لست معنيا بتأويل جاكوب ليو وزير الخزانة الاميركية ما لم يقله حول افلاس أمريكا (سياسيا، ماليا، اقتصاديا). واضح ان الوزير يقصد افلاس الحكومة ماليا.. ومع ذلك يمكن الحديث عن افلاس سياسي، فقد توالت الازمات السياسية والمالية والاقتصادية التي واجهت اكبر دولة في العالم. بدءا من ازمة الرهن العقاري، مرورا بانهيار مصرف “ليمان براذرز” الذي فتح الباب على مصراعيه لتحويل أزمة الائتمان والرهن العقاري إلى أسوأ أزمة مالية منذ “الكساد العظيم”. وانتشار الأزمة المالية عالميا، لتضرب اسواق المال في المراكز الرأسمالية كافة بعد ان سادت حالة من الذعر والفوضى في البورصات العالمية، التي هوت بسرعة مذهلة. وانتهاء بأزمة العجوزات المالية في موازنات البلدان الرأسمالية، وتفاقم المديونية التي تجاوزت الناتج المحلي الاجمالي لهذه البلدان، وفشل المحاولات المتكررة في الخروج من حالة الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة.
أرشيف التصنيف: الارشيف
مغزى الذهاب إلى الكونغرس
تنعقد قمة العشرين في ظل خلافات سياسية واقتصادية حادة، حيث تهيمن الأزمة السورية على اجواء المؤتمر. إضافة الى عدد من الملفات الاقتصادية، ابرزها، اثر انهاء سياسة الحفز الاقتصادي الذي تطبقه الولايات المتحدة الاميركية على النمو الاقتصادي، وانعكاساته على الاقتصاد العالمي، كما تحظى الاقتصادات الناشئة بالاهتمام الرئيس لدورها المحوري في الحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي على الرغم من تراجع النمو الاقتصادي في روسيا والهند، الا انها تبقي مجموعة بريكس في طليعة الاقتصاد العالمي، وتبقى منطقة اليورو الحلقة الاضعف في المراكز الاقتصادية العالمية رغم التحسن الطفيف الذي طرأ خلال الربع الاخير.
الدولة المدنية الديمقراطية
يمرالوطن العربي بمرحلة دقيقة، امتزجت فيها أحلام الأمة، بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بعودة التدخلات الاجنبية… عادت الولايات المتحدة الامريكية للمنطقة، ليس بجيوشها الجرارة.. بل كدولة “صديقة مساندة للثورات العربية مدافعة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان”..! ضبابية المرحلة تقود الشارع نحو التيه، لدرجة ان المواطن لم يعد قادرا على التمييز بين الثورة والثورة المضادة، بين عملاء اميركا و “اسرائيل” واعداؤهما، واصبحت المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات، ويمكن وصفها بالمرحلة الانتقالية..! فبعد مرور اكثر من نصف قرن على تحرير الاقطار العربية من الاستعمار الكولونيالي، ودخول الوطن العربي بتجارب مختلفة، منها من اختار التوجه الاشتراكي الذي جرى إفشاله لاعتبارات مختلفة، ومنها من اختار التوجه الرأسمالي. ومع ذلك لم يفلح هذا الاتجاه او ذاك بتحقيق تنمية اقتصادية وبناء اقتصاد حقيقي، رغم المحاولات الجادة من قبل الاتجاه الاول، فما زال الوطن العربي يعيش في ظل انماط اقتصادية متخلفة “ما قبل الرأسمالية” مع نمو واتساع دور البرجوازية الطفيلية والكمبرادور، ويغلب على اهم اقتصادات المنطقة النمط الاقتصادي الريعي، وخاصة الدول النفطية منها.
لم تستطع حركة التحرر العربية بتلاوينها المختلفة من انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، بابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واخراج الوطن العربي من حالة التجزئة والقطرية والتخلف والتبعية، واقامة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المؤسسات، وترسيخ مبادىء الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. بدلا من ذلك هيمنت انظمة فاسدة ومستبدة، خاصة بعد انهيار التجربة الناصرية وتقويض حركة التحرر العربية، التي حملت مشروعا وطنيا حالما لكنها كغيرها من الانظمة الشمولية لم تستجب للديمقراطية والتعددية السياسية، وهي جزء من اشكالية حركات التحرر، التي اولت قضية التحرر والسيادة الوطنية جل اهتمامها، وقد انحاز معظم رجال الفكر والسياسة من التيارين القومي واليساري الى الشرعية الثورية التي افرزتها حركات سياسية جاءت بانقلابات عسكرية للحكم متحالفة مع الاتحاد السوفيتي، ضمن النظرية التي كانت سائدة في تلك المرحلة بتحالف القوى الثورية الثلاث “المعسكر الاشتراكي والطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية وحركات التحرر العالمية”، والتي كان برنامجها قائما على قاعدة النضال من اجل هزيمة الامبريالية العالمية. لذلك لم يجر مراعاة لقضايا الديمقراطية والتعددية السياسية في تلك المرحلة، باعتبار القوى الثورية الثلاث منشغلة “بهزيمة وشيكة” للامبريالية العالمية… لذلك قدمت بعض الاحزاب اليسارية في حركات التحرر الوطني تنازلات لحلفائها خدمة لهذا الهدف النبيل.
خلاصة القول ان الوطن العربي عاد الى المربع الاول، الى مرحلة النضال من اجل تحقيق الاستقلال السياسي، وفك التبعية والدفاع عن السيادة الوطنية المهدورة، مرحلة اسقاط النظم الديكتوتورية التي عاثت في الارض فسادا ، ولا بد من رؤية الواقع العربي كما هو، فعناصر تشكل الدولة المدنية الديمقراطية غير مكتملة الان، سواء كان ذلك ضمن المفهوم البرجوازي، وفق الاسس التي تشكلت على اساسها الدولة المدنية في اوروبا والتي جاءت نتاج تطور الثورة البرجوازية. وهذا غير ممكن من حيث المبدأ، كما انه غير مطروح. ما نطمح بتحقيقه في الوطن العربي الدولة المدنية الديمقراطية. التي من اولى شروط تحقيقها توحيد التيار القومي واليساري الذي يحمل برنامجا وطنيا ديمقراطيا اقتصاديا واجتماعيا، لتحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وللاسف الشديد ان هذا التيار عدا عن كونه ضعيف من الناحية التنظيمية، فهو غير موحد، على الرغم ان قاعدته الشعبية اوسع بكثير من قدرته على التأثير في الشارع العربي، لذلك يبقى هذا المشروع معلقا على ذمة تحقيق الهدف النبيل بوحدة هذا التيار.
في حين تنحصر القوة المؤثرة في هذه المرحلة بمجموعتين الاولى: المؤسسة العسكرية وهي التي حمت النظم الديكتاتورية في العقود الاخيرة. اما الثانية: الحركة الاسلامية، وتجرتنا الاخيرة مع الاخوان المسلمين في مصر كشفت بوضوح ان الطريق الديمقراطي ليس اكثر من وسيلة لتمرير سياسات شمولية، وان مسألة الدولة المدنية شعار استخدم من قبل الحركة الاسلامية لتطمين المجتمع، في حين واصلوا نهج التمكين والاخونة بهدف الاستيلاء على الدولة، ان تداول السلطة لا يعني احداث تغيرات جوهرية في مؤسسات الدولة بعيدا عن ارادة الشعب، خاصة وان حكومة مرسي لم تحصل سوى على 27% من اصوات الناخبين في الجولة الاولى، وان وصوله الى الرئاسة جاء باصوات التيار القومي اليساري، لكنه ادار الظهر لهذا التيار العريض الذي لا يقل تمثيلا عن التيار الاسلامي الا بنسبة ضئيلة في الجولة الاولى من الانتخابات، وقد دفع مرسي ثمنا باهظا لموقفه هذا، حين نزل ملايين المصريين الى الشارع في 30يونيو مطالبين بانتخابات مبكرة. وبدلا من تحديد موعد لانتخابات مبكرة، تمسك بالسلطة وفتح الباب امام تدخل العسكر،لاعادة البلاد الى المربع الاول
التحديات الاقتصادية التي تواجه العالم
اصبحت الدول النامية لاعبا رئيسا في الاقتصاد العالمي، وفي مقدمة هذه البلدان مجموعة دول بريكس التي تضم كلاً من الصين وروسيا البرازيل والهند وجنوب أفريقيا، ويعيش في الدول الخمس حوالي 41% من سكان العالم، وتشغل 25% من مساحة الارض، ويقدر حجم اقتصادها بحوالي 27% من الناتج الإجمالي العالمي، ويبلغ مجموع احتياطي النقد الأجنبي لدول المنظمة 4 تريليون دولار. ومن ابرزها الصين التي تحتل ثاني اكبر اقتصاد في العالم، وقد انهت تفرد اميركا على العالم، ووصف الرئيس الصيني دول “بريكس” بأنها “المدافعة عن مصالح الدول النامية وأنها قوة من أجل السلام العالمي .
وقد لعبت اقتصادات الدول الصاعدة دور رياديا في قيادة الاقتصاد العالمي، و حافظت على مستويات مرتفعة من النمو الاقتصادي، قبل ان يتجه اقتصاد هذه البلدان نحو التباطؤ، مما ترك اثارا سلبية على الاقتصاد العالمي، فقد سجل الاقتصادي الصيني خلال الربع الثاني للعام الحالي نموا نسبته 7.5 % على أساس سنوي مقارنة مع 7.7 % في الربع الأول. فقد تراجعت الصادرات الصينية خلال النصف الاول من العام الحالي بنسبة 3.1 % خلال شهر يونيو مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وهو ما يظهر تراجعا ملموسا في الطلب العالمي على البضائع الصينية.
ويعزى ذلك الى سببين الاول تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي حيث يواجه الاقتصاد الصيني ضغوطاً متزايدة مع تباطؤ اقتصاد الولايات المتحدة وانكماش اقتصاد الاتحاد الاوروبي وضعف الطلب الداخلي. والثاني ارتفاع تكلفة الصادرات، بسبب ارتفاع سعر صرف اليوان الصيني بنسبة 5.6% وارتفاع تكلفة رواتب الايدي العاملة وغيرها من ارتفاع الكلف. لم تكن هذه النتيجة مفاجئة بسبب العلاقة المتبادلة بين اقتصادات العالم في ظل العولمة والانفتاح الاقتصادي، فاذا كان النمو المرتفع للاقتصاد الصيني سببا في تعثر الاقتصاد الاميركي في الخروج من ازمته، فان الركود الاقتصادي الاميركي اصبح من اهم اسباب تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني.
لقد سخرت المراكز الرأسمالية المنظمات الدولية مثل “منظمة التجارة العالمية” لفرض شروط التبعية على البلدان النامية، ومورست الضغوط عليها للتكيف مع شروط المنظمة الدولية، بفتح اسواقها امام المنتجات العالمية، في ظل علاقات غير متكافئة بهدف توسيع السوق الراسمالي، وازالة الحواجز الجمركية، وتمكين الاحتكارات الراسمالية من تصريف منتجاتها في مختلف ارجاء المعمورة، مما سبب ضررا فادحا لاقتصادات الدول النامية، حيث هُمشت الصناعات الوطنية في معظم البلدان النامية. بالمقابل فتحت افاق واسعة امام اقتصادات صاعدة لدول نامية مثل الصين مكنتها من منافسة الدول المتقدمة، فاستحوذت الصين وعدد من دول بريكس على حصص اعلى في السوق العالمي مستفيدة من العولمة الرأسمالية، كما تمكنت من استقطاب رؤوس اموال الشركات المتعددة الجنسيات للاستثمار في الصين بفضل النمو الاقتصادي المرتفع، والاداء الاقتصادي المتفوق، والقدرة التنافسية العالية للمنتجات الصينية، واحدث الانفتاح الاقتصادي الذي فرضته المراكز الرأسمالية نتائج عكسية على البلدان المتقدمة فاصبحت اسواقها مستهدفة من البلدان الصاعدة. واسهم ذلك في تراجع معدلات النمو الاقتصادي في بلدانها.
ومن المفارقات الغريبة ان الدول المنافسة للصين تعبر الان عن مخاوفها من أن يشهد الاقتصاد الصيني تباطؤا أكبر، وذلك خشية من الاثار السلبية على الاقتصاد العالمي، فالاقتصاد الصيني أصبح يشكل قوة اساسية للحفاظ على نمو الاقتصاد العالمي. علما ان نمو الاقتصاد الصيني يعتبر مرتفعا وفقا للمعايير الدولية. حيث تشير احدث تقرير البنك العالمي ” افاق الاقتصاد العالمي ” ان توقعات النمو للاقتصاد العالمي تتراجع الى 2.2% وتوقعات نمو اقتصادات الدول المتقدمة من الى 1.2% . واميركا بنسبة 1.7% ودول منطقة اليورو انكمش اقتصادها الى 0.6% خلال العام الحالي اما الاقتصاد الالماني الذي يعتبر من اهم اقتصادات الدول الاوروبية من المتوقع ان ينمو بمعدل 0.9% من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي. فالهامش واسع جدا بين نمو الاقتصاد الصيني ، المرشح لاحتلال المركز الاول في الاقتصاد العالمي وبين نمو اقتصادات الدول المتقدمة.
ومن ابرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، انسداد الافق امام نمو اقتصادات البلدان المتقدمة، ووقوع الدول الفقيرة ضحية النظام الرأسمالي، والميل العام نحو تراجع اقتصادات الدول الصاعدة، وغياب نموذج اقتصادي متوازن يحقق نموا اقتصاديا حقيقيا، ويؤمن فرص عمل لجيش العاطلين عن العمل، ويضمن اجور تتناسب مع مستلزمات نفقات الاسرى، وتكافؤ الفرص، ويحقيق العدالة الاجتماعية، ويضمن استقرارا سياسيا واجتماعيا، بعد ما فشلت النماذج الاقتصادية التي استخدمت في مواجهة الازمة خلال السنوات الخمس الماضية، التي اعتمدت على الانفاق الحكومي الممول بالقروض لتحفيز النشاط الاقتصادي، الامر الذي فاقم المديونية لهذه البلدان، وحمل المواطنين اعباء جديدة تمثلت بزيادة الضرائب، وتخفيض الاجور، وخفض الانفاق على الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، وعرض بعضها للافلاس
جردة حساب
ليس من قبيل الصدفة أن شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية كانت الجامع المشترك الأعظم بين الثورات الشعبية في البلدان العربية، رغم أن لكل دولة خصوصيتها اقتصاديا واجتماعيا؛ إلا أن السمة العامة لهذه البلدان خضوعها للتبعية الأجنبية. فالاستقلال السياسي الذي انتزعته الشعوب العربية من الاستعمار الكولونيالي بعد تقديم مواكب الشهداء من أعز وأنبل وأشرف أبناء الأمة وفاء واخلاصا للوطن من أجل الحرية والاستقلال، تم استلابه من قبل الاستعمار الجديد المتمثل بالاستعمار الاقتصادي، بتمكين المراكز الرأسمالية من فرض شروط التبعية على البلدان النامية عامة وفي عدادها البلدان العربية، بعد اغراقها بالمديونية، واخضاعها لاملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، والاستيلاء على مقدرات هذه البلدان، ونشر الثقافة الاستهلاكية؛ في وقت أفلتت بعض الدول النامية (الصين الهند البرازيل..الخ) من فخ المديونية وشروط التبعية بفضل امتلاكها الارادة السياسية في التحرر والانعتاق، وأصبحت نموذجا يحذى حذوه في العالم.
جاءت الثورات العربية لانجاز برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية، ومن أولى مهامها تطهير البلاد من الفساد والاستبداد، واقامة دولة ديمقراطية يسودها العدل والمساواة، والتخلص من هيمنة البرجوازية الطفيلية ووكلاء الشركات الأجنبية ” الكمبرادور” على الاقتصاد الوطني، واعادة الثروات العربية المنهوبة، واستثمار الموارد العربية في مشروع تنموي اقتصادي اجتماعي، ومعالجة قضايا الفقر والبطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية. فمن حق الشعب صانع الثورة، أن يطلب من الحكومة المنتخبة تقديم جردة حساب، لمعرفة الانجازات التي حققتها. رب قائل يقول إن عاما أو اكثر غير كاف لحصد المكاسب.. صحيح ولكن، شريطة وجود برنامج عمل واضح يحدد مسار الحكومة، وآفاق التطور الاقتصادي والاجتماعي، وهذا لم يحدث في كل من مصر وتونس وليبيا التي شهدت سقوط أنظمة ديكتاتورية. لا بل شهدت هذه البلدان تراجعا خطيرا في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، انعكست مظاهرها باتساع مساحات الفقر وارتفاع معدلات البطالة، ما دفع ملايين المصريين في العودة الى الشارع لتصحيح مسار الثورة.
تناولت الأسبوع الماضي بعض مظاهر تراجع الوضع الاقتصادي في مصر، أواصل في تغطية بعض مظاهر التراجع الاقتصادي والاجتماعي، التي كانت سببا في إحداث تغيير جوهري من قبل الجماهير الشعبية تجاه الإخوان المسلمين. يقول الخبير الاقتصادي المصري د. احمد السيد النجار رئيس مركز الدراسات الاقتصادية في جريدة “الأهرام”: لم يطرأ أي تحسن في الانفاق العام على قطاع الصحة المتدني أصلا .. فقد استلم د. مرسي الحكم والإنفاق على الصحة يقدر بنحو 5% من اجمالي النفقات العامة، أي أقل من ثلث ما تطلبه منظمة الصحة العالمية وهي 15% للحفاظ على صحة الفقراء ومحدودي الدخل والصحة العامة للمجتمع. فقد حافظ مشروع موازنة 2013/ 2014 على المعدل نفسه حيث خصص حوالي 4,7% من الإنفاق العام للصحة..! وفي السياسة الضريبة التي تشكل أهم أدوات اعادة توزيع الدخل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فقد اقتصر الاعفاء الضريبي على أول ألف جنيه في الشهر. علما أن الحركة العمالية المصرية تطالب برفع الحد الأدنى للأجر الى 1500 جنيه شهريا، أما الشريحة العليا للضرائب نسبتها 25% لمن يبلغ دخله أكثر من 250 ألف جنيه. بينما تبلغ في الولايات المتحدة 43 %، وفي فرنسا وبريطانيا وإيطاليا 40% .
أما تونس فهي ليست أفضل حالا، فالاقتصاد التونسي يعاني من تراجع ملموس في احتياط العملات الأجنبية التي انخفضت من 13 مليار دينار إلى 10 مليارات دينار تونسي. وارتفعت نسبة الفقر والبطالة . وتقول وزارة الشؤون الاجتماعية في تقرير لها، إن نسبة الفقر بلغت 24.7? وفقا للمعايير الدولية التي تحدد حد الفقر بدولارين للفرد الواحد يوميا. وتقدر وزارة الشؤون عدد العاطلين من العمل بـ700 الف شخص ، 69% منهم تقل أعمارهم عن 30 عاما.. ويقول وزير الشؤون الاجتماعية التونسي: «الفقر والبطالة وعلاقات الإنتاج تشكل أبرز المواضيع التي تتصدر مطالب واحتجاجات المواطنين في هذه الفترة».. ويُتوقع تواصل الاحتجاجات مع عجز الحكومة الوفاء بوعودها للمواطنين.
صحيح أن البلدان العربية بحاجة إلى مزيد من الوقت لتوفير الاستقرار السياسي والاقتصادي، شريطة التخلي عن السياسات الاقتصادية الليبرالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وعدم انخراط المؤسسة العسكرية في العمل السياسي، وكان من الأفضل أن تواصل الحركة الشعبية دورها في تصويب مسار الثورة من دون تدخل المؤسسة العسكرية. إلا في حالة تعرض السلم الأهلي للخطر، مع تأكيد صيانة حق المواطنين في التعبير عن ارائهم بالطرق السلمية، ورفض أي شكل من اشكال الاعتداء على حقوق الانسان ، وعزل الأصوات الداعية للاقتتال الأهلي .
الشعب يسترد ثورته
وقف العالم مبهورا أمام الجماهير الشعبية المتدفقة في الساحات والميادين، في المدن والقرى المصرية، ملايين المصريين يجوبون الشوارع بمسيرات شعبية لتصويب مسار الثورة المصرية ملبين الدعوة لإسقاط مرسي، واجراء انتخابات مبكرة، حضور جماهيري غير مسبوق، لم تشهده دولة في العالم، دفاعا عن مبادئ ثورة 25 يناير، ” الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية ” كان واضحا منذ اللحظات الأولى لاندلاع ثورة يناير أن القوى المحركة للثورة المصرية الشباب والعمال، الذين يعانون من الفقر والبطالة وتردي الأوضاع المعيشية، بسبب السياسات الاقتصادية التي فرضها نظام الفساد والاستبداد، منذ عدة عقود، وكان واضحا أن القضية الاقتصادية والاجتماعية تحتل المقام الأول، وأن مصر الثورة تحتاج إلى سياسة اقتصادية جديدة، فالسياسة الاقتصادية التي سادت منذ عصر الانفتاح الاقتصادي التي أفقرت الشعب المصري انتهى عصرها، وكان على النظام أن يعي حقيقة هذه القضية الجوهرية، الا أن مصالحه الطبقية حالت دون ذلك.
ماذا يُجرى في تركيا ؟
لم تكن حديقة تقسيم سوى الشرارة التي أشعلت المظاهرات الشعبية الواسعة في مختلف المدن التركية، ما يعزز الانطباع بوجود أسباب أعمق وأشمل من قضية تقسيم، فالمجتمع التركي يعاني من أزمات سياسية واجتماعية يمكن تقسيمها الى ثلاثة محاور رئيسية هي:
أولا: من المعروف أن تركيا حققت نموا اقتصاديا كبيرا خلال العقد الأخير، واعتبر النموذج التركي مثالا لدى بعض البلدان النامية، الا أن عام 2012 شهد تراجعا ملموسا في النمو الاقتصادي. ففي أعقاب سنتين من النمو المرتفع، شهد الاقتصاد التركي تراجعا واضحا في عام 2012، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي نموا بلغ 2.2% في مقابل 8.8% في عام 2011. وبالتدقيق في أسباب التراجع، تبين أن من أهم محركات النمو الاقتصادي التركي (القروض والتدفقات الاستثمارية الخارجية) فقد اعتمدت تركيا على القروض الأجنبية، التي رفعت المديونية الخارجية الى 350 مليار دولار، على عكس ما انتشر بين الأوساط الشعبية أن “تركيا سددت كامل ديونها“، والصحيح أن تركيا سددت آخر قسط من ديونها لصندوق النقد الدولي. وقد ساهم تدفق رؤوس الأموال الأجنبية الى تركيا من المراكز الرأسمالية التي تعاني من حالات الانكماش الاقتصادي بعد انفجار الأزمة الاقتصادية، برفع معدلات النمو الاقتصادي. وبمجرد شعور القطاع المصرفي باقتراب تركيا من الأزمة السورية وحالات عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة سحبت المصارف الأجنبية حوالي 90 مليار دولار أي حوالي 9 % من الناتج المحلي التركي. ومن المعروف أن الاعتماد على التمويل الخارجي يحمل بطياته مخاطر كبيرة، كما أصبحت القروض وخدماتها تشكل عبئا ثقيلا على الاقتصاد التركي .
الموازنة.. رفع الأسعار.. السياسة المالية
تابع الشعب الأردني باهتمام، المشهد السياسي المثير، اقرار مجلس النواب الموازنة العامة للدولة خلال الأسبوع الماضي، فبعد رفض معظم أعضاء المجلس توجهات الحكومة برفع أسعار الكهرباء، اعتقد بعضهم أن للبلاد مجلسا جديدا، لكن مشهد الثلاثاء خيب الآمال، فقد مرر النواب المنسحبون والمصوتون قانون الموازنة، هذا القانون الذي يتضمن أولا رفع أسعار الكهرباء. فالمسرحية التي حاول بعض أبطالها الظهور غيورين على مصلحة الشعب الأردني قبل النهاية الدراماتيكية… بددها المشهد الأخير.
حروب من نوع جديد
بعد سنوات من الانكماش والركود الاقتصادي، وبعد أن أُرغم على اخلاء موقعه لصالح اقتصاد دولة نامية، وتراجعه إلى المركز الثالث في نادي كبرى اقتصادات العالم، عاد الاقتصاد الياباني ليحقق نموا اقتصاديا لافتا، بمعدل سنوي قدره 4.1 % في الربع الأول من العام الحالي، جاء هذا النمو بعد تعديل التقديرات الأولية التي كانت تشير إلى انكماش الاقتصاد الياباني بمعدل 3.5%.، لكن السؤال الرئيسي، ما هو سر التقدم المفاجئ للاقتصاد الياباني، وهل يعكس بداية انفراج اقتصادي للمراكز الرأسمالية في العالم، أم متصل بخصائص الاقتصاد الياباني. خاصة أن الاقتصاد العالمي مـا زال يترنح تحت تأثير الأزمة المالية والاقتصادية، والاقتصاد الأوروبي دخل حالة كساد من جديد، وبعض دول منطقة اليورو على حافة الانهيار.
كيري يُسوّق للحل الاقتصادي
في ظل ظروف عربية وإقليمية تسودها حالات من التوتر والانقسام شعبيا ورسميا، ومع احتدام الصراع في الأزمة السورية بين أطراف عربية واقليمية ودولية، ومحاولات الإمبريالية الأمريكية بالتنسيق والتعاون المشترك مع الكيان الصهيوني لاقتناص الفرص لإحداث تغييرات دراماتيكية في الوطن العربي، جاءت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في المنتدى الاقتصادي العالمي، بالاعلان عن خطة اقتصادية بقيمة أربعة مليارات دولار لتوسيع الاستثمارات في الاقتصاد الفلسطيني خلال ثلاث سنوات، وقد أوضح كيري ان هذه الخطة “التحويلية” يمكن أن تخفض البطالة بشكل كبير وترفع معدلات الأجور 40 %. ومن المعروف أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من ضعف شديد بسبب القيود المفروضة عليه من الاحتلال الصهيوني، الناجمة عن بروتوكول باريس المنبثق عن اتفاقية أوسلو، الذي كبل الاقتصاد الفلسطيني واخضعه لتبعية الكيان الصهيوني، فهو يعاني من تشوهات هيكلية ناجمة عن طبيعة ارتباطه بالكيان الصهيوني، فقد تراجع القطاع الزراعي، ويعاني الاستثمار من مضايقات تحول دون اقامة صناعات فلسطينية متطورة تنافس الصناعات الإسرائيلية، وارغام القطاع الصناعي الفلسطيني على استخدام الخامات الإسرائيلية أو المستوردة عن طريق المعابر الإسرائيلية. الأمر الذي أدى الى ارتفاع معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية، التي تعتبر الأعلى في المنطقة حيث وصلت نسبتها حوالي 24%. لم يأت العرض الأميركي بدوافع انسانية لمساعدة الفلسطينين بسبب صحوة ضمير، أو مجرد مشروع استثماري لصالح الاحتكارات الأمريكية، بل جزء من مشروع عرف “بالحل الاقتصادي” للقضية الفلسطينية، بابقاء قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، واقامة “دولة” فلسطينية بحدود مؤقتة، لا تتمتع بالسيادة الوطنية على الأرض، مع ابقاء الجدار، واستمرار الهجمة الاستيطانية الشرسة التي ابتلعت 40 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، ويستهدف الحل الاقتصادي توفير الحد الأدنى من احتياجات السكان الاستهلاكية، منعا للاحتقانات وقيام ثورة الجياع على غرار الثورات الشعبية في الوطن العربي، فهي جزء من وصفة البنك الدولي لاحتواء الحركات الاحتجاجية. ما طرحه كيري في المنتدى الاقتصادي العالمي ليس معزولا عما يُجرى في الوطن العربي – سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين- بل هو جزء من مشروع امبريالي – صهيوني يستهدف المنطقة بأكملها ويُجرى تنفيذه على مراحل، بالأمس القريب مورست الضغوطات السياسية والمالية على السلطة الفلسطينية لمنعها من التوجه الى الأمم المتحدة للمطالبة بالاعتراف في الدولة الفلسطينية. أما اليوم يعلن كيري عن رغبة أميركا في انقاذ الاقتصاد الفلسطيني، وحل مشكلة البطالة، وزيادة دخل المواطنين، وعلى مسمع شيمون بيريز الموجود في المنتدى الاقتصادي العالمي، لم يفت كيري تأكيد ان اقتراحه هذا يعتمد على التقدم في عملية السلام بين الفلسطينيين و”إسرائيل”. تحاول أميركا ممارسة سياسة العصا والجزرة. فقد وصف كيري الخطوة الأمريكية واحدة من أسس بناء السلام الدائم “لأن الوقت حان لإرساء نموذج جديد للتنمية… فقد اقحم المنتدى الاقتصادي بقضايا تمس المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني، بتمرير السياسات الاسرائيلية حول اعادة المفاوضات في ظل الاستيطان لجرجرة السلطة الفلسطينية الى مفاوضات عبثية تمهد الطريق لحل في اطار المشروع الامبريالي – الصهيوني واقامة ” الشرق الأوسط الجديد ” بعد اعادة صياغة خارطة المنطقة من جديد وفق المصالح الامبريالية الصهيونية، معتمدة على تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية، التي اشعلتها في الوطن العربي ونشر ثقافة الحقد والكراهية بين أبناء المجتمع. تأتي هذه السياسات في ظل تضاؤل فرص الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية رغم الاتفاق المبدئي بين روسيا وأمريكا على عقد مؤتمر جنيف 2 بتشكيل حكومة انتقالية تخرج البلاد من الصراع العسكري، وتمهد لانتخابات ديمقراطية. فالنتائج العسكرية التي حسمت واحدة من أبرز المعارك بين الحكومة والجيش الحر في القصير، لا تشجع الامريكيين على عقد المؤتمر قبل محاولة احداث تغيير جديد في موازين القوى على الأرض. فالهدف النهائي اخضاع سورية للشروط الأمريكية، وليس انهاء الصراع على طاولة المفاوضات، وانهاء الصراع العربي – الاسرائليي، وتصفية القضية الفلسطينية، والغاء حق العودة.