كل مقالات فهمي الكتوت

مؤيد العتيلي

صمت هاتفك ولم أعد أسمع صوتك المجلجل.. لم أعد أسمع عبارتك الشهيرة: أين أنت يا رجل.. نعم تأخرت عليك.. اعذرني يا رفيقي.. لم احتمل، أكاد ألا أصدق أنك رحلت بعد مسيرة مليئة بالعطاء.. ذات يوم ومنذ أربعة عقود .. جاءني صديق عزيز، متلهف للتعبير عن مشاعره تجاه شاب مثقف.. مهذب.. دمث الأخلاق، مستدركا.. هل تعرفه.. اسمه مؤيد، قلت لا لم أتشرف بمعرفته بعد، رغم أنني متشوق لرؤيته فقد سبق وحدثني عنه أحد الأصدقاء، الا أن خصوصية العمل السري قد لا تسمح لي بذلك، فهو في القطاع الطلابي للحزب الشيوعي، وأعتقد أنه من طلاب الجامعة الأردنية .. صحيح ولكن لن أفوت عليك هذه الفرصة، سأتولى هذه المهمة اليوم، وسأفسد عليك انضباطك الحزبي.. ذهبت بمعية رفيقي المرحوم المناضل محمد الشقارين، كان ذلك في أوائل سبعينات القرن الماضي .. كانت تربطني علاقة حميمة بالشقارين، أمضينا أهم مرحلة في حياتنا بالنضال ضد الاحتلال الصهيوني تحت مظلة قوات الانصار .. حملت تلك الأيام ذكريات شخصية وانسانية ووطنية .. نتسامر ونتناول أطراف الحديث حول مختلف القضايا، بدءا من حياة الناس البسطاء في القرية والمدينة مرورا بالقضايا الثقافية والفكرية، وانتهاء بردود الافعال الساخنة لموافقة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على مبادرة روجرز.. أو المشاركة في فك اشتباك بين مؤيد ومعارض من فصائل المقاومة في منطقة لا تبعد بضعة كيلومترات عن مواقع العدو الصهيوني.. وتحت قصف المدافع الاسرائيلية أحيانا. كان لقاءا حميميا رغم أنه الأول، توطدت العلاقات لاحقا مع صديق العمر ورفيقي مؤيد، عملنا سويا في خدمة الطبقة العاملة والحركة النقابية، وتناوبنا على رئاسة جلسات المؤتمر التأسيسي للحزب الديمقراطي الاشتراكي المنعقد في تشرين الثاني 1992، وأوكل لنا صياغة برنامج الحزب وواصلنا العمل في صفوف الحركة الوطنية من مختلف المواقع المتاحة. تولى مؤيد رئاسة تحرير جريدة الحزب ” الفجر الجديد” وسامي الزبيدي وفهد الخيطان أعضاء في هيئة التحرير، عملت على ارساء مبادىء الحرية والديمقراطية، وهي من أولى التجارب في مجال التعددية السياسية في اطار الحزب الواحد. شاءت الأقدار أن يغادرنا سامي ومؤيد في أسبوع واحد وبالطريقة نفسها، خلال أسبوع اختطف الموت صديقين عزيزين. كان سامي يكتب تحت اسم الهندي الأحمر، وكان خياله خصبا.. متجاوزا الخطوط التي رسمها الحزبيون بعباراتها وديباجاتها ومنطوقها الثوري المركزي، كانت تجربة جديدة حملت اجتهادات أصاب بعضها واخطأ بعضها الآخر.
توطدت علاقاتنا الى أن أصبحت من أسمى العلاقات الانسانية والنضالية، ليس على الصعيد الشخصي فحسب، بل والعائلي ايضا، فقد أسهمت مصاهرة الشقارين لمؤيد، بتوطيد العلاقات وتعميقها فيما بيننا. اتقن مؤيد فنون النضال مستفيدا من كفاءته ومواهبه المتنوعة.. مؤيد الكاتب والشاعر والنقابي والسياسي وقبل كل ذلك الانسان، فقد انخرط في صفوف النضال مبكرا من خلال عضويته في اتحاد الطلبة وانتمائه للحزب الشيوعي، في أوائل سبعينات القرن الماضي، وكان له دور تعبوي مؤثر في صفوف الحركة النقابية من خلال نشاطه في نقابة المصارف، حين كان موظفا في القطاع المصرفي، وتبوأ موقعا قياديا في نقابة العاملين في المصارف والتأمين والمحاسبة، وأصبح رئيسا للنقابة. كان موضع احترام وتقدير، لكل من تعرف عليه، كان يتمتع بصفات مميزة. متواضع .. ودود .. شهم .. مرهف الاحساس ومتدفق الحماس دفاعا عن القضايا العادلة.. متميزا باسلوبة .. اللعنة صمت هاتفك .. ولم أعد أسمع صوتك.
لم يجلس مؤيد المثقف والشاعر والكاتب والروائي في برج عاجي.. لم تنحصر علاقاته بالنخب رغم ابداعه وعطاءه النوعي، فهو مع العمال عاملا ونقابيا، ومثقفا ثوريا، غادرنا مؤيد مبكرا وهو في ذروة عطاءه، كان نائبا لرئيس رابطة الكتاب الذي واكب نشاطاتها منذ تأسيسها. كان حراكيا ومناضلا مع ابناء شعبه من أجل الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية، ومن أجل تحقيق اصلاح شامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، رافضا تحميل الشعب اعباء الازمة المالية والاقتصادية، كان مؤمنا حتى العظم بالدفاع عن قضايا الطبقة العاملة، والفقراء عامة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
كان مؤيد ملتصقا بقضايا شعبه وأمته، ناضل في صفوف الحركة الوطنية من أجل أردن وطني ديمقراطي،مؤمنا بحتمية الانتصار وتحرير الأرض والانسان، وطرد الغزاة الصهاينة، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس، وحق العودة. والتحرر من التخلف والتبعية، والنهوض بالامة تحت رايات الحرية والديمقراطية والوحدة. كان في وداع مؤيد جمهور واسع من مختلف ألوان الطيف السياسي. المجد والخلود لفقيدنا الغالي، وخالص العزاء لأسرتك واصدقائك.
 

الدعوة للحوار

هل كانت سورية بحاجة الى عامين من القتال وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتشريد مئات الآلاف من المدنيين، حتى يدرك أطراف الصراع أن لا مخرج للأزمة سوى الحوار، هل فشل أمراء الحرب بتحقيق انتصار عسكري حاسم بعد استنزاف طاقات الشعب السوري في قتال عنيف طال مختلف المحافظات السورية، ودمر البنية التحتية للدولة وشل الاقتصاد الوطني، لقد كشفت وحدة المعلومات التابعة لمؤسسة الإيكونومست البريطانية أن الاقتصاد السوري انكمش بمقدار 18.8% في العام الماضي، بينما ارتفع معدل التضخم بنسبة 37% ووصل عجز الموازنة إلى 14.75% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وقدرت خسارة البنية التحتية بحوالي 11 مليار دولار، ومن المعروف أن الليرة السورية فقدت نصف قيمتها منذ بدء الأزمة. من أوصل سورية الى ما هي عليه الآن؟ ” حكومة ومعارضة ” ينادون اليوم بالحوار بعد أن أنهكت قواهم وفقدوا الأمل بتحقيق انتصار حاسم، وبعد أن دمروا البلاد وشردوا العباد، وفتحوا الأبواب على مصاريعها لدخول المسلحين المتطرفين من أنحاء العالم، وخلق بيئة ملائمة لنشوء الحركات المتطرفة، مستغلين عدم تحقيق اصلاحات مبكرة تؤدي الى تداول سلمي للسلطة؛ إن من حق الشعب السوري التمتع بالحرية والديمقراطية والتعددية السياسة.
وللمرة الأولى يحمٌل المجتمع الدولي طرفي النزاع في سورية مسؤوليةَ الانتهاكات، ويحمِّل من أسماهم بالمرتزقة والدول الداعمة لهم، مسؤولية اشتداد النزاع وتحويلِه الى حرب أهلية وطائفية. ويقول التقرير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية إن جبهة النُصرة هي التي تحصل على الدعم المالي الكبير، إضافة الى مجموعة سلفية أخرى تجذب أكثر العناصر تطرُّفاً، بحسب وصف التقرير الدولي. الا تكفي هذه المعلومات الخطيرة لوضع حد لما يجري في سورية. ان الاستنتاجات التي وصلت اليها اللجنة الدولية تؤدي من جديد وللقاصي والداني ان لا خيار امام السوريين سوى الحوار، والجلوس على طاولة المفاوضات لسد منابع الارهاب، وللوصول الى حكومة انتقالية تعيد الاستقرار الى البلاد وتمهد لانتخابات ديمقراطية تفسح المجال امام الشعب السوري باختيار قيادته عبر صناديق الاقتراع.
كان واضحا منذ البداية أن لا حسم عسكري، ولا تكرار للتجربة الليبية في سورية لاعتبارات عديدة أبرزها، أن حربا أطلسيىة خاطفة لاحتلال سورية لن يكتب لها النجاح، الأمر الذى جعل الموقف الأميركي والأوروبي مترددا، رغم بالونات الاختبار التي أطلقها الحلف الأطلسي من خلال المناورات الاميركية في المنطقة ونشر صواربخ الباتريوت على الحدود السورية التركية. فقد كشفت نتائج الحرب القذرة التي خاضها الحلف الأطلسي في ليبيا أن الهدف الأساسي ليس مساعدة الشعب الليبي في الحرية والديمقراطية، بل للاستيلاء على منابع النفط في ليبيا، وتوسيع نفوذ الاحتكارات الراسمالية لتمتد الى السوق الليبي، بدليل أن ليبيا ما زالت تعيش حالة انفلات أمني، وأن المليشيات المسلحة تسيطر على الشارع، على الرغم من مرور عام على سقوط نظام القذافي .
كما أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها النظام الرأسمالي لن تمكنه من الدخول في حرب طويلة لن تقتصر على سورية فحسب، فمن المتوقع أن تتحول الى حرب اقليمية باهظة الثمن، ودون الحصول على غنائم نفطية كما هو الحال في ليبيا، كما لن تغامر الادارة الأميركية بارسال جنودها الى أتون حرب لن يعرف متى وكيف تنتهي، خاصة بعد الدروس القاسية التي تلقتها في العراق وأفغانستان، اضافة الى كل ذلك لا يمكن اغفال اتساع دور الاتجاهات الأصولية المتطرفة في ساحات القتال باعتراف الأمم المتحدة، والذي يتنافى مع ادعائها بمحاربة الارهاب، مما دفع الادارة الاميركية وشركائها في حلف الاطلسي بالتراجع عن التصريحات الساخنة والتهديدات المتكررة واطلاق الوعود باقتراب سقوط النظام السوري .
لذلك دفعت الدول الاستعمارية نحو خيار آخر، قائم على استنزاف طاقات الشعب السوري، وتدمير مؤسساته الوطنية التي بناها عبر مئات السنين، وتعريض الدولة للانهيار، وفرض شروط المنتصر باقامة “الشرق الأوسط الجديد”، الحلم الاميركي- الصهيوني، الذي أفشلته المقاومة اللبنانية الباسلة اثناء العدوان الصهيوني على لبنان عام 2006، والذي يطل برأسه من جديد، لم تخف كوندليزا رايس وقاحتها حين أعلنت أنها مددت لـ “اسرائيل” أسبوعا آخر لمواصلة الحرب الوحشية على لبنان لاعتقادها أن المنطقة مقبلة نحو المشروع الامبريالي باقامة الشرق الأوسط الجديد، بعد ادخال المنطقة بحروب أهلية تؤدي الى شرذمة الوطن العربي الى كنتونات أثنية وطائفية وإقليمية. تفضي الى تصفية القضية الفلسطينية بصفقة مذلة يتم فرضها تحت الحراب الصهيونية، والاستيلاء على منابع النفط .‏

قراءة في موازنة 2013

بداية لا بد من الإشارة الى أن الحكومة استغلت الثغرة الواردة في التعديلات الدستورية الأخيرة التي سمحت للحكومة بإصدار قانون مؤقت للنفقات الطارئة، فأعطت نفسها الحق بالاعتداء على صلاحيات المؤسسة التشريعية بإصدار قانون موازنة مؤقت. وان كنت لا أعول كثيرا على احداث تغيرات جوهرية في السياسات المالية والاقتصادية في البلاد في ظل النهج السائد، ما لم تتحقق اصلاحات سياسية تمهد لإصلاحات مالية واقتصادية واجتماعية. ولدى مراجعة موازنة الدولة من المفيد التعرف على مصادر ايرادات الخزينة وأبواب إنفاقها، فهي تعكس مستوى تطور اقتصاد الدولة ان كان اقتصادا منتجا ام لا ..؟ كما تعكس مقدار مساهمة الفئات الاجتماعية المختلفة في ايرادات خزينة الدولة، وتكشف أرقام الإيرادات المحلية أن أهم مصادرها، الايرادات الضريبية غير المباشرة مثل الضريبة العامة على المبيعات والرسوم الجمركية، التي تقتطع من نفقات غذاء ودواء وكساء المواطنين عامة.
بلغت الايرادات المحلية لموازنة الحكومة المركزية 5296 مليون دينار وتشكل الايرادات الضريبية 3770 مليون دينار، منها 765 مليون دينار ايرادات الضريبة على الدخل والأرباح منها 613 مليون دينار من الشركات المساهمة و71 مليون دينار من الأفراد و81 مليون دينار من الموظفين. أما باقي الايرادات الضريبية فهي موزعة بين الضريبة العامة على المبيعات والرسوم الجمركية، وتشكل الايرادات الضريبية حوالي 71%، من اجمالي الايرادات المحلية. أما الايرادات غير الضريبية البالغة 1526 مليون دينار موزعة على الشكل التالي 24 مليون دينار عائدات تقاعد و340 مليون دينار ايرادات دخل الملكية، و47 مليون دينار الغرامات والجزاءات المصادرة، و 308 مليون دينار ايرادات أخرى و807 مليون دينار بيع السلع والخدمات. وبالتدقيق في البند الأخير الوارد تحت بند بيع السلع يتبين انه ايرادات ضريبية بمسميات متعددة منها 190 مليون دينار طوابع واردات على مختلف العقود والمعاملات المختلفة، و240 مليون دينار رسوم تسجيل الأراضي، والباقي عبارة عن رسوم محاكم ورسوم تلفزيون ورخص سوق ومركبات. واذا أضيفت قيمة الرسوم على الضرائب ترتفع نسبة الايرادات الضريبية الى حوالي 86% من اجمالي الإيرادات المحلية.
ويدخل تحت باب الإيرادات الاخرى 90 مليون دينار ايرادات التعدين، وقد ارتفعت نسبة ايرادات التعدين خلال العامين الاخيرين أكثر من 70%، وقد وجهت انتقادات واسعة من قبل مختلف الاوساط السياسية والحراكات الشعبية لتدني ايرادات التعدين بعد فرض سياسة التخاصية، و 25 مليون دينار بدل خدمات المراكز الجمركية و 40 مليون دينار بدل خدمات المرور على الطرق، و40 مليون دينار اقساط مستردة.
أما إيرادات دخل الملكية فهي من مصادر عدة أبرزها: 80 مليون دينار عوائد المساهمات الحكومية و25 مليون دينار من صندوق التشغيل و 15 مليون دينار من صندوق البحث العلمي، و6 مليون دينار من وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية التي أنفقت الدولة عليها مليارات … وتوقفت عن مساهمة تمويل الخزينة من الضرائب واقتصر مساهمتها على 6 مليون دينار، اما باقي مصادر هذا الباب فهي موزعة …
من أبرز المظاهر السلبية للاقتصاد الوطني خلال العقدين الخيرين، تراجع الايرادات المحلية غير الضريبية، فقد شكلت الإيرادات غير الضريبية حوالي 50% من مجمل الإيرادات المحلية عام1991، وانخفضت هذه النسبة لتصبح حوالي 29%. وذلك بسبب تراجع عائدات الملكية الناجمة عن سياسة التخاصية، وزيادة العبء الضريبي من جهة اخرى. على الرغم من تخفيض نسبة مساهمة كبار الرأسماليين في الإيرادات الضريبية، فقد انخفضت نسبة مساهمة القطاع المصرفي من 50% إلى 30% وكذلك كبار التجار وقطاعات التأمين وغيرها بنسب مختلفة، وبالمقابل ارتفعت نسبة مساهمة الطبقة الوسطى وأصحاب الدخل المتدني بشكل ملموس وذلك من خلال فرض ضريبة المبيعات بنسبة 16% على معظم السلع الأساسية، وهذا يفسر زيادة تكلفة الاحتياجات الأساسية وانهيار القيمة الشرائية للرواتب والأجور، نتيجة زيادة العبء الضريبي على الغالبية العظمى من المواطنين.
 

المرتكزات الأساسية للموازنة

تنطلق المرتكزات الأساسية للموازنة العامة للدولة من الالتزام في ” البرنامج الوطني للاصلاح ” بداية نتساءل هل يوجد برنامج وطني للاصلاح ..؟ أم هناك مجموعة من الاجراءات أملتها الاتفاقية الموقعة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بحوالي 2 مليار دولار على ثلاث سنوات، والتي أصبحت اشتراطات على الحكومة للالتزام بها، وأهمها رفع الدعم عن الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات والسلع. وتشير المرتكزات إلى أن الأولوية في المرحلة الحالية تحقيق الاستدامة المالية من خلال تخفيض العجز المالي والمديونية العامة والوصول بهما الى مستويات آمنة، وبما يكفل تدعيم أركان الاستقرار الاقتصادي وتحسين موقع الأردن على الخارطة الاستثمارية العالمية، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، والاعتماد بصورة أكبر على ايراداتنا المحلية في تغطية نفقاتنا الجارية. لن نقف طويلا عند موضوعة من وراء هذه السياسات الاقتصادية، المهم ما هو أثر هذه الاجراءات على الاقتصاد الوطني عامة وعلى قدرته التنافسية، وما هو الأثر الاجتماعي لهذه السياسات وكيف تترجم على أرض الواقع، وما هي الكلف الحقيقية لها، ومن هي الفئات الاجتماعية التي تدفع ثمن هذه الاجراءات، وهل أخذت الموازنة العامة للدولة هذه المرتكزات فعلا بعين الاعتبار.
لنرى كيف تعاملت موازنة الدولة مع المرتكزات الأساسية وما هي الخطوات الملموسة في مجال تخفيض العجز والمديونية وهل تمكنت من تحقيق هذا الهدف. بلغت الايرادات المحلية في موازنة الدولة ـ الحكومة المركزية والمؤسسات الحكومية ـ حوالي (5,715) مليار دينار بينما بلغت قيمة النفقات العامة حوالي (9,336) مليار دينار بعجز قدره حوالي (3,621) مليار دينار وقد شكلت الايرادات المحلية حوالي 61% من اجمالي الانفاق العام، وهي نفس النسبة التي ظهرت في العامين الأخيرين 2011 و 2012 وبالتالي لم تظهر الأرقام أي تخفيض بنسبة عجز الموازنة أو أي تحسن في تغطية الايرادات المحلية للنفقات العامة، كما ورد في المرتكزات الأساسية للموازنة، وأن الحديث عن تخفيض المديونية ليس الا عبارات تستخدم في غير مكانها، فقد وصلت المديونية المحلية حوالي 17.7 مليار دينار حتى نهاية عام 2012. ومن المتوقع أن تتجاوز الـ 20 مليار دينار مع نهاية العام الحالي بعد تغطية العجز المتوقع في الموازنة وبعد تحقيق الهبات، ومع ذلك ليس المشكلة بارتفاع المديونية فحسب بل وبتوفير مصادر لاقراض الخزينة، فالسوق المحلي يفتقر للسيولة بعد تجاوز الدين الحكومي المحلي اكثر من 12 مليار دينار، اما القروض الخارجية فلم تعد متاحة بسهولة، وان توفرت فهي بشروط سياسية واقتصادية قاسية.
ومن المفيد الاشارة الى أن وجود موازنتين للدولة الأردنية الأولى للحكومة المركزية والثانية للموسسات الحكومية يخفي حقيقة الوضع المالي ونسبة العجز الحقيقي، فالحكومة تعلن عن عجز نسبته 8.9% وبذلك تتجاهل عجز المؤسسات الحكومية التي تعاني من عجز مرتفع وتغطي عجزها بقروض مكفولة من الحكومة، وبذلك يتبين ان العجز الحقيقي لموازنة الدولة الموحدة حوالي 15% من الناتج المحلي الاجمالي وهي نسبة مرتفعة جدا.
والغريب أن وزير المالية وصف الوضع الاقتصادي في المملكة بـ” المريح والمطمئن”، وعلى الرغم من تناقض تصريحات الوزير مع تصريحات الرئيس الا أننا لم نلاحظ أية معطيات جديدة تبعث روح الاطمئنان، وكنا نتمنى أن يؤشر معاليه الى الخطوات الاصلاحية الواسعة التي قطعها الاقتصاد الاردني كما أورد في تصريحاته. اضافة الى تأكيداته على تقليص العجز من خلال التركيز على جانبي الموازنة عبر زيادة الايرادات وتخفيض النفقات. وبالتدقيق بنمو الايرادات والنفقات في موازنة 2013 تقديرية نلاحظ ان النفقات المقدرة ازدادت بقيمة 470 مليون دينار، بينما الايرادات المحلية المتوقعة ازدادت بقيمة اقل وبحوالي 450 مليون دينار، ومن التجربة الملموسة درجت العادة على تراجع الايرادات المقدرة في نهاية العام وزيادة النفقات المقدرة لعدم التزام الحكومة بقانون الموازنة واصدار ملحق اوكثر لتغطية نفقات اضافية.
واخشى أن لا يتحقق أي تقدم في الأهداف المعلنة في المرتكزات الأساسية للموازنة سوى ما يتعلق بالغاء الدعم ورفع أسعار الماء والكهرباء والتي ستؤدي لارتفاع اسعار كافة السلع والخدمات الاساسية، فإن اقتطاع جزء من رواتب العمال والموظفين في الجهازين المدني والعسكري بسبب رفع الاسعار يفضي بالتأكيد الى افقار المواطنين، والى اضعاف الطلب الكلي امام العرض، ويسهم بشكل ملحوظ في تراجع النمو الاقتصادي، فلم نشهد أي مظهر ملموس من مظاهر الاصلاح الاقتصادي وأن تحسين موقع الأردن الاستثماري يقتضي اجراءات محددة تسهم بتحفيز الاقتصاد الوطني وليس باجراءات انكماشية .

ما أشبه اليوم بالبارحة

كشفت نتائج الانتخابات النيابية صحة التحليلات التي تبنتها أوساط سياسية وشعبية واسعة من أحزاب وحراكات شبابية وشخصيات وطنية وكتاب وهيئات اجتماعية، وفي مقدمتهم الجبهة الوطنية للاصلاح، التي خلصت برفض المشاركة في الانتخابات النيابية ضمن المعطيات غير المواتية، والتي تفتقر للحدود الدنيا من متطلبات بناء منظومة ديمقراطية، فالإصرار على فرض قانون الصوت الواحد الذي رفض شعبيا، وتم احياؤه بعد أن تخلت عنه معظم الأوساط الرسمية، يعكس رغبة السلطة التنفيذية بتزوير ارادة الشعب، فمن يفرض قانونا اقصائيا عنوة لن يتورع في التزوير في مختلف مراحل الاجراءات المتعلقة في الانتخابات، بدءا من التسجيل وانتهاء بالفرز كما جرى جهارا نهارا تحت سمع وبصر الجميع .
فالخروقات التي شهدتها الانتخابات وما أسفرت من نتائج بوصول مجلس لا يختلف عن المجالس السابقة ان لم نقل أسوأ، يعتبر فضيحة كبرى في حياة البلاد، وهو يعتبر تتويجا للنهج السياسي الذي ابتدأ علم 93 بصدور قانون الصوت الواحد والذي أدى الى تهميش الحياة الحزبية في البلاد، وتأجيج العصبيات القبلية والجهوي، وأنعش الفساد المالي الذي أصبح سيد الموقف، ورغم ملاحقة عدد محدود من المتهمين في قضايا المال السياسي الأسود الا أن ذلك لم يكف أيدي الفاسدين ولم يحول دون الاعلان عن فوزهم في المجلس السابع عشر، بسبب نفوذهم وسطوتهم التي لا حدود لها، لقد نجح الفاسدون بفضل قانون الصوت الواحد في نشر ثقافة الفساد وافساد بعض المواطنين وادخال ثقافة غريبة عن المجتمع الأردني بتوريط بعض المواطنين مستغلين ظروفهم المعيشية البائسة.
لكن السؤال المطروح ما هي الحكمة وراء حل مجلس النواب السادس عشر، واستحضار مجلس جديد يتمتع بمواصفات المجلس السابق نفسه..؟ فكلاهما جاءا بقانون الصوت الواحد وجاءت مخرجات المجلس الجديد مطابقة للمواصفات المطلوبة بالخضوع التام لتعليمات السلطة التنفيذية التي مكنتهم من الوصول الى قبة البرلمان، هل هي محاولة ايهام الرأي العام بأننا أمام مجلس جديد يلبي حاجة البلاد في الاصلاح ..؟ اذا كان كذلك فان مهندس هذه السياسات اثبت فشله، وان هذه المناورة مفضوحة … فقد اكتشف الشعب الأردني بحسه الوطني أن التغيير الذي تم في الانتخابات الأخيرة كان شكليا وليس جوهريا… لكن السؤال الآخر لماذا لم تقدم السلطة التنفيذية على تحقيق اصلاحات حقيقية في البلاد… فالاعتقاد السائد أن الفئات المستفيدة من تغييب ارادة الشعب، والتي أوصلت البلاد الى الأزمات المالية والاقتصادية، والتي استغلت مواقعها الرسمية باصدار القوانين والأنظمة وتوجيه البلاد بما يخدم مصالحها، هذه الفئات مازالت تقف عقبة أمام تحقيق اصلاحات حقيقية في البلاد و تهيمن على مفاصل الدولة.
لقد دفعت السلطة التنفيذية البلاد نحو أزمات خطيرة، سياسية واقتصادية واجتماعية، بحرمان الشعب الأردني من تحقيق أهدافه الوطنية، من خلال انتخابات نيابية ديمقراطية على أساس قانون توافقي يوصل مجلسا نيابيا يعكس ارادة الشعب ويحقق المبدأ الأساسي في الدستور “الشعب مصدر السلطات” لاتباع نهج جديد في السياسات المالية والاقتصادية، ومكافحة الفساد بشكل عام ومحاكمة الفاسدين واعادة أموال الشعب المنهوبة، ما لم يتم ذلك فإننا امام ازمة مالية واقتصادية عميقة، فالبلاد بحاجة الى نهج جديد يحقق اصلاحات سياسية ويفتح الباب أمام اصلاحات مالية واقتصادية، وتأتي السياسة الضريبية في المقدمة، بتخفيض العبء الضريبي على المواطنين بالغاء ضريبة المبيعات على الغذاء والدواء، وزيادة مساهمة الشرائح العليا في المجتمع من كبار التجار والمصارف وشركات الاتصالات في ايرادات الخزينة، بالعودة الى الضريبة التصاعدية، وفقا للنص الدستوري، وهذا لن يتحقق الا بنهج جديد، وتأكيدا لذلك فان الحكومة أعدت حزمة من القوانين لدفعها أمام مجلس النواب الجديد، لم تتضمن هذه الحزمة قانون الضريبة التصاعدية، أو قانون الضمان الاجتماعي، كما أقرت الحكومة موازنة عام 2013 وهي نسخة عن موازنات الحكومات السابقة، لم يطرأ أي جديد، سواء كان على الايرادات ومصادرها، أو على الانفاق وأبوابها، اضافة الى ارتفاع معدل عجز الموازنة، وصعوبة توفير مصادر لتغطية العجز ما يكرر مهزلة انتظار المساعدات الخارجية، والرضوخ لشروط واملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين التي أدت الى توسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء .

القمة الاقتصادية العربية

لم تأت القمة الاقتصادية الثالثة في الرياض باجراءات ملموسة تُحدث تأثيرا مباشرا في العلاقات الاقتصادية العربية- العربية، التي تعاني من ضعف شديد، فالقرارات الصادرة عن القمة لا تشكل جرعة مناسبة لتنشيط هذه العلاقات، رغم التصريحات الصادرة من الأمين العام للجامعة العربية التي جاءت في مجال ترويج نتائج القمة، بما وصفه بالحرص على التعامل مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية من منظور شامل وتفعيل مسيرة التكامل الاقتصادي وإزالة المعوقات التي تعترضها، بما في ذلك استكمال منطقة التجارة الحرة واتمام متطلبات الاتحاد الجمركي. واستثمار الموارد البشرية والطبيعية ورؤوس الأموال التي يزخر بها عالمنا العربي، كلام جميل لكنه ليس اكثر من امنيات لمستقبل اقتصادات البلدان العربية، اما قرارات القمة الاقتصادية لا تحمل خطوات محددة نحو بناء منظومة اقتصادية تستثمر الطاقات والامكانات العربية في مواجهة تحديات العصر.
لست معنيا بالتقليل من أهمية قرارات الدورة الثالثة للقمة الاقتصادية العربية، أو التهويل والتبجيل لها، الا أن قراءة موضوعية لهذه القرارات تكشف بوضوح عمق الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعيشها النظام العربي، فالسمة الغالبة للواقع العربي، حالة الانقسام والصراع السياسي وبروز محاور غير مبدئية لا تحتكم لمصالح الأمة العربية وأهدافها في الحرية والانعتاق، والتصدي للأطماع الصهيونية، فقد برزت عدة محاور تصب في نهاية المطاف بمصالح الاحتكارات الرأسمالية والدول الاستعمارية والأطماع الصهيونية. أما الجامع المشترك بين معظم أطراف النظام العربي توجسه خيفة من حركة الجماهير الشعبية التي انطلقت من تونس وعمت معظم الأقطار العربية، وهم يخشون من أي مشروع اقتصادي اجتماعي يسهم في بلورة وعي اجتماعي يهدد مصالح الفئات الطفيلية التي تمتص خيرات الوطن وتعيث فسادا في الأرض، في ظل ثورات تعبر عن رفض المواطن العربي لشروط الاذعان التي فرضت من أنظمة بوليسية، فالنظام الفاقد للشرعية الديمقراطية ويحرم مواطنيه من أبسط الحقوق الانسانية التي أقرتها المواثيق الدولية، لن يستطيع الولوج نحو اقتصاد انتاجي قادر على منافسة اقتصادات عملاقة في ظل العولمة الرأسمالية. وتحويل اقتصادات عربية ريعية الى اقتصادات انتاجية، تسهم في معالجة قضايا الفقر والبطالة، وتحقيق تنمية مستدامة. من أولى شروط التنمية الاقتصادية تحقيق الديمقراطية وفصل السلطات الثلاث، وتلازم السلطة والمساءلة، واستقلال القضاء، وتوفر الشفافية والمعلومة كحق للمواطن والمؤسسات الاعلامية، لهذه الاسباب تعتبر قرارات القمم العربية خارج الزمان والمكان فان سمة العصر الولوج بانتخابات ديمقراطية، والشعوب العربية كباقي شعوب الأرض تواقة للديمقراطية، لكن النظام العربي رسم حدودا تتحكم بسلوكياته وقراراته.
فالقرارات الصادرة عن القمة لا ترقى للمستوى المطلوب ولا تشكل مدخلا حقيقيا لخروج الوطن العربي من حالة التخلف والفقر والتبعية الاقتصادية، وهيمنة النمط الاستهلاكي على اقتصادات البلدان العربية. ومع تواضع هذه القرارات من غير المتوقع ان ترى النور، فالقرارت الصادرة عن الدورتين الاولى والثانية كان مصيرها كقرارات القمم العربية حول مختلف القضايا السياسية وما زال معظمها في ادراج الجامعة العربية.
المبادرة التي تبنتها القمة تنص على توفير ما يزيد على عشرة مليارات دولار للمؤسسات المالية والشركات العربية المشتركة، لتعزيز دور المشروعات الحيوية ذات البعد الإستراتيجي العربي، والمشروعات التنموية الوطنية التي تصب في صالح تلبية الاحتياجات المتزايدة من السلع والخدمات التي يحتاجها المواطن العربي. دعونا نتخيل كيف يمكن لاقل من نصف بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي للاقطار العربية ان يحققق كل هذه الاهداف الطموحة للامة العربية . اقل ما يقال عن هذه النتائج انها مخجلة لدول تملك من القدرات والامكانات المالية الضخمة من الفوائض المالية المستثمرة في الخارج او المودعة في البنوك الغربية لدول تملك حوالي 57.5 % من احتياط نفط العالم الذي يعتبر شريان الاقتصاد العالمي ويتوقف على معدلات اسعار النفط استقرار الاقتصاد العالمي . هذه الاقطار العربية تعلن انها سوف توظف نصف بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي للوطن العربي لصالح الاستثمار المشترك لتحقيق تكامل اقتصادي.
أما العبارات العامة والمطاطة التي استخدمت في الاتفاقية مثل التعهد بحماية المستثمر والاستثمارات وعوائدها … وتمتع المستثمر العربي بحرية الاستثمار في إقليم أية دولة طرف في المجالات المتاحة وقبل أن يسود التفاؤل تنهي الفقرة بالعبارة التالية: ” وفقا للأنظمة والقوانين المحلية “، اذا هذه التسهيلات ارتبطت بقوانين الدولة وليس باتفاقية عربية موحدة تقوم البلدان العربية بتصويب أنظمتها وقوانينها للتتكيف مع الاتفاقية العربية، وبذلك تنزع الاتفاقية من أي مضامين عربية موحدة. وخاصة عند الاسترسال بصيغ وعبارات لا ينقصها التفاؤل شكلا… حول مستقبل الاقتصاد العربي، لا تسهم بأي تقدم في مجال التكامل الاقتصادي .
 

تحذيرات الرئيس بانهيار..!

اعتقد رئيس الوزراء أنه كسب الجولة الأولى، باستقوائه على الفقراء وذوي الدخل المحدود، حين رفع أسعار المشتقات النفطية، باستخدامه فزاعة انهيار الدينار، لتمرير املاءات صندوق النقد الدولي. تصريحات الرئيس الأخيرة تمهد لوجبة جديدة من رفع الأسعار وتشمل الكهرباء والماء، فقد أعلن الرئيس أنه لا رجعة عن قرار رفع الأسعار، وفي هذه المرة يهدد الرئيس ليس بانهيار الدينار فحسب بل وبانهيار الاقتصاد الوطني، لقد سببت تصريحاته حول انهيار الدينار ضررا جسيما على الاقتصاد الوطني، وهو الآن يحذر من انهيار الاقتصاد . تحذيرات الرئيس تضعنا أمام جملة من التساؤلات: أولها هل الاقتصاد الأردني من الهشاشة لدرجة أن فاتورة الكهرباء سوف تعرضه للانهيار، أم أن هناك مبالغات لممارسة ضغوط نفسية على المواطنين، بهدف الرضوخ لقرارات الحكومة، التي تضيف اعباء تتجاوز قدراتهم، حيث من المتوقع أن يؤدي ارتفاع تكلفة الكهرباء الى اشتعال أسعار كافة السلع والخدمات العامة، خاصة أنها تأتي بعد رفع أسعار المشتقات النفطية، الأمر الذي يؤدي الى اضعاف القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وانهيار القيمة الفعلية للأجور. لن أدخل بتفاصيل حول واقع الاقتصاد الأردني، لكن يمكن القول إنه يعاني من ضعف شديد ناجم عن اختلالات هيكلية لها علاقة بالسياسات الاقتصادية التي مارستها الحكومات المتعاقبة، بتخريب القطاعات الانتاجية ونمو اقتصاد طفيلي، وهروب رأس المال المحلي إما للخارج، أو انتقاله الى قطاعات غير انتاجية، اضافة الى تبديد ثروات البلاد بما يسمى بسياسة التخاصية، وانتشار مظاهر الفساد المتغول على الاقتصاد الوطني. اذا ليست فاتورة الكهرباء التي ستعرض الاقتصاد للانهيار، بل النهج الاقتصادي السائد وراء الأزمات التي أضعفت الاقتصاد الوطني وعرضته لما هو عليه. لا أقلل من أهمية أي وفر على الخزينة في هذه الظروف الاستثنائية التي تعاني من عجز مقدارة 2160 مليون دينار اضافة الى عجز الوحدات الخاصة (المؤسسات الحكومة) 1117 مليون دينار وبذلك يصبح عجز موازنة الحكومة المركزية والوحدات الخاصة 3277 مليون دينار، ومديونية تقدر بحوالي 17 مليار دينار، هذه الأرقام الفلكية لا تعالجها فاتورة الكهرباء، ولا تحتملها جيوب الفقراء، هل يخطر ببال أحد ان فروقات فاتورة الكهرباء سوف تعرض موازنة دولة قيمتها أكثر من 9 مليار دينار للانهيار، علما أن الحكومة الأردنية أعلنت رسميا بعودة ضخ الغاز المصري بالكميات المتفق عليها، وان فاتورة النفط سوف تنخفض بشكل طبيعي.
أما القول إن رفع أسعار الكهرباء قرار مصيري لا رجعة عنه، وذلك بناء على اتفاقيات سابقة مع صندوق النقد الدولي، هذا هو بيت القصيد… المهم التزام الحكومة باتفاقيتها مع الصندوق، من أجل الحصول على ما تبقى من قرض الصندوق، المهم ازالة اية عوائق أمام الحصول على قرض الصندوق، الحكومة تنظر لقرض الصندوق وكأنه خشبة الخلاص من الأزمات، وعلى فرض أنه مهم جدا لتغطية جزء ضئيل من عجز الموازنة، كيف ستغطي الحكومة باقي العجز، فالقروض المحلية أصبحت شبة مستحيلة بعد أن جففت المديونية الداخلية السيولة من السوق المحلي، كما أن الاقتراض الخارجي لم يعد سهلا من حيث المبدأ، وفي حال توفر امكانيات الاقتراض الخارجي فشروط الصندوق سوف تكون أصعب بكثير مما هي عليه الآن، لذلك على الحكومة أن تبحث عن حلول جذرية، فالتحذيرات ينبغي أن تنطلق أساسا من أجل انقاذ المالية العامة من العجز المتنامي، وتحفيز الاقتصاد الوطني، ويأتي ذلك من خلال طرح برنامج وطني اقتصادي متكامل لانقاذ الاقتصاد وليس في الاستيلاء على جيوب المواطنين. فالإجراءات الحكومية المتعلقة بمواجهة الأزمة من خلال رفع الأسعار وتحميل المواطنين أعباء الأزمة، اجراءات انكماشية تؤئر سلبيا على النمو الاقتصادي، وتؤدي الى انخفاض ايرادات الخزينة، وهي اجراءات لا تمت بصلة لقضية الاصلاح الاقتصادي، هي ليس أكثر من جباية تعود بالضرر على المواطنين وعلى الاقتصاد الوطني، وتعمق الاحتقانات الاجتماعية في ظروف سياية لا تحتمل… والغريب أن الرئيس يعلن أن قرار رفع الأسعار بعد الانتخابات مباشرة، أليس حريا بالحكومة أن تقدم برنامجا متكاملا لمواجهة الأزمة الاقتصادية أولا وتوفير المناخ السياسي لتحفيز الاقتصاد، واعادة النظر بالموازتة التي أقرتها الحكومة بتخفيض النفقات العامة للدولة، وزيادة الايرادات الضريبية وغير الضريبية بعد اعادة النظر في السياسة الضريبية ، بشكل يضمن اعادة توزيع الدخل، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
 

ماذا يجري في الوطن العربي ؟

في ظل مناخ سياسي يغلب عليه التصادم والانقسام، وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الناجمة عن سياسة التفرد وغياب الديمقراطية، واستشراء الفساد، وطغيان حالة التخلف والتبعية، وغياب المنهجية العلمية في التحليل والتفكير والممارسة، واختفاء التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهيمنة الاقتصاد الريعي، وتمركز الثروة واتساع مساحات الفقر، وارتفاع معدلات البطالة، وتهميش دور المرأة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل هذه المناخات نستقبل العام الجديد عام 2013 ، بعد مرور عامين على الثورات الشعبية، وأكثر من ستة عقود على بدء رحيل الاستعمار الكولونيالي عن الوطن العربي. والمشهد العربي في هذه الأيام أكثر سوداوية من السابق… نستقبل عاما جديدا لا يحمل الجديد، مع ادراكنا أن الحركة مطلقة ” فالتاريخ يُعيد نفسه على شكل مهزلة ” مهزلة العرس الديمقراطي، والاصلاحات السياسية المزعومة … وتحويل كل شيء الى ” سلعة ” تباع في الأسواق حتى أصوات الناخبين والمرشحين أفرادا وقوائم .
لعلنا نتذكر تجربة الشعوب العربية خلال النصف الثاني من القرن الماضي حين كان الاعتقاد السائد أن الطريق معبدة لبناء الدولة العربية المتحررة، الدولة العصرية الديمقراطية، والتصدي للتخلف الاقتصادي والاجتماعي، الا أن ما تعرضت له هذه البلدان من ضغوطات أجنبية بقصد افشالها أو احتوائها، وغياب الديمقراطية ومؤسساتها، وتورط الأنظمة بممارسة سياسات بوليسية معادية للحريات العامة، ونقل الصراع الى الداخل، وفرض نهج اقصائي أدى الى انفجار الصراع بين التيارات القومية واليسارية أسفرت عن هيمنة نماذج معادية للقضايا الوطنية، عقدت صفقات مشبوهة مع الكيان الصهيوني، وتحولت الى أنظمة فاشلة مفلسة سياسيا وأخلاقيا.
ما نخشاه تكرار المهزلة، والوطن العربي يمر بمرحلة جديدة، سمتها الأساسية الانتقال الى الديمقراطية، وللديمقراطية أصول ومبادىء وأسس ينبغي احترامها بعيدا عن التفرد والهيمنة، والاستفادة من التجربة الغنية والمريرة التي عاشها الوطن العربي، بتجنيب الأمة صراعات تناحرية تؤدي الى وأد الثورة، فاحتدام الصراع بين ثنائية جديدة في الوطن العربي “التيار الاسلامي” و ” التيار القومي اليساري” يدفع المنطقة بأكملها نحو الجحيم، والنموذج السوري ماثل أمامنا، فقد سقطت سورية ضحية الاستقطابات الاقليمية والدولية ودوافع بعضهم في الانتقام من الدولة السورية رغم مشروعية مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية والتعددية السياسية، فالاقليم يشهد ثلاثة مشروعات تتصارع على المنطقة:
المشروع الأول: الصهيوني المتحالف مع الاحتكارات المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، الذي ابتلع فلسطين وأجزاء من البلدان العربية، ولم تقف أطماعه عند حدود معينة، ويسعى للوصول الى منابع النفط، والهيمنة الكاملة على المنطقة العربية.
المشروع الثاني التركي: برز هذا المشروع بعد نجاح الحركة الاسلامية بتثبيت أقدامها في تركيا، وفيه حنين للماضي باحياء “الدولة العثمانية” التي هيمنت على الوطن العربي 400 عام.
وبعد فشل محاولاتها المتكررة في الحصول على عضوية الاتحاد الاوروبي، وجدت بالأسواق العربية ملاذا لصادراتها مستفيدة من العلاقات التي أنشأتها مع الأقطار العربية، وتضامنها مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ضد الحصار الصهيوني، وتحالفها مع الحركات الاسلامية في الوطن العربي وخاصة في سورية، وهي تضع قدمها الأولى في حلف الاطلسي والأخرى في الوطن العربي.
أما المشروع الثالث فهو الايراني ولد هذا المشروع بعد الثورة الايرانية ووصول التيار الاسلامي للحكم، وبعد الحرب الضروس مع العراق، استفاد من الاحتلال الامريكي للعراق بهزيمة خصمه ووصول حلفائه للحكم. وقد كان لموقف ايران المعادي للاحتلال الصهيوني ودعم المقاومة المسلحة بقيادة حزب الله في لبنان، وحركتي حماس والجهاد في فلسطين دور بارز بازدياد نفوذ ودور ايران في المنطقة وتوسيع قاعدة حلفائها، وقد تراجع هذا النفوذ في الآونة الاخيرة على خلفية استقطابات الأزمة السورية.
تتمحور المشروعات الثلاثة في ظل تغييب المشروع النهضوي التحرري العربي، وان كنا ننظر للمشروع الصهيوني الأكثر خطورة باعتباره نقيضا للمشروع العربي، فانني لا أعتبر المشروعين التركي والايراني كذلك الا بالقدر الذي تتناقض مصالحهما مع مصالح الأمة العربية، ولا ينظر لهما باعتبارهما اعداء للأمة العربية، بل يفترض أن يكونا شركاء وحلفاء بالقدر الذي تتوافق مواقفهما مع مصالح الأمة العربية، مع اظهار مواقف حازمة حيال أي أطماع توسعية على حساب الوطن العربي، فالثورة العربية يفترض أن تشكل مدخلا لاحياء المشروع العربي الحضاري، الذي يحتاج مناخا ديمقراطيا ورؤية تقدمية لمستقبل الوطن العربي.

عام جديد على الوطن

مضى عام 2012 بعجره وبجره، وبكل ما حمل من أعباء ثقيلة على الأردنيين، عام اجهاض الاصلاحات السياسية، وانفجار الأزمات الاقتصادية، ورفع الأسعار، عام اعادة انتاج قانون الصوت الواحد المجزوء، هذا القانون الذي أوصل البلاد إلى أزمات عميقة: سياسية واقتصادية واجتماعية، وأنجب مجالس نيابية لا تعكس ارادة الشعب الأردني، ولا تعبر عن طموحاته ، مجالس لا تملك الارادة السياسة، وتتحرك بالريموت، وتشكل غطاء للفاسدين وبيع مقدرات الوطن، والاعتداء على الحريات الصحافية، مجلس الصوت الواحد الأخير الذي أصدر صك البراءة لأبرز قضايا الفساد ومنها قضية الفوسفات … هذه القضية التي أصدر النائب العام قبل يومين مذكرة جلب لرئيس مجلس ادارتها عبر الانتربول، بتهمة اختلاس 340 مليون دينار..! هذه بعض انجازات مجالس الصوت الواحد.
ومن العلامات البارزة لعام 2012 حل مجلس النواب، وقد استقبل قرار الحل بشعور مزدوج، ارتياح لمغادرة مجلس نيابي لا يمت بصلة لمصالح المواطنين، مع شعور بالأسى كون هذه المغادرة لا تفتح آفاقا جديدة أمام انتخاب مجلس نيابي من طراز جديد، بعد أن ترك المجلس السابق بصماته على تركيبة وتكوين المجلس القادم، فهو لن يكون أفضل من المجالس السابقة ولن يكون أوفر حظا، فلم تتغير الشروط التي أفرزت المجالس السابقة، فبعد اسقاط مخرجات لجنة الحوار الوطني فُرض قانون إقصائي، بهدف اعادة انتاج مجلس جديد ضمن المواصفات القديمة ..! ففي البلدان الديمقراطية المجالس النيابية تشكل الحكومات، وفي بلادنا الحكومات تشكل المجالس النيابية… أما التدخلات المباشرة فأول الغيث قطرة، فقد بدأت التدخلات هنا وهناك من قبل متنفذين في السلطة التنفيذية للتأثير على بعضهم بهدف الترشح للانتخاب مع وعود سخية…! ثم جاء دور المال السياسي الذي أصبح طاغيا على السطح ليس لشراء الأصوات فحسب، بل ولشراء المرشحين أيضا، فقد جرى تشويه فكرة القائمة الوطنية بعد بروز ظاهرة جديدة للفساد المالي، بتولى الممول بتشكيل القائمة وتغطية نفقاتها واختيار شخوصها وتوزيع المكافآت على أعضائها للقيام بتجميع أصواتهم لتوفير فرصة ما للمول.
وفي الأيام الاخيرة من العام الماضي زفت الحكومة نبأ تمتع الأردن بثقة صندوق النقد الدولي، فبعد قيام بعثة الصندوق بمراجعة أداء الاقتصاد الوطني والتأكد من تحميل المواطنين أعباء اضافية برفع أسعار المشتقات النفطية، خرجت اللجنة باستخلاص أن الأردن أوفى بتعهداته لصندوق النقد الدولي، وأنه يستحق الدفعة الثانية من القرض البالغة 385 مليون دولار، بعد أن حظي برنامج الحكومة بثقة الصندوق، وفشل بالحصول على ثقة المواطنين، الذين دفعوا ثمنا باهظا، وقد حاولت الحكومة استرضاء الفقراء بتخفيض سعر لتر الكاز ببضع فلسات، فالتخفيض بالغرام والزيادة بالقنطار، ورغم عودة الغاز المصري الى سابق عهده الا أن أسطوانة الغاز ما زالت مرتفعة ..!
لم أدخل بتفاصيل حول آخر قرارات الحكومة المتعلقة بالموازنة العامة ” الحكومة المركزية والوحدات الحكومية ” كون الموضوع يحتاج الى معالجة مستقلة، لكن لا بد من الاشارة الى أنه رغم الحديث عن ضبط الانفاق العام والغاء “الدعم” والخطط الحكومية بدمج الوحدات الخاصة وخفض الانفاق، وغيرها من العبارات التي استخدمت لتمرير قرارات رفع الأسعار، الا أن مشروع قانون الموازنة لعام 2013 يزيد على موازنة 2012 التقديرية بـ 958 مليون دينار. وبقيمة اجمالية 9330 مليون دينار، وقدر العجز الكلي للموازنة العامة والوحدات الخاصة 3621 مليون دينار. بزيادة عن العجز المعلن في موازنة 2012 التقديرية بحوالي 864 مليون دينار، ورغم الحديث المتكرر عن الاعتماد على الذات تضمنت الموازنة مساعدات خارجية بقيمة 850 مليون دينار مقابل 870 مليون دينار للعام الماضي، علما أنه لم يتحقق الجزء الاعظم منها ..!
رغم الصورة القاتمة التي طبعت عام 2012 الا أنه شهد نضالات شعبية واسعة واصرارا وطنيا على مواصلة النضال لمكافحة الفساد ومن أجل الاصلاح الشامل، فقد شهدت مختلف المحافظات حراكا شعبيا معبرا عن ضمير شعبنا في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ورغم عدم استجابة السلطة التنفيذية للمطالب الشعبية، الا أن هناك اصرارا شعبيا ووطنيا على مواصلة النضال من أجل تحقيق الأهداف النبيلة وفي مقدمتها استئصال الفساد، وتجسيد المبدأ الدستوري ” الشعب مصدر السلطات ” عبر اصلاحات سياسية ودستورية تمهد الطريق أمام اصلاح اقتصادي.

الهاوية المالية

ماذا لو فشلت المفاوضات بين الجمهوريين والديمقراطيين لتفادي الوقوع بالهاوية المالية، وما هي الهاوية المالية ؟ وما انعكاساتها على الاقتصاد العالمي؟ يمكن الاستدلال من اسمها، وقوع انهيار ما في عالم المال، والهاوية المتوقعة ناجمة عن تفاقم عجز الموازنة الأمريكية وارتفاع الدين العام، والبدء باجراءات تقشفية تسهم بخفض النمو الاقتصادي، نتيجة وقف الانفاق الممول بالقروض. فقد التزم الرئيس الامريكي باراك أوباما في أيلول عام 2011 بتطبيق سياسات مالية وضريبية جديده في اليوم الأول من عام 2013 للحد من تفاقم الأزمة، “خفض الانفاق العام وزيادة الضرائب”، لضمان موافقة الجمهوريين في حينه على رفع سقف الدين العام، والسماح للادارة بالاقتراض لتمكين الخزانة الأمريكية من الوفاء بالتزاماتها، وترحيل الأزمة الى ما بعد الانتخابات النيابية.
أما الان وبعد الاقتراب من استحقاق “الهاوية المالية ” تحاول الادارة الأمريكية إحداث تغيير ما للتخفيف من آثار الاجراءات التقشفية على الاقتصاد الامريكي، لكن ذلك مرهون باتفاق مع الجمهوريين فقد شرعت الادارة الامريكية باجراء مفاوضات للوصول الى انصاف الحلول للحيلولة من دون تعرض الاقتصاد الأمريكي الى انتكاسة، فقد لجأ البيت الأبيض الى ترحيل الأزمة، لانتاج نمو اقتصادي مدعوم بالقروض وزيادة الانفاق العام وتخفيض الضرائب على مختلف الطبقات بما في ذلك الاثرياء، ومحاولة اظهار الاقتصاد الامريكي متعافيا من أزماته ليمهد الطريق أمام الرئيس أوباما من اجتياز الانتخابات النيابية، فقد جرت التضحية بالدولة لصالح تحفيز الاقتصاد، الا أن المهمة فشلت، لم يتحقق النمو المطلوب، وغرقت الدولة بالمديونية.
في ضوء ما سوف تؤول اليه الأوضاع المالية والاقتصادية في أمريكا خلال العام المقبل 2013 من نتائج ” للهاوية المالية” التي ستعرض العالم لمخاطر انخفاض النمو الاقتصادي، وقد تسبب بانتكاسة جديدة للاقتصاد العالمي، بسبب تعميم ظاهرة التقشف على معظم اقتصادات العالم، من دون اعتبار للفشل الذريع لهذا النهج، الذي أوصل الاقتصاد الأوروبي الى الهاوية. وتأتي الاجراءات التقشفية الامريكية مع دخول منطقة اليورو في حالة ركود اقتصادي، واستمرار حالة القلق الشديد على مستقبل اليونان والبرتغال واسبانيا وقبرص بسبب ارتفاع معدلات البطالة، وتنامي المديونية، وأثر السياسات الانكماشية على تقهقر اقتصاداتها، وفشل دول الاتحاد الاوروبي في الوصول لاتفاق حول ميزانية الاتحاد، نتيجة اصرار عدد من الدول بزعامة المانيا وبريطانيا على فرض سياسة تقشفية على ميزانية الاتحاد خلال الأعوام المقبلة. وغياب أي حلول منهجية في الأفق تنطلق من تحقيق نمو اقتصادي ومعالجة مشكلة البطالة من دون آلام تقشفية، ان لم نقل إنه لا توجد معالجة لمشكلة البطالة من دون نمو اقتصادي، وليس هناك نمو اقتصادي في ظل التقشف، هذه المعادلة ينبغي أن تكون قاعدة الخروج من الأزمة .
ومع ذلك لم تعد هناك خيارات أمام الادارة الأمريكية، وهي محكومة بالاستحقاقات المنتظرة، وحتى في حال اجراء تعديلات محدودة على الاتفاق المبرم بين الحزبين، لا تعف الاقتصاد الأمريكي من الدخول في محنة تراجع النمو الاقتصادي، لن تسقط حلول من السماء لانقاذ الاقتصاد الأمريكي من أزمته، وخاصة في ظل توازنات دقيقة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، اللذين يتقاسمان السلطات التشريعية التي تمتلك اصدار القوانين المالية المتصلة بالازمة الاقتصادية، وتسعى الاحتكارات الامريكية تحميل الفقراء عبء الازمة والابقاء على الاعفاءات الضريبية التي اصدرها جورج دبليو بوش على الاثرياء، مع الاقرار من قبل الديمقراطيين بمبدأ تقليص برامج الرعاية الصحية بحوالي 300 مليار دولار ما يتسبب بحرمان ملايين الفقراء من الطبابة .
ومع تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية في امريكا واتساع الهوة بين الحزبين الرئيسيين، حول كيفية مواجهتها، الا أن كلاهما لا يملكان برامج اقتصادية تحمل خيارات لمعالجة جذرية للخروج من الأزمة، فالأزمة الاقتصادية التي تواجه أمريكا هي من الأزمات الملازمة للنظام الرأسمالي، فقد شهد العالم العديد من الأزمات الاقتصادية منذ نشوء النظام الرأسمالي إلا أن هذه الأزمة الأكثر عمقا واتساعا، والتي تعود لطبيعة اسلوب الانتاج الرأسمالي القائم على علاقات انتاج غير متوازنة، وتمركز الثروة بأيدي الاحتكارات الرأسمالية والطغمة المالية، مقابل حرمان الغالبية العظمى من تلبية احتياجاتهم الأساسية في المأكل والملبس وتوفير الخدمات الصحية المجانية. وهذا لم يأت بالتمنيات أو بشكل عفوي بل بعقد اجتماعي جديد يعترف بالحقوق الاجتماعية للمواطنين جمعاء، يضمن توزيع عادل للثروة، يضمن لمنتجي السلع فرصة استخدامها .