغ، بعد هزيمة الاستعمار الإنجلو- فرنسي في الشرق الأوسط، ومحاولات فرض ” حلف بغداد ” وما تبع ذلك من احلال للاستعمار الجديد متمثلا في الولايات المتحدة الأميركية، مكان الاستعمار القديم، والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط، باخضاع ايران للنفوذ الاميركي بعد الانقلاب على حكومة مصدق. والدعم غير المحدود السياسي والاقتصادي والعسكري الذي قدمته الولايات المتحدة الاميركية للكيان الصهيوني في احتلالها فلسطين واجزاء من الوطن العربي، ومن ثم الاحتلال الاميركي المباشر للعراق الذي اعتبر ذروة انتصار “مشروع ايزنهاور” في ملء الفراغ والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط. وعشرات الحروب والانقلابات الدموية التي تمت بتخطيط من الدوائر العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة، من كوبا الى فيتنام ومن الكونغو الى تشيلي والقائمة تطول.
يستدرك الكاتب بالقول إنه ينبغي للناس في مختلف أنحاء العالم أن يتوخوا الحذر في حين يتمنون فشل أميركا في التعامل مع تحدياتها الداخلية، لأن ذلك لن يأتي بلا ثمن باهظ ، موضحا أن رهان العالم على نجاح أميركا يكاد يعادل رهان أميركا على نفسها. حيث يشكل اقتصاد الولايات المتحدة نحو ربع الناتج العالمي. وإذا تسارع نمو الولايات المتحدة، فإن قدرة أميركا على استهلاك سلع وخدمات دول أخرى سوف تزداد.
لا شك أن الكاتب يدرك أن لا أحد يضمر شرا للشعب الأميركي، ولا رغبة لأحد باختفاء اميركا عن العالم فقط اختفاء الغطرسة الأميركية والسسياسة العدوانية الأميركية.. اختفاء الظلم وتحقيق العدل.. كل ما تسعى اليه الشعوب تغيير السياسات الأمريكية، فالاعتراض على نهج الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية القائمة على التفرد بقيادة العالم مستغلة جبروتها، مستعينة ببعض الأنظمة الديكتاتورية والدول العنصرية لفرض هيمنتها على ارادة الشعوب. وفي السياسة الداخلية يمكن القول، انتهى العصر الذي تستطيع المراكز الرأسمالية الجمع بين تحقيق رخاء يضمن نسبة نمو اقتصادي يسمح بالسيطرة على معدلات البطالة وتحقيق الثراء الفاحش لكبار الرأسماليين، وتآكل الطبقة الوسطى، هذا النهج أصبح خَلْفنا بعد اختراق الدول النامية مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها جدار الدول المتقدمة ومنافستها ليس في الأسواق العالمية فحسب، بل في أسواقها. انتهى عصر تقسيم العمل بين دول منتجة “الدول الصناعية” ودول مستهلكة “الدول النامية”. نحن في عصر العولمة، عصر انتقال رأس المال من المراكز الى الأطراف بحثا عن العمالة الرخيصة. ليس مهما لرأس المال المحافظة على مكانة دولته الاستثمارية، بقدر ما هو أهم “جني الأرباح” .
أما مسألة الخروج من الأزمة في ظل الواقع الملموس، لم تجد نفعا يد ادم سميث “الخفية” في الحفاظ على التوازن الاقتصادي في سوق منفلت، فقد حان الوقت لاحداث تغيير جوهري، بدور ملموس للدولة في “توزيع عادل للثروة” بدلا من يد سميث “الخفية”، ليتمكن العمال والفقراء من توفير غذاء ودواء لأطفالهم وزيادة الطلب الكلي في السوق، ما يسهم برفع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة ايرادات الخزينة وتطوير البنية التحتية والسيطرة على الدين العام.
لماذا النقابات العمالية المستقلة..؟
|
اتيحت لي فرصة حضور لقاء مفتوح مع ممثلي النقابات العمالية المستقلة بمشاركة شخصيات نقابية وسياسية ونيابية عقد بدعوة من مركز القدس للدراسات السياسية، تحت عنوان “نحو إصلاح الإطار التشريعي للحق في التنظيم: النقابات العمالية المستقلة نموذجاً”، تناول الحوار الأسباب الموضوعية وراء حركة العمال بتأسيس نقابات مستقلة، والاطار التشريعي لهذه النقابات، وأثر هذه النقابات على وحدة الطبقة العاملة. لا شك أن أسبابا موضوعية كانت وراء تشكيل نقابات عمالية مستقلة، منها عدم مواكبة الحركة النقابية للمستجدات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية، وعدم مواكبة التشريعات العمالية للتطورات، الأمر الذي حرم قطاعات واسعة من العمال من تشكيل نقاباتهم، اضافة إلى حرمان موظفي الدولة من تشكيل نقابات عمالية، ما دفع قطاعات واسعة من العمال في القطاعين العام والخاص بتشكيل نقابات عمالية مستقلة، وتشكيل اتحاد عام للنقابات المستقلة، ومع ادراك التام لما ينطوي على هذه الاجراء من مخاطر وجود جسمين للحركة النقابية وأثر ذلك على وحدة الطبقة العاملة، الا أن عدم تفاعل معظم النقابات العمالية مع الظروف والمستجدات التي تعيشها البلاد في ظل الأزمة الاقتصادية، وانهيار القيمة الفعلية للأجور. وعدم مواكبة معظم النقابات العمالية للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة، خاصة أثر حزمة القوانين الاقتصادية التي صدرت تمشيا مع نهج الليبرالية الجديدة الذي ساد منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وكان أبرزها تحرير الأسعار وانفلاتها، وتحرير أسواق المال، والغاء الدعم على السلع الضرورية وارتفاع تكاليف الخدمات الصحية والتعليمية، وأثر ذلك على الواقع المعيشي للعمال، في حين لم تتصد معظم النقابات العمالية كما يجب لمهامها في الدفاع عن حق العمال في العيش الكريم. ولم يطرأ أية تطورات ملموسة على قانون العمل لتوفير مظلة نقابية عمالية تشمل كافة القطاعات، وتعيد النظر في الاجراءات الكيفية التي تمت بهدف احتواء الحركة النقابية في سبعينيات القرن الماضي التي ما زالت تعاني من أثارها حتى يومنا هذا. ولالقاء الضوء على أهم الأسباب التي أدت الى اضعاف الحركة النقابية وفشلها في التصدي للسياسات الاقتصادية التي مورست خلال العقدين الأخيرين في الدفاع عن حقوق العمال، لا بد من التذكير بالدور المميز الذي قامت به الحركة النقابية العمالية في سبعينيات القرن الماضي، في الدفاع عن استقلاليتها وحقها بتنظيم المطالب العمالية في مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة التي شهدتها البلاد في تلك المرحلة، والتصدي للهجمة الشرسة التي تعرضت لها بسبب التدخلات السافرة في شؤونها الداخلية وإجراء انتخابات صورية أوصلت قيادات لا تعكس ارادة العمال على رأس عدد من النقابات العمالية، وذلك لحرمان العمال من القيام بحركات مطلبية. فقد سادت أجواء إرهابية بين صفوف العمال وتعرض العديد من النقابيين للاعتقال والتنكيل والاستدعاءات الأمنية. فقد شهدت النقابات العمالية خاصة التي كان على رأسها هيئات إدارية منتخبة نشاطا عماليا ونقابيا في مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة وانهيار القيمة الفعلية للاجور في بداية سبعينيات القرن الماضي، التي عرفت بحقبة “البترودولار” فاكتشفت السلطة أن إجراءاتها وتدخلاتها كافة في شؤون الحركة النقابية لم تحقق أهدافها في احتواء الحركة النقابية والالتفاف على الحركة المطلبية، فالنهوض العمالي والتحركات النقابية جاءت على عكس توقعاتها، خاصة بعد نجاح الاضرابات العمالية بتحقيق أهدافها، وتوقيع اتفاقيات مع أصحاب العمل تتضمن تحسين شروط الاستخدام، لذلك اكتشفت الدوائر الرسمية أن لا بد من وجبه جديدة من الإجراءات والتدخلات بهدف اضعاف وترويض الحركة النقابية لإجهاض الحركة المطلبية العمالية. وقد جاءت التدخلات الجديدة عبر تعديل المادة (84) من قانون العمل الأردني التي أعطت وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الحق بإعادة تشكيل النقابات ودمجها بصورة كيفية بما يسمح تقويض نشاطها والحد من دورها، وتضمن التعديل تحديد المهن والصناعات التي تشكل نقابة عمالية واحدة وحصر هذه النقابات بـ 17 نقابة عمالية عامة، وقد جاء قرار التعديل في ظل حملة مطاردة واعتقالات بين صفوف العمال وقادة الحركة النقابية وعلى رأسهم القائد النقابي السابق المرحوم موسى قويدر واستخدام الوسائل كافة لإبعاد العمال عن نقاباتهم . ورغم مرور عدة عقود على هذه الأحداث إلا أن آثارها ما زالت ماثلة امامنا ” ضعف الحركة النقابية وتكلسها” الأمر الذي دفع العمال في البحث عن مؤسسات نقابية عمالية جديدة، تكفل لهم حقهم بالدفاع عن لقمة عيشهم. وتشكل اداة ضغط لاشاعة الديمقراطية في النقابات العمالية، وتطوير بنيتها الهيكلية.
|
||
الطبقة العاملة تحتفل بعيدها
احتفلت الطبقة العاملة في الأول من أيار -عيد العمال العالمي، بالمسيرات والمهرجانات الغاضبة لتجدد رفضها للاستغلال الذي تتعرض له من نتائج سياسات الليبرالية المتوحشة واقتصاد السوق المنفلت. فقد انطلقت المسيرات العمالية في مختلف المدن والعواصم العالمية، وقد شهدت عمان مسيرة حاشدة نظمها اتحاد الشيوعيين رفعت شعارات وطنية واجتماعية، من أبرزها رفض التدخل الأميركي في الأزمة السورية، ورفض استخدام الأردن ممرا للعدوان على القطر الشقيق. كما هتف العمال مطالبين بتحرير الاقتصاد الوطني من التبعية والتمسك بحق الأردنيين بثرواته الوطنية في مواجهة ما يعرف بسياسة التخاصية، والدفاع عن لقمة عيش الفقراء، في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار وانهيار القيمة الفعلية للأجور، مطالبين بحق العمال بالعمل. وقد ألقى كل من د. منير حمارنة، الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني، و د. حيدر رشيد، رئيس النقابة العامة للعاملين في المصارف والتأمين والمحاسبة، كلمات أكدا فيها التمسك بحقوق العمال، والدفاع عن القضايا الوطنية وطرح سياسة اقتصادية جديدة تتضمن مشروعا تنمويا يضع باعتباره استثمار ثروات البلاد وتوفير فرص عمل، والتصدي للجشع والاستغلال، بعيدا عن املاءات صندوق النقد والبنك الدوليين.
ويأتي عيد العمال هذا العام في ظل تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي ما يزيد من بؤس وآلام الطبقة العاملة والكادحين عامة، حيث دفع العمال العرب ثمن السياسات الرعناء التي فرضها النظام العربي، من التفرد بالسلطة ومصادرة الحريات العامة، واستشراء الفساد واغراق البلدان العربية بالمديونية والخضوع لاملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين. وقد استثمر أعداء الأمة تداعيات الثورات الشعبية العربية في محاولة لاحتوائها. أما الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت نير الاحتلال يعاني من أبشع أنواع القهر الطبقي والقومي، من الاستيطان وتهويد الأراضي وأسر خيرة أبنائه الذين يخوضون معارك المعد الخاوية، وفي طليعتهم الاسير البطل سامر العيساوي، صاحب أطول اضراب عن الطعام الذي انتصر أخيرا على جلاديه.
فالعمال والكادحون والمهمشون العرب يدفعون ثمن سياسات الفساد والاستبداد، فقد كشفت منظمة العمل العربية أن نسبة البطالة في الوطن العربي تقدر بحوالي 16% وهي مرشحة إلى الازدياد،. كما أكدت المنظمة أن سوء الأحوال المعيشية للعمال العرب في العديد من الدول العربية مثل مصر وتونس ولبنان والسودان وفلسطين المحتلة، دفعت الكثير منهم للهجرة بحثا عن فرص عمل أفضل وتحسين مستوى حياتهم، الأمر الذي أوقع حوالي 600 ألف عامل مهاجر ضحايا الاتجار والاعتداء والعمل الإجباري والاستغلال الجنسي. إن الطبقة العاملة التي فجرت الثورات الشعبية في عدد من الأقطار العربية ضد نظم الفساد والاستبداد وسياسات الليبرالية الجديدة التي أدخلت الوطن العربي في أزمة حادة، فهي قادرة على تصويب المسار وقيادة النضال من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
عالميا استقبلت الطبقة العاملة الأول من أيار باحتفالات ومهرجانات ومسيرات عبرت من خلالها عن رفضها لنهج الطغم المالية والاحتكارات الرأسمالية بتحميل العمال والفقراء نتائج الأزمة المالية والاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الرأسمالي، بفرض سياسات انكماشية، بخفض الأجور وزيادة الضرائب، ورفع سن التقاعد، والغاء العديد من المكاسب العمالية التي تحققت عبر مئات السنين. اضافة إلى فصل ملايين العمال عن العمل وارتفاع معدلات البطالة التي تعتبر من أخطر مظاهر الأزمة الاقتصادية العالمية. وقد شهدت معظم الدول الرأسمالية خلال العام الماضي مظاهرات واضرابات احتجاجية على سياسات التقشف وفي مقدمتها اليونان وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا، حيث أسهمت هذه السياسات بتعميق الأزمة ودخول معظم اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي في مرحلة الانكماش الاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة، وقد سجل عدد العاطلين من العمل في فرنسا 3.2 مليون عامل وفي إسبانيا 6.2 مليون عامل لترتفع نسبة البطالة في رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو إلى 27% ، كما بلغت نسبة العاطلين من العمل بين الشباب في أوروبا حوالي 24%. وتعتبر هذه الحصيلة النتيجة الطبيعية لتحميل الطبقة العاملة وفقراء العالم عبء الأزمة الاقتصادية. الأمر الذي أدى الى اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء. ففي الوقت الذي تعاني الطبقة العاملة من سياسة التقشف والفقر والاملاق ارتفعت ثروة الأغنياء حيث تشير مجلة “فوربس” أن ثروة (1428) ملياردير ازدادت من (4.6) تريليون دولار إلى (5.4) تريليون خلال العام الأخير.
حذار من اللعب بالنار
تناقلت وكالات الانباء العالمية قرار الحكومة الاميركية بارسال جنود اميركيين الى الاردن استعدادا لدور حاسم في الصراع الدائر في سورية، والدخول في مغامرة تعرض الاردن والمنطقة باكملها لافدح المخاطر، وتشير المعلومات الصحفية ان قوات امريكية خاصة مرابطة في قواعد عسكرية في “اسرائيل” والاردن تستعد للتدخل الفوري في عمق الاراضي السورية، بذريعة السيطرة على مخازن الاسلحة الكيماوية،. فالتاريخ يعيد نفسه والذرائع التي استخدمت لاحتلال العراق الشقيق يجري تكرارها. ينطوي على القرار الاميركي عدوان اجنبي وتدخل سافر في شؤون دولة عربية شقيقة، وزج الاردن في اتون حرب مدمرة قد تهدد امنه القومي وكيانه السياسي، وتوسع دائرة الصراع لتشمل الاردن ولبنان وقد تمتد الى ابعد من ذلك لتصبح حربا عالمية في الشرق الاوسط. فالازمة السورية تحتاج لمن يسهم باطفاء نيرانها بدلا من سكب الزيت على النيران. يأتي الاستعداد للتدخل الاميركي في سورية بعد حرب داخلية استمرت حوالي عامين دمرت البنية التحتية للدولة السورية وقتلت عشرات الالاف وشردت ملايين السوريين. وسواء كان بقصد او بغير قصد فان جزءا هاما من اهداف الكيان الصهيوني قد تحقق، بتدمير الدولة السورية وتمزيق قدراتها العسكرية، لانهاء دورها في الصراع العربي- الاسرائيلي، فاذا كانت مصر والاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية خرجوا من المواجهة مع العدو الصهيوني بعد الاتفاقيات التي وقعت في “كامب ديفد واوسلو ووادي عربة” فـان اخراج سورية من المواجهة يأتي بعد تفتيت الدولة بمعركة داخلية لم تكلف العدو الصهيوني جنديا واحدا.
ما يجري الان في سورية من تدمير البنية التحتية وتفكيك الدولة واستنزاف قدراتها وطاقاتها والتضحية بأعز ما تملك من ابنائها يشكل خطوة رئيسية باتجاه تمرير المشروع الصهيوني الامبريالي، باحداث تغيرات دراماتيكية في المنطقة، عنوانها الاساسي، سايكس بيكو جديد يتضمن تصفية القضية الفلسطينية، والغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى بلادهم، ودخول المنطقة في صراعات داخلية وحروب اهلية، فالهدف المعلن للمشروع الصهيوني تصفية القضية تحت مسميات مختلفة منها “كونفدرالية فلسطينية اردنية” حيث كثر الحديث عن ترتيبات رسمية بين الاردن والسلطة للاعلان عن الكونفدرالية بعد ازالة المعيقات، وقد تعهد الاردن باحياء المفاوضات بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني على الرغم من مواصلة الاستيطان في الاراضي الفلسطينية وفرض سياسة الامر الواقع، علما انه لم يبقَ من الاراضي الفلسطينية ما يستدعي التفاوض عليه، وفي ذات السياق تجددت الدعوات الصهيونية حول اقامة ما يسمى بالوطن البديل التي كان اخرها التصريحات الوقحة لعضو الكنيست الصهيوني “الداد” “بأن الاردن وطن الفلسطينيين”. الذي يعكس الاطماع الصهيونية، واشعال نار الفتنة، ونقل الصراع من صراع عربي – صهيوني الى صراع عربي – عربي.
لذلك ينبغي تحصين الموقف الشعبي في وجه المشاريع الصهيونية وسد كافة الثغرات التي يتسلل من خلالها الاحتلال الصهيوني لبث سمومه وتحقيق اهدافه العدوانية.
وبدلا من مواجهة التحديات الخطيرة، يقف النظام العربي باتجاه تمزيق الجبهات الداخلية بعدم الاستجابة للمطالب الشعبية، بتحقيق الحرية والديمقراطية واجراء انتخابات حرة ونزيهة تعكس ارادة الشعب. اضافة الى العلاقات العربية – العربية التي تشهد تشتت المواقف العربية في ظل اخطر مرحلة في التاريخ الحديث، فعلى سبيل المثال مقابل التناغم السياسي بين الاردن والسلطة الفلسطينية، هناك تناغم سياسي بين حركة حماس وقطر ترك اثارا سلبية حتى على العلاقات الداخلية في حركة حماس، انعكس بنتائج انتخابات حماس الاخيرة حيث انتصر الاتجاه المعني بتعزيز هذا التناغم. ورافق هذا التناغم علاقات مميزة تربط حركة حماس بالقيادة المصرية تعززها خلفية فكرية واحدة.
استنادا لذلك فالعلاقات الفلسطينية – الفلسطينية مرشحة للاستمرار ضمن خطين متوازيين وان اقتربا بنهجهما السياسي الا ان المشروع الصهيوني سيبقيهما متباعدين جغرافيا خاصة وانهما ارتبطا سياسيا بالموقف العربي الرسمي واصبحا جزءا منه، يترتب عليهما ما يترتب على النظام العربي من الانخراط بالمشروع القادم بدلا من مقاومته . اما الخاسر الاكبر فهو الشعوب العربية وحركة التحرر العربي عموما والشعب الفلسطيني وحركته التحررية على وجه الخصوص، كونه المستهدف الاول خلال المرحلة المقبلة، وعنوانها التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، واعادة ربط قطاع غزة بمصر وفق شروط سياسية وامنية محددة، وكونفدرالية اردنية مع مساحات من الاراضي الفلسطينية يطلق عليها اسم فلسطين، لا تتمتع بوحدة جغرافية لوجود الشريان الاستيطاني الذي مزق وابتلع اراض واسعة من القدس والضفة الغربية، في ظل هيمنة صهيونية سياسيا واقتصاديا وامنيا.
خياران ونموذجان
احتفل الشعب الفنزويلي ومعه القوى التقدمية والمحبة للسلام بنتائج انتخابات الرئاسة، التي جاءت لتؤكد من جديد تمسك الفنزوليين بالخيار الاشتراكي، بتصويتهم لمرشح الحزب الاشتراكي الموحد، فقد أعلنت هيئة الانتخابات الفنزويلية عن فوز نيكولاس مادورو في انتخابات الرئاسة التي جرت الأحد الماضي، وفشلت مراهنات الاحتكارات الراسمالية واليمين الفنزويلي على شخصنة التجربة والتبشير بانتهائها بعد غياب القائد الفنزويلي هوجو شافيز الذي كان يتمتع بشعبية واسعة، وحقق منجزات ملموسة للشعب الفنزويلي عامة وللعمال والفقراء خاصة، وانتخب لعدة دورات رئاسية، تأييدا لبرنامجه الاقتصادي والاجتماعي، والحرص الشديد على تحرير الثروات الوطنية من شركات النفط المتعددة الجنسيات واستثمارها لصالح الشعب الفنزويلي. وموقف فنزويلا الثابت بدعم حركات التحرر العالمي، وتضامنها مع كوبا ، والتعاون المشترك مع دول اليسار الاجتماعي في أمريكا اللاتينية، والدعم المطلق للشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال الصهيوني.
ويعتبر الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو منحازا للفقراء والعمال وهو ابن الطبقة العاملة ويعتز بانتمائه الطبقي ويؤكد أنه ماض في تنفيذ برنامج الحزب الاشتراكي الموحد ومواصلة النهج الذي اختارته فنزويلا في عهد الزعيم الراحل هوجو تشافيز. وهو من رفاق شافيز وأحد المناضلين البارزين في الحركة البيفارية، واحتل موقعا قياديا في الحكومة ونائبا للرئيس ورئيسا بالوكالة، قبل أن ينتخب رئيسا لفنزيلا الأحد الماضي.
مقابل خيارات فنزويلا في القارة الأمريكية وهي من بلدان “العالم الثالث” وتمسكها بخيار التنمية الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية، في مواجهة الفقر والبطالة والفساد والاستبداد، هناك نموذج مغاير في القارة الأوروبية التي تتمتع بنظام ديمقراطي عريق، وملتزمة بالمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، نموذج “الليبرالية المتوحشة”، الذي يواصل تحميل الشعب أعباء الأزمة المالية والاقتصادية التي تمر بها المراكز الرأسمالية، بممارسة سياسة التقشف التي عمقت الأزمة المالية والاقتصادية، فالدولة البرتغالية على سبيل المثال التي تتمتع بدستور يحرم على الحكومة إصدار قوانين مجحفة بحق المواطنين، تصدر الحكومة البرتغالية اليمينية قانون الموازنة العامة للدولة الذي يحمّل الشعب أعباء إضافية، بإلغاء راتب شهر من كل عام، وتجميد مكافآت العطلات لموظفي الدولة ومستحقي المعاشات، وزيادة الضرائب على المواطنين، مما يزيد من آلام وبؤس الشعب البرتغالي.
وبضغط من المعارضة الاشتراكية التي رفضت رفع الضرائب وتخفيض الرواتب، وهددت بعرض الموضوع على المحكمة الدستورية إن لم يقم الرئيس بهذه الخطوة. أقدم الرئيس البرتغالي على طرح القضية أمام المحكمة الدستورية، التي أصدرت قرارها قبل أيام ببطلان الاجراءات التقشفية التي أقرتها الحكومة اليمينية وبعدم مشروعية تقليص رواتب القطاع العام ورواتب المتقاعدين، والتي تحرم العمال والمستخدمين والمتقاعدين جزءا هاما من مداخيلهم، وقد شكّل قرار المحكمة الدستورية صدمة عنيفة للحكومة، مع ذلك تتجه الحكومة اليمينية نحو الالتفاف على قرار المحكمة.
وقد رفض رئيس الوزراء البرتغالي قرار المحكمة إلغاء اجراءات التقشف، باعتبار هذه الاجراءات جزءا من شروط الجهات المانحة “منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي” للحصول على حزمة إنقاذ جديدة. فقد اعترف رئيس الوزراء البرتغالي أن حكم المحكمة الدستورية برفض بعض بنود الميزانية الجديدة لا يتيح أي خيار أمام حكومته سوى إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق. وأوضح كويلهو أن التخفضيات الجديدة ستتركز في قطاعات الصحة والضمان الاجتماعي والتعليم والمشاريع التي تديرها الدولة.
والغريب أن الرئيس البرتغالي الذي يعترف بأن بلاده تعاني من “دائرة مفرغة من التقشف والركود الاقتصادي”، ويؤكد أن البرتغال ترزح تحت عبء ديون بلغت ضعف الناتج القومي السنوي، وأن هذا لا يمكن أن يستمر..! إن تشخيص جوهر الأزمة ومظاهرها خطوة هامة نحو مواجهتها، ومع ذلك لم تطرح حكومة البرازيل أي حلول… ليس لعدم رغبتها في معالجة الأزمة، بل لعدم امتلاك النموذج الاقتصادي البرتغالي برنامجا يشكل مخرجا للأزمة، لذلك لم تجد الحكومة أمامها سوى تخفيض الرواتب وزيادة الضرائب على الفقراء، وتقليص النفقات الصحية والاجتماعية، بدلا من البحث عن خيارات تسهم في الخروج من الأزمة. إن السياسات الاقتصادية التي تطبقها البرتغال وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي التي تعيش الأزمة، هي المسؤولة عن نشوء الأزمة المالية والاقتصادية، فإن تمركز الثروة بأيدي حفنة من الأثرياء، وغياب التوزيع العادل للثروة، سبب رئيسي لغياب الحلول واستمرار سياسة التقشف التي تعمق الركود الاقتصادي.
نموذج اقتصادي جديد
|
يقول المنصف المرزوقي إن بلاده بحاجة لنموذج اقتصادي جديد لانتشال خُمس السكان الذين يعيشون في الفقر، جاء ذلك في مستهل كلمته التي القاها في المنتدى الاجتماعي العالمي، معتبرا الهدف إخراج مليوني تونسي من دائرة الفقر في غضون السنوات الخمس المقبلة. مؤكدا أن اقتصاد السوق أو الليبرالية الجديدة لن تخرج التونسيين من الفقر. وقبل الدخول في جوهر البحث من المفيد الاشارة الى أهمية المنتدى الاجتماعي ودوره عالميا، الذي عقد لاول مرة في 25 يناير 2001 في بورتو أليغري احد اهم المراكز الثقافية والسياسية والاقتصادية في البرازيل. ويضم المنتدى الهيئات والحركات الشعبية المناوئة للعولمة الرأسمالية.
وبالعودة الى النموذج الاقتصادي، أعتقد أنها خطوة ايجابية لرئيس دولة عربية التفكير بالفقراء من حيث المبدأ، لكن ذلك يترتب عليه اجراءات، فالشعب التونسي الذي أنجب بوعزيزي وفجّر ثورة الياسمين ضد الفساد والاستبداد والقهر والطغيان، وضد الارتهان لاملاءات صندوق النقد الدولي، ينتظر من الثورة التونسية الكثير أقلها معالجة مشاكل الفقر والبطالة، أما قول الرئيس أن الليبرالية والليبرالية الجديدة لن تحل مشكلة الفقراء، ليس اكتشافا جديدا.. لكن تبني هذه المبادىء التي تعالج قضايا الفقر قد يكون جديدا في وطننا العربي. المهم توفر الارادة السياسية والانحياز لصالح الفقراء والكاحين. فقد عانت شعوب الأرض المقهورة وفي عدادها الشعب التونسي، من الليبرالية الجديدة ومن العولمة الراسمالية القائمة على تحرير التجارة وحركة رأس المال المطلقة، وارهاق الفئات الشعبية بالضرائب غير المباشرة، واستيلاء الاحتكارات الرأسمالية المتعددة الجنسيات على مؤسسات الدولة الوطنية باسم التخاصية، بعد إغراقها بالمديونية، وتوسيع السوق الرأسمالي والسعي المحموم للاحتكارات الرأسمالية والبرجوازية الطفيلية لنهب خيرات الشعوب وتحقيق الارباح الخيالية، دون أي اعتبار لمصالح الطبقة العاملة والمجتمع كافة، فالهدف الأسمى للشعب التونسي والشعوب العربية البحث عن نموذج اقتصادي جديد لمعالجة مشكلة الفقر.. إذا ما هو النموذج الاقتصادي الجديد؟ النموذج الاقتصادي الاجتماعي الذي تسعى القوى الديمقراطية التقدمية لتحقيقه في البلدان النامية هو الذي يؤمن نموا اقتصاديا ضمن مستويات مرتفعة لا تقل عن 6% من الناتج المحلي الاجمالي، ويضمن توزيعا عادلا للثروة بما يحقق العدالة بين الشرائح الاجتماعية، يتأتى ذلك بتدخل الدولة الديمقراطية الشعبية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وسعيها الدؤوب لتحفيز الاقتصاد، والتدخل في الوقت المناسب لتصويب الاختلالات الهيكلية، وتحقيق التوازن بين الربح والتنمية الاجتماعية. يقول المفكر والباحث الاقتصادي التقدمي د. عصام الزعيم ” يمكن اعتبار اقتصاد السوق الاجتماعي اقتصادا مختلطا يجمع الدولة والقطاع الخاص، وهجينا يجمع السوق والمجتمع، يأخذ مقومات له من نظام السوق وأخرى من نظام الرعاية والتنمية الاجتماعية” فالنموذج الاقتصادي الذي نريد في البلدان النامية… الذي يحقق التنمية الاقتصادية ويحرر الاقتصاد من التبعية الاجنبية، وصولا لحل التناقض التناحري بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج، وتأمين حالة من التوازن بين النمو الاقتصادي والتصدي للمشاكل الاساسية مثل البطالة والفقر وتوفير الرفاه الاجتماعي. لم يتحقق ذلك إلا من خلال مشاركة الدولة في ملكية وسائل الإنتاج، ببناء اقتصاد مختلط، والقيام بمسح اقتصادي شامل لثروات البلاد الاساسية للاستفادة منها على أكمل وجه، ليس بتصديرها خامات بل بإقامة صناعات إنتاجية، والارتقاء باقتصاد الدولة من اقتصاد ريعي الى اقتصاد إنتاجي وتوطين التكنولوجيا وصولا الى احدث المبتكرات العلمية واستغلال ثورة الاتصالات لبناء اقتصاد وطني متطور يضمن زيادة الانتاجية، بما يكفل وفر الانتاج، واسعارا للسلع تتناسب مع معدلات الدخل. ومع التقدير لخصائص كل دولة على حده، إلا أن الدول العربية كافة معنية بإعادة النظر في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية سواء كانت نفطية أو غير نفطية، غنية أو فقيرة، فالدول الغنية معنية بالاستفادة من فوائضها المالية واستغلالها بما يحقق انجازا اقتصاديا مميزا في ظل الصراع الاقتصادي بين المراكز الاقتصادية الاساسية في العالم وتنامي دور مجموعة بريكس، وغياب دور عربي، أما الدول الفقيرة فهي لا تقل حاجة عن الدول الغنية باستثمار امكانياتها المـــــتواضعة بما يخفــــف من آلام شعوبها ويــــحقق تنمية اقتـــــصادية اجتــماعية. أما الدور الاجتماعي للدولة فهو يتمحور حول حق الجميع بالعمل، وتوفير الأجر المناسب الذي يضمن حياة كريمة، وتكافؤ الفرص، وتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم للمواطنين كافة، بإصدار حزمة من القوانين الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق الأهداف النبيلة، الأمر الذي يسهم بتحسين الطلب الكلي أمام العرض الكلي، مما يجنب الاقتصاد ما يعرف بأزمة فيض الإنتاج، التي تمر بها البلدان الرأسمالية. |
||
فتشوا عن الأسباب الحقيقية وراء العنف
مع اتساع ظاهرة العنف الجامعي، انبرى عدد غير قليل من المهتمين في التصدي لهذه الظاهرة وابداء الرأي حول أسبابها وكيفية معالجتها، منهم من تفحصها بعين ثاقبة ورؤية شمولية، ومنهم من كانت رؤيته قاصرة، تعاملت معها بذهنية أمنية، وقد جاءت الأحداث المؤسفة لجامعة مؤتة التي ذهب ضحيتها شاب في مقتبل العمر، بعد سلسلة من الحوادث المشابهة لتدق ناقوس الخطر، والمؤسف أن ردود الفعل الأولية أخذت طابعا عرفيا، كالقول إن الجامعة ستشهد خطة أمنية محكمة ومتكاملة سيكون لدائرة الأمن الجامعي استراتيجية جديدة … وأن المشكلة تكمن في هذا السياج المحيط حول الجامعة المتآكل والذي يحتاج الى الصيانة… والخطة تشمل وضع كامرات مراقبة على البوابات وفي الساحات ونقاط تجمع الطلبة ..من دون التفكير بالأسباب الحقيقية، واختيار الوسائل الملائمة لمواجهتها.
وفي هذا السياق قال رئيس اللجنة التي وضعت استراتيجية الحد من العنف الجامعي، أستاذ علم الاجتماع الدكتور موسى شتيوي، إن عددا كبيرا من الجامعات لم يضع الاستراتيجية موضع التنفيذ. والتي تتضمن المحاور الرئيسية للاسترايجية الخاصة بالحد من العنف الجامعي، إلغاء جميع أشكال التمييز وتوفير العدالة والمساواة بين الطلبة، سواء على صعيد القبولات في الجامعات وعمليات تقويم الطلبة، وتطوير آلية واضحة لمنع تفشي ظاهرة الوساطة والمحسوبية، بما يخلق بيئة جامعية معرفية تنويرية، تركز على صقل شخصية الطالب، وتطوير عمل عمادات شؤون الطلبة وزيادة دعم الأنشطة الطلابية ومساعدة الطلبة وأنديتهم، وتعزيز الشفافية والنزاهة في انتخابات مجالس الطلبة.
ومع أهمية الاستخلاصات التي توصلت اليها اللجنة كدراسة مخصصة لشؤون الطلبة ومشاكلهم المباشرة ، فإن الالتزام بهذه المبادئ يسهم بشكل مباشر بالتخفيف من ظاهرة العنف، لكن اتساع هذه الظاهرة يملي علينا التفكير في البعد الاجتماعي خاصة وإن ظاهرة العنف ليست محصورة في الجامعات، فان تدهور الأوضاع المعيشية لغالبية المواطنين عامة وذوي الدخل المحدود خاصة يفسر حالات الاضطراب والاحتقانات التي نلحظها ليس في الجامعات وحدها بل وفي المجتمع عامة، ومع اتساع دائرة الفقر التي أدت إلى زيادة جيوب الفقر من 22 جيبا عام 2006 إلى 36 جيبا عام 2010. وسجلت أعلى نسبة للفقر في محافظة المفرق، وتلتها معان والطفيلة. فالبلاد مرشحة الى مزيد من العنف والمظاهر السلبية، إن لم يجر التصدي للأسباب الحقيقية التي يعاني منها المجتمع، خاصة وأن الأزمة الاقتصادية تتفاعل بشكل متسارع في ظل ارتفاع معدلات التضخم نتيجة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ومعظم السلع الأساسية، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تآكل الأجور الفعلية للعاملين بأجر في القطاعين الحكومي والخاص، حيث تشير أرقام دائرة الإحصاءات العامة لعام 2011 أن حوالي 80 % من العاملين بأجر يتقاضون رواتب دون الـ 400 دينار. علما أن خط الفقر للأسرة المكونة من 6 افراد 400 دينار وفقا للدراسات الرسمية لعام 2010 مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع الأرقام القياسية للأسعار خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة .
كما أن السياسات العامة التي اتبعت خلال العقدين الأخيرين اسهمت في تعميق الهويات الفرعية “الطائفية والاقليمية والجهوية”، وكان لقانون الانتخاب القائم على الصوت الواحد المجزوء الذي صدر عام 94 وما زال ساري المفعول أبلغ الأثر على تفتيت النسيج الاجتماعي وتعميق العصبيات القبلية في المجتمع الأردني، كما مارست الحكومات المتعاقبة سياسات عرفية لحرمان الطلبة من أبسط حقوقهم في التنظيم الطلابي، ولم تتورع في معاقبة نشطاء الطلبة وزجهم بالسجون لا لشيء فقط لنشاطهم الطلابي وتمتعهم بثقة زملائهم في الانتخابات الطلابية في الجامعات الأردنية، وما زال المجتمع الأردني يذكر بألم المجزرة التي ارتكبت في جامعة اليرموك عام 86 وذهب ضحيتها عدد من الطلبة. ومن المعروف أن ظاهرة العنف في الجامعات الأردنية لم تكن موجودة قبل ممارسة سياسة ” تطهير الجامعات” من النشاطات الطلابية والوطنية مثل احياء بعض المناسبات الوطنية. إن هذه السياسات أوصلت الجامعات الأردنية الى حالة من الخواء السياسي، وأدخلت هذا القطاع الحيوي في المجتمع الأردني في تناقضات وصراعات مدمرة.
مشروع قانون ضريبة الدخل
قبل ابداء الرأي في التعديلات المطروحة على قانون ضريبة الدخل، لا بد من الاشارة الى أن هذه التعديلات يفترض أن تكون جزءا من حزمة اجراءات في مواجهة عجز الموازنة، صحيح أن تعديل قانون ضريبة الدخل يعتبر مطلبا وطنيا، بهدف اعادة توزيع الدخل وتحقيق العدالة الاجتماعية وزيادة ايرادات الخزينة، الا أن ارتباطه بخطوات حكومية تتعلق برفع أسعار المياه والكهرباء بعد اجراءات الرفع المتلاحقة لأسعار المشتقات النفطية، سوف يترك آثارا سلبية على الاقتصاد الوطني عامة، وعلى الغالبية العظمى من المواطنين خاصة. صحيح أن الدولة معنية بتوفير المال لتخفيض عجز الموازنة، لكن ذلك لن يتحقق من خلال الجباية، فزيادة الأعباء على المواطنين اجراء انكماشي يسهم في استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي ويفاقم الأزمة.
لذلك ينبغي أن تقلع الحكومة عن فكرة رفع أسعار الكهرباء عامة وعن الصناعة خاصة من حيث المبدأ حتى لا تتسبب بكارثة اقتصادية، سيكون لها آثار اجتماعية خطيرة، ومن باب التذكير فان القطاع الصناعي يوظف 239 ألف عامل وعاملة، ويتعرض لمنافسة حادة من قبل دول عربية وآسيوية خاصة في ظل تحرير أسواق التجارة. علما أن هناك بدائل أمام الحكومة، أولا العمل على تخفيض تكلفة الكهرباء، فهناك تأكيدات من قبل ذوي الاختصاص بأن قطاع الكهرباء يعاني من تراجع كفاءته في التصنيع والتزويد، ما يرفع تكلفة الانتاج، عدا عن ضرورة العمل على تنويع مصادر الطاقة، وهي متاحة محليا سواء من خلال الطاقة البديلة أو بواسطة الصخر الزيتي. أما الجانب الثاني الذي يجب تحقيقه الى جانب الاصلاح الضريبي التفكير الجدي بتخفيض النفقات العامة للدولة، ولن أدخل بتفاصيل التخفيضات، فالمقال لا يحتمل وقد تناولت هذه التخفيضات في مقالات سابقة اضافة الى مكافحة الفساد.
عودة الى مشروع قانون ضريبة الدخل الذي قدمته الحكومة الأسبوع الماضي يمكن ملاحظة ما يلي: هناك تعديلات جوهرية أبرزها اعتماد مبدأ الضريبة التصاعدية ورفع سقف الضريبة الى 40% على الدخل الذي يزيد على مليوني دينار لقطاعات البنوك والشركات المالية والصرافة والتأجير التمويلي. أما شركات الاتصالات والتأمين والتعدين والوساطة المالية فقد طرح المشروع لأعلى سلم الضريبة التصاعدية الى 40% للدخل الذي يزيد على مليون دينار، والمجموعة الثالثة، الأشخاص الاعتباريين والمقصود هنا الشركات التجارية والصناعية المختلفة وغير الواردة في المجموعتين الأولى والثانية، ويصل السلم الضريبي لهذه القطاعات الى 25% بعد الدخل الذي يزيد عن 500 الف دينار. أما الشخص الطبيعي فقد خفض المشروع الاعفاءات عن الأفراد من 12 ألفا الى 9 آلاف والأسرة من 24 الفا الى 18 ألفا، مع فرض ضريبة تصاعدية تبدأ بـ 5% وتصل الى 30% على الدخل الذي يزيد على 50 الف دينار.
الملاحظ أن المشروع أبقى على النص نفسه الذي ورد في القانون المؤقت رقم 28 لعام 2009 والذي تضمن مساواة القطاع الصناعي بالقطاع التجاري، الأمر الذي يحرم القطاع الصناعي ميزة وجود سياسة ضريبية تفضيلية للقطاع الصناعي، فالاصلاح الضريبي يعتمد على مبدأ الضريبة التصاعدية على الشركات والأفراد، والمشروع قدم خطوة مهمة في هذا الاتجاه بما يكفل زيادة إيرادات الخزينة، وتحقيق العدالة الاجتماعية. اضافة الى استخدام السياسة الضريبية كأداة لتحفيز الاستثمار في القطاعات المنتجة والمشغلة للعمالة المحلية. وهذا لم يتحقق في المشروع المقدم ، لذلك أعتقد أنه من الضروري تخفيض نسبة الضريبة على القطاع الصناعي.
أما القطاعات التي ما زال المشروع عاجزا عن الوصول اليها، القطاعات الطفيلية، فقد حان الوقت للوصول الى المضاربات المالية والعقارية، بفرض ضريبة على أرباح المتعاملين في البورصة والعقارات، والمتاجرة في القطاعات التي تحقق أرباحا خيالية أسوة بالمستثمرين في القطاعات الأخرى في البلاد، حيث يمكن توفير آلية مناسبة لتحديد صافي الربح والخسارة للمتعاملين من خلال المؤسسات المعنية. وان سياسة ضريبية من هذا النوع تحفز المستثمرين الانتقال من القطاعات الطفيلية الى القطاعات الانتاجية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جزءا مهما من أرباح هذه القطاعات تتحول الى خارج البلاد.
أما النقطة الأخيرة فان الاصلاح الضريبي يجب أن يشمل ضريبة المبيعات باعادة هيكلتها وتخفيضها الى نقطة الصفر على الغذاء والدواء ورفعها على سلع الرفاهية. وسحب صلاحية الحكومة بتحديد نسبة الضريبة الخاصة لأنها تشكل مخالفة دستورية، تصل أحيانا الى نسب مرتفعة كالمشتقات النفطية على سبيل المثال، وحصر أي تعديل بالمؤسسة التشريعية .