مع اتساع ظاهرة العنف الجامعي، انبرى عدد غير قليل من المهتمين في التصدي لهذه الظاهرة وابداء الرأي حول أسبابها وكيفية معالجتها، منهم من تفحصها بعين ثاقبة ورؤية شمولية، ومنهم من كانت رؤيته قاصرة، تعاملت معها بذهنية أمنية، وقد جاءت الأحداث المؤسفة لجامعة مؤتة التي ذهب ضحيتها شاب في مقتبل العمر، بعد سلسلة من الحوادث المشابهة لتدق ناقوس الخطر، والمؤسف أن ردود الفعل الأولية أخذت طابعا عرفيا، كالقول إن الجامعة ستشهد خطة أمنية محكمة ومتكاملة سيكون لدائرة الأمن الجامعي استراتيجية جديدة … وأن المشكلة تكمن في هذا السياج المحيط حول الجامعة المتآكل والذي يحتاج الى الصيانة… والخطة تشمل وضع كامرات مراقبة على البوابات وفي الساحات ونقاط تجمع الطلبة ..من دون التفكير بالأسباب الحقيقية، واختيار الوسائل الملائمة لمواجهتها.
وفي هذا السياق قال رئيس اللجنة التي وضعت استراتيجية الحد من العنف الجامعي، أستاذ علم الاجتماع الدكتور موسى شتيوي، إن عددا كبيرا من الجامعات لم يضع الاستراتيجية موضع التنفيذ. والتي تتضمن المحاور الرئيسية للاسترايجية الخاصة بالحد من العنف الجامعي، إلغاء جميع أشكال التمييز وتوفير العدالة والمساواة بين الطلبة، سواء على صعيد القبولات في الجامعات وعمليات تقويم الطلبة، وتطوير آلية واضحة لمنع تفشي ظاهرة الوساطة والمحسوبية، بما يخلق بيئة جامعية معرفية تنويرية، تركز على صقل شخصية الطالب، وتطوير عمل عمادات شؤون الطلبة وزيادة دعم الأنشطة الطلابية ومساعدة الطلبة وأنديتهم، وتعزيز الشفافية والنزاهة في انتخابات مجالس الطلبة.
ومع أهمية الاستخلاصات التي توصلت اليها اللجنة كدراسة مخصصة لشؤون الطلبة ومشاكلهم المباشرة ، فإن الالتزام بهذه المبادئ يسهم بشكل مباشر بالتخفيف من ظاهرة العنف، لكن اتساع هذه الظاهرة يملي علينا التفكير في البعد الاجتماعي خاصة وإن ظاهرة العنف ليست محصورة في الجامعات، فان تدهور الأوضاع المعيشية لغالبية المواطنين عامة وذوي الدخل المحدود خاصة يفسر حالات الاضطراب والاحتقانات التي نلحظها ليس في الجامعات وحدها بل وفي المجتمع عامة، ومع اتساع دائرة الفقر التي أدت إلى زيادة جيوب الفقر من 22 جيبا عام 2006 إلى 36 جيبا عام 2010. وسجلت أعلى نسبة للفقر في محافظة المفرق، وتلتها معان والطفيلة. فالبلاد مرشحة الى مزيد من العنف والمظاهر السلبية، إن لم يجر التصدي للأسباب الحقيقية التي يعاني منها المجتمع، خاصة وأن الأزمة الاقتصادية تتفاعل بشكل متسارع في ظل ارتفاع معدلات التضخم نتيجة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ومعظم السلع الأساسية، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تآكل الأجور الفعلية للعاملين بأجر في القطاعين الحكومي والخاص، حيث تشير أرقام دائرة الإحصاءات العامة لعام 2011 أن حوالي 80 % من العاملين بأجر يتقاضون رواتب دون الـ 400 دينار. علما أن خط الفقر للأسرة المكونة من 6 افراد 400 دينار وفقا للدراسات الرسمية لعام 2010 مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع الأرقام القياسية للأسعار خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة .
كما أن السياسات العامة التي اتبعت خلال العقدين الأخيرين اسهمت في تعميق الهويات الفرعية “الطائفية والاقليمية والجهوية”، وكان لقانون الانتخاب القائم على الصوت الواحد المجزوء الذي صدر عام 94 وما زال ساري المفعول أبلغ الأثر على تفتيت النسيج الاجتماعي وتعميق العصبيات القبلية في المجتمع الأردني، كما مارست الحكومات المتعاقبة سياسات عرفية لحرمان الطلبة من أبسط حقوقهم في التنظيم الطلابي، ولم تتورع في معاقبة نشطاء الطلبة وزجهم بالسجون لا لشيء فقط لنشاطهم الطلابي وتمتعهم بثقة زملائهم في الانتخابات الطلابية في الجامعات الأردنية، وما زال المجتمع الأردني يذكر بألم المجزرة التي ارتكبت في جامعة اليرموك عام 86 وذهب ضحيتها عدد من الطلبة. ومن المعروف أن ظاهرة العنف في الجامعات الأردنية لم تكن موجودة قبل ممارسة سياسة ” تطهير الجامعات” من النشاطات الطلابية والوطنية مثل احياء بعض المناسبات الوطنية. إن هذه السياسات أوصلت الجامعات الأردنية الى حالة من الخواء السياسي، وأدخلت هذا القطاع الحيوي في المجتمع الأردني في تناقضات وصراعات مدمرة.
أرشيف التصنيف: أرشيف 2013
مشروع قانون ضريبة الدخل
قبل ابداء الرأي في التعديلات المطروحة على قانون ضريبة الدخل، لا بد من الاشارة الى أن هذه التعديلات يفترض أن تكون جزءا من حزمة اجراءات في مواجهة عجز الموازنة، صحيح أن تعديل قانون ضريبة الدخل يعتبر مطلبا وطنيا، بهدف اعادة توزيع الدخل وتحقيق العدالة الاجتماعية وزيادة ايرادات الخزينة، الا أن ارتباطه بخطوات حكومية تتعلق برفع أسعار المياه والكهرباء بعد اجراءات الرفع المتلاحقة لأسعار المشتقات النفطية، سوف يترك آثارا سلبية على الاقتصاد الوطني عامة، وعلى الغالبية العظمى من المواطنين خاصة. صحيح أن الدولة معنية بتوفير المال لتخفيض عجز الموازنة، لكن ذلك لن يتحقق من خلال الجباية، فزيادة الأعباء على المواطنين اجراء انكماشي يسهم في استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي ويفاقم الأزمة.
لذلك ينبغي أن تقلع الحكومة عن فكرة رفع أسعار الكهرباء عامة وعن الصناعة خاصة من حيث المبدأ حتى لا تتسبب بكارثة اقتصادية، سيكون لها آثار اجتماعية خطيرة، ومن باب التذكير فان القطاع الصناعي يوظف 239 ألف عامل وعاملة، ويتعرض لمنافسة حادة من قبل دول عربية وآسيوية خاصة في ظل تحرير أسواق التجارة. علما أن هناك بدائل أمام الحكومة، أولا العمل على تخفيض تكلفة الكهرباء، فهناك تأكيدات من قبل ذوي الاختصاص بأن قطاع الكهرباء يعاني من تراجع كفاءته في التصنيع والتزويد، ما يرفع تكلفة الانتاج، عدا عن ضرورة العمل على تنويع مصادر الطاقة، وهي متاحة محليا سواء من خلال الطاقة البديلة أو بواسطة الصخر الزيتي. أما الجانب الثاني الذي يجب تحقيقه الى جانب الاصلاح الضريبي التفكير الجدي بتخفيض النفقات العامة للدولة، ولن أدخل بتفاصيل التخفيضات، فالمقال لا يحتمل وقد تناولت هذه التخفيضات في مقالات سابقة اضافة الى مكافحة الفساد.
عودة الى مشروع قانون ضريبة الدخل الذي قدمته الحكومة الأسبوع الماضي يمكن ملاحظة ما يلي: هناك تعديلات جوهرية أبرزها اعتماد مبدأ الضريبة التصاعدية ورفع سقف الضريبة الى 40% على الدخل الذي يزيد على مليوني دينار لقطاعات البنوك والشركات المالية والصرافة والتأجير التمويلي. أما شركات الاتصالات والتأمين والتعدين والوساطة المالية فقد طرح المشروع لأعلى سلم الضريبة التصاعدية الى 40% للدخل الذي يزيد على مليون دينار، والمجموعة الثالثة، الأشخاص الاعتباريين والمقصود هنا الشركات التجارية والصناعية المختلفة وغير الواردة في المجموعتين الأولى والثانية، ويصل السلم الضريبي لهذه القطاعات الى 25% بعد الدخل الذي يزيد عن 500 الف دينار. أما الشخص الطبيعي فقد خفض المشروع الاعفاءات عن الأفراد من 12 ألفا الى 9 آلاف والأسرة من 24 الفا الى 18 ألفا، مع فرض ضريبة تصاعدية تبدأ بـ 5% وتصل الى 30% على الدخل الذي يزيد على 50 الف دينار.
الملاحظ أن المشروع أبقى على النص نفسه الذي ورد في القانون المؤقت رقم 28 لعام 2009 والذي تضمن مساواة القطاع الصناعي بالقطاع التجاري، الأمر الذي يحرم القطاع الصناعي ميزة وجود سياسة ضريبية تفضيلية للقطاع الصناعي، فالاصلاح الضريبي يعتمد على مبدأ الضريبة التصاعدية على الشركات والأفراد، والمشروع قدم خطوة مهمة في هذا الاتجاه بما يكفل زيادة إيرادات الخزينة، وتحقيق العدالة الاجتماعية. اضافة الى استخدام السياسة الضريبية كأداة لتحفيز الاستثمار في القطاعات المنتجة والمشغلة للعمالة المحلية. وهذا لم يتحقق في المشروع المقدم ، لذلك أعتقد أنه من الضروري تخفيض نسبة الضريبة على القطاع الصناعي.
أما القطاعات التي ما زال المشروع عاجزا عن الوصول اليها، القطاعات الطفيلية، فقد حان الوقت للوصول الى المضاربات المالية والعقارية، بفرض ضريبة على أرباح المتعاملين في البورصة والعقارات، والمتاجرة في القطاعات التي تحقق أرباحا خيالية أسوة بالمستثمرين في القطاعات الأخرى في البلاد، حيث يمكن توفير آلية مناسبة لتحديد صافي الربح والخسارة للمتعاملين من خلال المؤسسات المعنية. وان سياسة ضريبية من هذا النوع تحفز المستثمرين الانتقال من القطاعات الطفيلية الى القطاعات الانتاجية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جزءا مهما من أرباح هذه القطاعات تتحول الى خارج البلاد.
أما النقطة الأخيرة فان الاصلاح الضريبي يجب أن يشمل ضريبة المبيعات باعادة هيكلتها وتخفيضها الى نقطة الصفر على الغذاء والدواء ورفعها على سلع الرفاهية. وسحب صلاحية الحكومة بتحديد نسبة الضريبة الخاصة لأنها تشكل مخالفة دستورية، تصل أحيانا الى نسب مرتفعة كالمشتقات النفطية على سبيل المثال، وحصر أي تعديل بالمؤسسة التشريعية .
الكمبرادور
عكس الآراء والأفكار السياسية والفلسفية والثقافية والأدبية والجمالية، تناقضات المجتمع الطبقي في الدولة. منها ما يسعى للدفاع عن المستغلين، وابقاء القديم على قدمه، ومنها ما يسعى الى إحداث التغيير والتجديد. والدفاع عن المضطهدين والمقهورين. فالعلاقة جدلية بين البناء التحتي والبناء الفوقي، فالقوانين والأنظمة في الدولة الرأسمالية تخدم مصالح الطبقة السائدة في المجتمع، التي تسعى لتسخير وتجنيد المؤسسات الإعلامية والثقافية للدفاع عن مصالحها، ويجرى توريط بعض رجال الدين بهذه المهمة، وفي العصور الوسطى استخدمت الكنيسة دفاعا عن سلطة الاقطاع. فالبناء الفوقي كما هو معروف نتاج للبناء التحتي، “البنى الاقتصادية”. وكما تولد الطبقة الجديدة في احشاء التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية القديمة، تولد الأفكار والآراء التي تتبنى مصالح المستضعفين في الدولة.
سياسة رفع الأسعار
|
أثار قرار الحكومة ” المستقيلة ” برفع أسعار المشتقات النفطية حالة استياء واسعة في المجتمع الأردني، رغم طلب 96 نائبا بالتراجع عن القرار، الا أن الحكومة ماضية بسياستها في تحميل المواطنين أعباء الأزمة المالية الناجمة عن سوء ادارة الحكومات المتعاقبة، وحاولت أوساط نافذة افشال جلسة مجلس النواب الخاصة في بحث رفع الأسعار، بتهريب النصاب كما أعلن بعض النواب صراحة، وذلك خشية احراج الحكومة والنواب الذين يطالبون بترشيح د. عبدالله النسور لرئاسة الحكومة، في الوقت الذي يواصل سياسة رفع الأسعار وافقار المواطنين دون البحث عن حلول جذرية في معالجة الأزمة المالية التي تواجه البلاد، بعيدا عن جيوب الفقراء، ومع ذلك نجح فريق الحكومة بتفجير الجلسة وبأسلوب مخجل .. شوهد على شاشات المحطات المحلية والعالمية ما يعكس صورة سيئة عن عمل مجلس النواب في أولى جلساته.
ورغم الميل العام نحو انخفاض أسعار النفط عالميا، حيث واصلت الأسعار انخفاضها منذ حوالي ثلاثة أسابيع ووصل سعر برميل النفط حوالي 90 دولار، الا أن الحكومة المستقيلة… “حكومة تسيير الأعمال” تواصل سياساتها الانكماشية بتحميل المواطنين أعباء الأزمة المالية، وتعرض الأمن الاجتماعي الى أخطار حقيقية، خاصة وأنها تتأهب لرفع أسعار الماء والكهرباء، مع تلميحات برفع أسعار الخبز. وقد حاول وزير الطاقة في لقائه مع “تلفزيون رؤية” توضيح موقف الحكومة من رفع الأسعار. لكن أبسط ما يمكن وصف اللقاء بأنه غير موفق، ففي سياق رده على مداخلة الزميل د. خالد الوزني، حاول التشكيك بقرار الحكومة حول تعويم الأسعار الصادر عام 2008 حين قال ” السعر كان لا يعكس تماما ..” ثم يعلن عن عدم وجود ” صندوق تحوط ” ..! أما الاستشهاد بنسبة الضرائب التي تدفع في السويد .. فهي الأكثر غرابة، فالسويد ومعظم الدول الأوروبية تفرض ضرائب تصاعدية على الدخل والأرباح التي تتراوح نسبتها ما بين 40-62% أي سياسة ” اعادة توزيع الدخل” لتوفير التعليم والتأمين الصحي والخدمات العامة لدافعي الضرائب. بالمقابل ألغت الحكومة الأردنية ضريبة الدخل التصاعدية عام 1996 وخفضت سقف الضريبة على القطاع المالي والمصرفي من 55% الى 30%، وحملت المواطنين عامة ضريبة مبيعات وضريبة خاصة ..! ثم يسهب الوزير بشرح أنواع الضرائب وقوانينها، التي تفرضها الحكومة على المحروقات. ويتحدث الوزير عن أهمية الدعم النقدي..! الذي التهمته معدلات التضخم التي عمقت الفجوة بين الأجور والأسعار. كما لا بد من التنويه أن معظم الضرائب المفروضة على المواطنين غير دستورية، كونها مخالفة للمادة 111 من الدستور الأردني التي تنص على أن تكون الضريبة تصاعدية، وتراعي قدرة المكلف على الدفع. اضافة الى ذلك أن الضريبة الرئيسية ” الضريبة الخاصة ” 20% صدرت بقانون مؤقت وتسللت الى جيوب المواطنين من دون علمهم، أما ضريبة المبيعات ونسبتها 16% فقد جاءت بقرار حكومي بشمول بعض المنتجات النفطية في ضريبة المبيعات وهو قرار غير دستوري أيضا. اضافة الى رسوم البلديات والطوابع والتي تصل مجموعها الى حوالي 48%. رغم نفي الوزير الا أن الحكومة أعلنت عن وجود صندوق التحوط بسبب انخفاض النفط عالميا من دون أن تترك آثارا على الأسعار المحلية، وقد تبخر صندوق التحوط ولم نعد نسمع به..! ليس هذا فحسب بل ينفي معالي الوزير وجوده..! ، كما فوجىء المواطن الأردني بوجود ضريبة على المحروقات في حزيران عام 2010 عندما قررت الحكومة زيادة نسبتها بعد انفضح أمرها بسبب عدم انخفاض أسعار المحروقات محليا مقارنة مع الأسعار العالمية. فقد صدر بيان يوضح نسبة زيادة الضريبة على البنزين (أوكتان 95 من 6% الى 24% وبنزين أوكتان 90 من 6% الى 18% ) وما زال قانون الضريبة الخاصة قانونا مؤقتا لم يجر اقراره لغاية الآن رغم مرور عدة سنوات على صدوره..! أما حقيقة أسعار المحروقات وتحريرها فقد أعلنت الحكومة تحرير أسعار المشتقات النفطية يوم 8 شباط 2008 وأصبح لتر البنزين أوكتان 95 (660) فلسا في حينه وبنزين أوكتان 90 (575) فلسا والديزل (550) فلسا، علما أن سعر برميل النفط كان حوالي 100 دولار. لنترك للقارئ تقدير نسبة الأرباح التي تجنيها الحكومة من أسعار المحروقات. أما قضية الأزمة المالية التي تواجه الحكومة فهي تحتاج ارادة سياسية لاتخاذ اجراءات اقتصادية جذرية، بمكافحة الفساد، وضبط الانفاق، واعادة هيكلة الموازنة بتوجيه الانفاق العام وفق أولويات حاجة المواطنين، في توفير فرص العمل والتعليم والصحة ، والتوجه نحو الاستثمار المولد للدخل، والتخلي عن النفقات الاستهلاكية. |
||
مؤيد العتيلي
|
صمت هاتفك ولم أعد أسمع صوتك المجلجل.. لم أعد أسمع عبارتك الشهيرة: أين أنت يا رجل.. نعم تأخرت عليك.. اعذرني يا رفيقي.. لم احتمل، أكاد ألا أصدق أنك رحلت بعد مسيرة مليئة بالعطاء.. ذات يوم ومنذ أربعة عقود .. جاءني صديق عزيز، متلهف للتعبير عن مشاعره تجاه شاب مثقف.. مهذب.. دمث الأخلاق، مستدركا.. هل تعرفه.. اسمه مؤيد، قلت لا لم أتشرف بمعرفته بعد، رغم أنني متشوق لرؤيته فقد سبق وحدثني عنه أحد الأصدقاء، الا أن خصوصية العمل السري قد لا تسمح لي بذلك، فهو في القطاع الطلابي للحزب الشيوعي، وأعتقد أنه من طلاب الجامعة الأردنية .. صحيح ولكن لن أفوت عليك هذه الفرصة، سأتولى هذه المهمة اليوم، وسأفسد عليك انضباطك الحزبي.. ذهبت بمعية رفيقي المرحوم المناضل محمد الشقارين، كان ذلك في أوائل سبعينات القرن الماضي .. كانت تربطني علاقة حميمة بالشقارين، أمضينا أهم مرحلة في حياتنا بالنضال ضد الاحتلال الصهيوني تحت مظلة قوات الانصار .. حملت تلك الأيام ذكريات شخصية وانسانية ووطنية .. نتسامر ونتناول أطراف الحديث حول مختلف القضايا، بدءا من حياة الناس البسطاء في القرية والمدينة مرورا بالقضايا الثقافية والفكرية، وانتهاء بردود الافعال الساخنة لموافقة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على مبادرة روجرز.. أو المشاركة في فك اشتباك بين مؤيد ومعارض من فصائل المقاومة في منطقة لا تبعد بضعة كيلومترات عن مواقع العدو الصهيوني.. وتحت قصف المدافع الاسرائيلية أحيانا. كان لقاءا حميميا رغم أنه الأول، توطدت العلاقات لاحقا مع صديق العمر ورفيقي مؤيد، عملنا سويا في خدمة الطبقة العاملة والحركة النقابية، وتناوبنا على رئاسة جلسات المؤتمر التأسيسي للحزب الديمقراطي الاشتراكي المنعقد في تشرين الثاني 1992، وأوكل لنا صياغة برنامج الحزب وواصلنا العمل في صفوف الحركة الوطنية من مختلف المواقع المتاحة. تولى مؤيد رئاسة تحرير جريدة الحزب ” الفجر الجديد” وسامي الزبيدي وفهد الخيطان أعضاء في هيئة التحرير، عملت على ارساء مبادىء الحرية والديمقراطية، وهي من أولى التجارب في مجال التعددية السياسية في اطار الحزب الواحد. شاءت الأقدار أن يغادرنا سامي ومؤيد في أسبوع واحد وبالطريقة نفسها، خلال أسبوع اختطف الموت صديقين عزيزين. كان سامي يكتب تحت اسم الهندي الأحمر، وكان خياله خصبا.. متجاوزا الخطوط التي رسمها الحزبيون بعباراتها وديباجاتها ومنطوقها الثوري المركزي، كانت تجربة جديدة حملت اجتهادات أصاب بعضها واخطأ بعضها الآخر.
توطدت علاقاتنا الى أن أصبحت من أسمى العلاقات الانسانية والنضالية، ليس على الصعيد الشخصي فحسب، بل والعائلي ايضا، فقد أسهمت مصاهرة الشقارين لمؤيد، بتوطيد العلاقات وتعميقها فيما بيننا. اتقن مؤيد فنون النضال مستفيدا من كفاءته ومواهبه المتنوعة.. مؤيد الكاتب والشاعر والنقابي والسياسي وقبل كل ذلك الانسان، فقد انخرط في صفوف النضال مبكرا من خلال عضويته في اتحاد الطلبة وانتمائه للحزب الشيوعي، في أوائل سبعينات القرن الماضي، وكان له دور تعبوي مؤثر في صفوف الحركة النقابية من خلال نشاطه في نقابة المصارف، حين كان موظفا في القطاع المصرفي، وتبوأ موقعا قياديا في نقابة العاملين في المصارف والتأمين والمحاسبة، وأصبح رئيسا للنقابة. كان موضع احترام وتقدير، لكل من تعرف عليه، كان يتمتع بصفات مميزة. متواضع .. ودود .. شهم .. مرهف الاحساس ومتدفق الحماس دفاعا عن القضايا العادلة.. متميزا باسلوبة .. اللعنة صمت هاتفك .. ولم أعد أسمع صوتك. لم يجلس مؤيد المثقف والشاعر والكاتب والروائي في برج عاجي.. لم تنحصر علاقاته بالنخب رغم ابداعه وعطاءه النوعي، فهو مع العمال عاملا ونقابيا، ومثقفا ثوريا، غادرنا مؤيد مبكرا وهو في ذروة عطاءه، كان نائبا لرئيس رابطة الكتاب الذي واكب نشاطاتها منذ تأسيسها. كان حراكيا ومناضلا مع ابناء شعبه من أجل الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية، ومن أجل تحقيق اصلاح شامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، رافضا تحميل الشعب اعباء الازمة المالية والاقتصادية، كان مؤمنا حتى العظم بالدفاع عن قضايا الطبقة العاملة، والفقراء عامة وتحقيق العدالة الاجتماعية. كان مؤيد ملتصقا بقضايا شعبه وأمته، ناضل في صفوف الحركة الوطنية من أجل أردن وطني ديمقراطي،مؤمنا بحتمية الانتصار وتحرير الأرض والانسان، وطرد الغزاة الصهاينة، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس، وحق العودة. والتحرر من التخلف والتبعية، والنهوض بالامة تحت رايات الحرية والديمقراطية والوحدة. كان في وداع مؤيد جمهور واسع من مختلف ألوان الطيف السياسي. المجد والخلود لفقيدنا الغالي، وخالص العزاء لأسرتك واصدقائك. |
||
الدعوة للحوار
هل كانت سورية بحاجة الى عامين من القتال وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتشريد مئات الآلاف من المدنيين، حتى يدرك أطراف الصراع أن لا مخرج للأزمة سوى الحوار، هل فشل أمراء الحرب بتحقيق انتصار عسكري حاسم بعد استنزاف طاقات الشعب السوري في قتال عنيف طال مختلف المحافظات السورية، ودمر البنية التحتية للدولة وشل الاقتصاد الوطني، لقد كشفت وحدة المعلومات التابعة لمؤسسة الإيكونومست البريطانية أن الاقتصاد السوري انكمش بمقدار 18.8% في العام الماضي، بينما ارتفع معدل التضخم بنسبة 37% ووصل عجز الموازنة إلى 14.75% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وقدرت خسارة البنية التحتية بحوالي 11 مليار دولار، ومن المعروف أن الليرة السورية فقدت نصف قيمتها منذ بدء الأزمة. من أوصل سورية الى ما هي عليه الآن؟ ” حكومة ومعارضة ” ينادون اليوم بالحوار بعد أن أنهكت قواهم وفقدوا الأمل بتحقيق انتصار حاسم، وبعد أن دمروا البلاد وشردوا العباد، وفتحوا الأبواب على مصاريعها لدخول المسلحين المتطرفين من أنحاء العالم، وخلق بيئة ملائمة لنشوء الحركات المتطرفة، مستغلين عدم تحقيق اصلاحات مبكرة تؤدي الى تداول سلمي للسلطة؛ إن من حق الشعب السوري التمتع بالحرية والديمقراطية والتعددية السياسة.
وللمرة الأولى يحمٌل المجتمع الدولي طرفي النزاع في سورية مسؤوليةَ الانتهاكات، ويحمِّل من أسماهم بالمرتزقة والدول الداعمة لهم، مسؤولية اشتداد النزاع وتحويلِه الى حرب أهلية وطائفية. ويقول التقرير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية إن جبهة النُصرة هي التي تحصل على الدعم المالي الكبير، إضافة الى مجموعة سلفية أخرى تجذب أكثر العناصر تطرُّفاً، بحسب وصف التقرير الدولي. الا تكفي هذه المعلومات الخطيرة لوضع حد لما يجري في سورية. ان الاستنتاجات التي وصلت اليها اللجنة الدولية تؤدي من جديد وللقاصي والداني ان لا خيار امام السوريين سوى الحوار، والجلوس على طاولة المفاوضات لسد منابع الارهاب، وللوصول الى حكومة انتقالية تعيد الاستقرار الى البلاد وتمهد لانتخابات ديمقراطية تفسح المجال امام الشعب السوري باختيار قيادته عبر صناديق الاقتراع.
كان واضحا منذ البداية أن لا حسم عسكري، ولا تكرار للتجربة الليبية في سورية لاعتبارات عديدة أبرزها، أن حربا أطلسيىة خاطفة لاحتلال سورية لن يكتب لها النجاح، الأمر الذى جعل الموقف الأميركي والأوروبي مترددا، رغم بالونات الاختبار التي أطلقها الحلف الأطلسي من خلال المناورات الاميركية في المنطقة ونشر صواربخ الباتريوت على الحدود السورية التركية. فقد كشفت نتائج الحرب القذرة التي خاضها الحلف الأطلسي في ليبيا أن الهدف الأساسي ليس مساعدة الشعب الليبي في الحرية والديمقراطية، بل للاستيلاء على منابع النفط في ليبيا، وتوسيع نفوذ الاحتكارات الراسمالية لتمتد الى السوق الليبي، بدليل أن ليبيا ما زالت تعيش حالة انفلات أمني، وأن المليشيات المسلحة تسيطر على الشارع، على الرغم من مرور عام على سقوط نظام القذافي .
كما أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها النظام الرأسمالي لن تمكنه من الدخول في حرب طويلة لن تقتصر على سورية فحسب، فمن المتوقع أن تتحول الى حرب اقليمية باهظة الثمن، ودون الحصول على غنائم نفطية كما هو الحال في ليبيا، كما لن تغامر الادارة الأميركية بارسال جنودها الى أتون حرب لن يعرف متى وكيف تنتهي، خاصة بعد الدروس القاسية التي تلقتها في العراق وأفغانستان، اضافة الى كل ذلك لا يمكن اغفال اتساع دور الاتجاهات الأصولية المتطرفة في ساحات القتال باعتراف الأمم المتحدة، والذي يتنافى مع ادعائها بمحاربة الارهاب، مما دفع الادارة الاميركية وشركائها في حلف الاطلسي بالتراجع عن التصريحات الساخنة والتهديدات المتكررة واطلاق الوعود باقتراب سقوط النظام السوري .
لذلك دفعت الدول الاستعمارية نحو خيار آخر، قائم على استنزاف طاقات الشعب السوري، وتدمير مؤسساته الوطنية التي بناها عبر مئات السنين، وتعريض الدولة للانهيار، وفرض شروط المنتصر باقامة “الشرق الأوسط الجديد”، الحلم الاميركي- الصهيوني، الذي أفشلته المقاومة اللبنانية الباسلة اثناء العدوان الصهيوني على لبنان عام 2006، والذي يطل برأسه من جديد، لم تخف كوندليزا رايس وقاحتها حين أعلنت أنها مددت لـ “اسرائيل” أسبوعا آخر لمواصلة الحرب الوحشية على لبنان لاعتقادها أن المنطقة مقبلة نحو المشروع الامبريالي باقامة الشرق الأوسط الجديد، بعد ادخال المنطقة بحروب أهلية تؤدي الى شرذمة الوطن العربي الى كنتونات أثنية وطائفية وإقليمية. تفضي الى تصفية القضية الفلسطينية بصفقة مذلة يتم فرضها تحت الحراب الصهيونية، والاستيلاء على منابع النفط .
قراءة في موازنة 2013
|
بداية لا بد من الإشارة الى أن الحكومة استغلت الثغرة الواردة في التعديلات الدستورية الأخيرة التي سمحت للحكومة بإصدار قانون مؤقت للنفقات الطارئة، فأعطت نفسها الحق بالاعتداء على صلاحيات المؤسسة التشريعية بإصدار قانون موازنة مؤقت. وان كنت لا أعول كثيرا على احداث تغيرات جوهرية في السياسات المالية والاقتصادية في البلاد في ظل النهج السائد، ما لم تتحقق اصلاحات سياسية تمهد لإصلاحات مالية واقتصادية واجتماعية. ولدى مراجعة موازنة الدولة من المفيد التعرف على مصادر ايرادات الخزينة وأبواب إنفاقها، فهي تعكس مستوى تطور اقتصاد الدولة ان كان اقتصادا منتجا ام لا ..؟ كما تعكس مقدار مساهمة الفئات الاجتماعية المختلفة في ايرادات خزينة الدولة، وتكشف أرقام الإيرادات المحلية أن أهم مصادرها، الايرادات الضريبية غير المباشرة مثل الضريبة العامة على المبيعات والرسوم الجمركية، التي تقتطع من نفقات غذاء ودواء وكساء المواطنين عامة.
بلغت الايرادات المحلية لموازنة الحكومة المركزية 5296 مليون دينار وتشكل الايرادات الضريبية 3770 مليون دينار، منها 765 مليون دينار ايرادات الضريبة على الدخل والأرباح منها 613 مليون دينار من الشركات المساهمة و71 مليون دينار من الأفراد و81 مليون دينار من الموظفين. أما باقي الايرادات الضريبية فهي موزعة بين الضريبة العامة على المبيعات والرسوم الجمركية، وتشكل الايرادات الضريبية حوالي 71%، من اجمالي الايرادات المحلية. أما الايرادات غير الضريبية البالغة 1526 مليون دينار موزعة على الشكل التالي 24 مليون دينار عائدات تقاعد و340 مليون دينار ايرادات دخل الملكية، و47 مليون دينار الغرامات والجزاءات المصادرة، و 308 مليون دينار ايرادات أخرى و807 مليون دينار بيع السلع والخدمات. وبالتدقيق في البند الأخير الوارد تحت بند بيع السلع يتبين انه ايرادات ضريبية بمسميات متعددة منها 190 مليون دينار طوابع واردات على مختلف العقود والمعاملات المختلفة، و240 مليون دينار رسوم تسجيل الأراضي، والباقي عبارة عن رسوم محاكم ورسوم تلفزيون ورخص سوق ومركبات. واذا أضيفت قيمة الرسوم على الضرائب ترتفع نسبة الايرادات الضريبية الى حوالي 86% من اجمالي الإيرادات المحلية. ويدخل تحت باب الإيرادات الاخرى 90 مليون دينار ايرادات التعدين، وقد ارتفعت نسبة ايرادات التعدين خلال العامين الاخيرين أكثر من 70%، وقد وجهت انتقادات واسعة من قبل مختلف الاوساط السياسية والحراكات الشعبية لتدني ايرادات التعدين بعد فرض سياسة التخاصية، و 25 مليون دينار بدل خدمات المراكز الجمركية و 40 مليون دينار بدل خدمات المرور على الطرق، و40 مليون دينار اقساط مستردة. أما إيرادات دخل الملكية فهي من مصادر عدة أبرزها: 80 مليون دينار عوائد المساهمات الحكومية و25 مليون دينار من صندوق التشغيل و 15 مليون دينار من صندوق البحث العلمي، و6 مليون دينار من وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية التي أنفقت الدولة عليها مليارات … وتوقفت عن مساهمة تمويل الخزينة من الضرائب واقتصر مساهمتها على 6 مليون دينار، اما باقي مصادر هذا الباب فهي موزعة … من أبرز المظاهر السلبية للاقتصاد الوطني خلال العقدين الخيرين، تراجع الايرادات المحلية غير الضريبية، فقد شكلت الإيرادات غير الضريبية حوالي 50% من مجمل الإيرادات المحلية عام1991، وانخفضت هذه النسبة لتصبح حوالي 29%. وذلك بسبب تراجع عائدات الملكية الناجمة عن سياسة التخاصية، وزيادة العبء الضريبي من جهة اخرى. على الرغم من تخفيض نسبة مساهمة كبار الرأسماليين في الإيرادات الضريبية، فقد انخفضت نسبة مساهمة القطاع المصرفي من 50% إلى 30% وكذلك كبار التجار وقطاعات التأمين وغيرها بنسب مختلفة، وبالمقابل ارتفعت نسبة مساهمة الطبقة الوسطى وأصحاب الدخل المتدني بشكل ملموس وذلك من خلال فرض ضريبة المبيعات بنسبة 16% على معظم السلع الأساسية، وهذا يفسر زيادة تكلفة الاحتياجات الأساسية وانهيار القيمة الشرائية للرواتب والأجور، نتيجة زيادة العبء الضريبي على الغالبية العظمى من المواطنين. |
||
المرتكزات الأساسية للموازنة
تنطلق المرتكزات الأساسية للموازنة العامة للدولة من الالتزام في ” البرنامج الوطني للاصلاح ” بداية نتساءل هل يوجد برنامج وطني للاصلاح ..؟ أم هناك مجموعة من الاجراءات أملتها الاتفاقية الموقعة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بحوالي 2 مليار دولار على ثلاث سنوات، والتي أصبحت اشتراطات على الحكومة للالتزام بها، وأهمها رفع الدعم عن الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات والسلع. وتشير المرتكزات إلى أن الأولوية في المرحلة الحالية تحقيق الاستدامة المالية من خلال تخفيض العجز المالي والمديونية العامة والوصول بهما الى مستويات آمنة، وبما يكفل تدعيم أركان الاستقرار الاقتصادي وتحسين موقع الأردن على الخارطة الاستثمارية العالمية، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، والاعتماد بصورة أكبر على ايراداتنا المحلية في تغطية نفقاتنا الجارية. لن نقف طويلا عند موضوعة من وراء هذه السياسات الاقتصادية، المهم ما هو أثر هذه الاجراءات على الاقتصاد الوطني عامة وعلى قدرته التنافسية، وما هو الأثر الاجتماعي لهذه السياسات وكيف تترجم على أرض الواقع، وما هي الكلف الحقيقية لها، ومن هي الفئات الاجتماعية التي تدفع ثمن هذه الاجراءات، وهل أخذت الموازنة العامة للدولة هذه المرتكزات فعلا بعين الاعتبار.
لنرى كيف تعاملت موازنة الدولة مع المرتكزات الأساسية وما هي الخطوات الملموسة في مجال تخفيض العجز والمديونية وهل تمكنت من تحقيق هذا الهدف. بلغت الايرادات المحلية في موازنة الدولة ـ الحكومة المركزية والمؤسسات الحكومية ـ حوالي (5,715) مليار دينار بينما بلغت قيمة النفقات العامة حوالي (9,336) مليار دينار بعجز قدره حوالي (3,621) مليار دينار وقد شكلت الايرادات المحلية حوالي 61% من اجمالي الانفاق العام، وهي نفس النسبة التي ظهرت في العامين الأخيرين 2011 و 2012 وبالتالي لم تظهر الأرقام أي تخفيض بنسبة عجز الموازنة أو أي تحسن في تغطية الايرادات المحلية للنفقات العامة، كما ورد في المرتكزات الأساسية للموازنة، وأن الحديث عن تخفيض المديونية ليس الا عبارات تستخدم في غير مكانها، فقد وصلت المديونية المحلية حوالي 17.7 مليار دينار حتى نهاية عام 2012. ومن المتوقع أن تتجاوز الـ 20 مليار دينار مع نهاية العام الحالي بعد تغطية العجز المتوقع في الموازنة وبعد تحقيق الهبات، ومع ذلك ليس المشكلة بارتفاع المديونية فحسب بل وبتوفير مصادر لاقراض الخزينة، فالسوق المحلي يفتقر للسيولة بعد تجاوز الدين الحكومي المحلي اكثر من 12 مليار دينار، اما القروض الخارجية فلم تعد متاحة بسهولة، وان توفرت فهي بشروط سياسية واقتصادية قاسية.
ومن المفيد الاشارة الى أن وجود موازنتين للدولة الأردنية الأولى للحكومة المركزية والثانية للموسسات الحكومية يخفي حقيقة الوضع المالي ونسبة العجز الحقيقي، فالحكومة تعلن عن عجز نسبته 8.9% وبذلك تتجاهل عجز المؤسسات الحكومية التي تعاني من عجز مرتفع وتغطي عجزها بقروض مكفولة من الحكومة، وبذلك يتبين ان العجز الحقيقي لموازنة الدولة الموحدة حوالي 15% من الناتج المحلي الاجمالي وهي نسبة مرتفعة جدا.
والغريب أن وزير المالية وصف الوضع الاقتصادي في المملكة بـ” المريح والمطمئن”، وعلى الرغم من تناقض تصريحات الوزير مع تصريحات الرئيس الا أننا لم نلاحظ أية معطيات جديدة تبعث روح الاطمئنان، وكنا نتمنى أن يؤشر معاليه الى الخطوات الاصلاحية الواسعة التي قطعها الاقتصاد الاردني كما أورد في تصريحاته. اضافة الى تأكيداته على تقليص العجز من خلال التركيز على جانبي الموازنة عبر زيادة الايرادات وتخفيض النفقات. وبالتدقيق بنمو الايرادات والنفقات في موازنة 2013 تقديرية نلاحظ ان النفقات المقدرة ازدادت بقيمة 470 مليون دينار، بينما الايرادات المحلية المتوقعة ازدادت بقيمة اقل وبحوالي 450 مليون دينار، ومن التجربة الملموسة درجت العادة على تراجع الايرادات المقدرة في نهاية العام وزيادة النفقات المقدرة لعدم التزام الحكومة بقانون الموازنة واصدار ملحق اوكثر لتغطية نفقات اضافية.
واخشى أن لا يتحقق أي تقدم في الأهداف المعلنة في المرتكزات الأساسية للموازنة سوى ما يتعلق بالغاء الدعم ورفع أسعار الماء والكهرباء والتي ستؤدي لارتفاع اسعار كافة السلع والخدمات الاساسية، فإن اقتطاع جزء من رواتب العمال والموظفين في الجهازين المدني والعسكري بسبب رفع الاسعار يفضي بالتأكيد الى افقار المواطنين، والى اضعاف الطلب الكلي امام العرض، ويسهم بشكل ملحوظ في تراجع النمو الاقتصادي، فلم نشهد أي مظهر ملموس من مظاهر الاصلاح الاقتصادي وأن تحسين موقع الأردن الاستثماري يقتضي اجراءات محددة تسهم بتحفيز الاقتصاد الوطني وليس باجراءات انكماشية .
ما أشبه اليوم بالبارحة
كشفت نتائج الانتخابات النيابية صحة التحليلات التي تبنتها أوساط سياسية وشعبية واسعة من أحزاب وحراكات شبابية وشخصيات وطنية وكتاب وهيئات اجتماعية، وفي مقدمتهم الجبهة الوطنية للاصلاح، التي خلصت برفض المشاركة في الانتخابات النيابية ضمن المعطيات غير المواتية، والتي تفتقر للحدود الدنيا من متطلبات بناء منظومة ديمقراطية، فالإصرار على فرض قانون الصوت الواحد الذي رفض شعبيا، وتم احياؤه بعد أن تخلت عنه معظم الأوساط الرسمية، يعكس رغبة السلطة التنفيذية بتزوير ارادة الشعب، فمن يفرض قانونا اقصائيا عنوة لن يتورع في التزوير في مختلف مراحل الاجراءات المتعلقة في الانتخابات، بدءا من التسجيل وانتهاء بالفرز كما جرى جهارا نهارا تحت سمع وبصر الجميع .
فالخروقات التي شهدتها الانتخابات وما أسفرت من نتائج بوصول مجلس لا يختلف عن المجالس السابقة ان لم نقل أسوأ، يعتبر فضيحة كبرى في حياة البلاد، وهو يعتبر تتويجا للنهج السياسي الذي ابتدأ علم 93 بصدور قانون الصوت الواحد والذي أدى الى تهميش الحياة الحزبية في البلاد، وتأجيج العصبيات القبلية والجهوي، وأنعش الفساد المالي الذي أصبح سيد الموقف، ورغم ملاحقة عدد محدود من المتهمين في قضايا المال السياسي الأسود الا أن ذلك لم يكف أيدي الفاسدين ولم يحول دون الاعلان عن فوزهم في المجلس السابع عشر، بسبب نفوذهم وسطوتهم التي لا حدود لها، لقد نجح الفاسدون بفضل قانون الصوت الواحد في نشر ثقافة الفساد وافساد بعض المواطنين وادخال ثقافة غريبة عن المجتمع الأردني بتوريط بعض المواطنين مستغلين ظروفهم المعيشية البائسة.
لكن السؤال المطروح ما هي الحكمة وراء حل مجلس النواب السادس عشر، واستحضار مجلس جديد يتمتع بمواصفات المجلس السابق نفسه..؟ فكلاهما جاءا بقانون الصوت الواحد وجاءت مخرجات المجلس الجديد مطابقة للمواصفات المطلوبة بالخضوع التام لتعليمات السلطة التنفيذية التي مكنتهم من الوصول الى قبة البرلمان، هل هي محاولة ايهام الرأي العام بأننا أمام مجلس جديد يلبي حاجة البلاد في الاصلاح ..؟ اذا كان كذلك فان مهندس هذه السياسات اثبت فشله، وان هذه المناورة مفضوحة … فقد اكتشف الشعب الأردني بحسه الوطني أن التغيير الذي تم في الانتخابات الأخيرة كان شكليا وليس جوهريا… لكن السؤال الآخر لماذا لم تقدم السلطة التنفيذية على تحقيق اصلاحات حقيقية في البلاد… فالاعتقاد السائد أن الفئات المستفيدة من تغييب ارادة الشعب، والتي أوصلت البلاد الى الأزمات المالية والاقتصادية، والتي استغلت مواقعها الرسمية باصدار القوانين والأنظمة وتوجيه البلاد بما يخدم مصالحها، هذه الفئات مازالت تقف عقبة أمام تحقيق اصلاحات حقيقية في البلاد و تهيمن على مفاصل الدولة.
لقد دفعت السلطة التنفيذية البلاد نحو أزمات خطيرة، سياسية واقتصادية واجتماعية، بحرمان الشعب الأردني من تحقيق أهدافه الوطنية، من خلال انتخابات نيابية ديمقراطية على أساس قانون توافقي يوصل مجلسا نيابيا يعكس ارادة الشعب ويحقق المبدأ الأساسي في الدستور “الشعب مصدر السلطات” لاتباع نهج جديد في السياسات المالية والاقتصادية، ومكافحة الفساد بشكل عام ومحاكمة الفاسدين واعادة أموال الشعب المنهوبة، ما لم يتم ذلك فإننا امام ازمة مالية واقتصادية عميقة، فالبلاد بحاجة الى نهج جديد يحقق اصلاحات سياسية ويفتح الباب أمام اصلاحات مالية واقتصادية، وتأتي السياسة الضريبية في المقدمة، بتخفيض العبء الضريبي على المواطنين بالغاء ضريبة المبيعات على الغذاء والدواء، وزيادة مساهمة الشرائح العليا في المجتمع من كبار التجار والمصارف وشركات الاتصالات في ايرادات الخزينة، بالعودة الى الضريبة التصاعدية، وفقا للنص الدستوري، وهذا لن يتحقق الا بنهج جديد، وتأكيدا لذلك فان الحكومة أعدت حزمة من القوانين لدفعها أمام مجلس النواب الجديد، لم تتضمن هذه الحزمة قانون الضريبة التصاعدية، أو قانون الضمان الاجتماعي، كما أقرت الحكومة موازنة عام 2013 وهي نسخة عن موازنات الحكومات السابقة، لم يطرأ أي جديد، سواء كان على الايرادات ومصادرها، أو على الانفاق وأبوابها، اضافة الى ارتفاع معدل عجز الموازنة، وصعوبة توفير مصادر لتغطية العجز ما يكرر مهزلة انتظار المساعدات الخارجية، والرضوخ لشروط واملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين التي أدت الى توسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء .