ليس من قبيل الصدفة أن شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية كانت الجامع المشترك الأعظم بين الثورات الشعبية في البلدان العربية، رغم أن لكل دولة خصوصيتها اقتصاديا واجتماعيا؛ إلا أن السمة العامة لهذه البلدان خضوعها للتبعية الأجنبية. فالاستقلال السياسي الذي انتزعته الشعوب العربية من الاستعمار الكولونيالي بعد تقديم مواكب الشهداء من أعز وأنبل وأشرف أبناء الأمة وفاء واخلاصا للوطن من أجل الحرية والاستقلال، تم استلابه من قبل الاستعمار الجديد المتمثل بالاستعمار الاقتصادي، بتمكين المراكز الرأسمالية من فرض شروط التبعية على البلدان النامية عامة وفي عدادها البلدان العربية، بعد اغراقها بالمديونية، واخضاعها لاملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، والاستيلاء على مقدرات هذه البلدان، ونشر الثقافة الاستهلاكية؛ في وقت أفلتت بعض الدول النامية (الصين الهند البرازيل..الخ) من فخ المديونية وشروط التبعية بفضل امتلاكها الارادة السياسية في التحرر والانعتاق، وأصبحت نموذجا يحذى حذوه في العالم.
جاءت الثورات العربية لانجاز برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية، ومن أولى مهامها تطهير البلاد من الفساد والاستبداد، واقامة دولة ديمقراطية يسودها العدل والمساواة، والتخلص من هيمنة البرجوازية الطفيلية ووكلاء الشركات الأجنبية ” الكمبرادور” على الاقتصاد الوطني، واعادة الثروات العربية المنهوبة، واستثمار الموارد العربية في مشروع تنموي اقتصادي اجتماعي، ومعالجة قضايا الفقر والبطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية. فمن حق الشعب صانع الثورة، أن يطلب من الحكومة المنتخبة تقديم جردة حساب، لمعرفة الانجازات التي حققتها. رب قائل يقول إن عاما أو اكثر غير كاف لحصد المكاسب.. صحيح ولكن، شريطة وجود برنامج عمل واضح يحدد مسار الحكومة، وآفاق التطور الاقتصادي والاجتماعي، وهذا لم يحدث في كل من مصر وتونس وليبيا التي شهدت سقوط أنظمة ديكتاتورية. لا بل شهدت هذه البلدان تراجعا خطيرا في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، انعكست مظاهرها باتساع مساحات الفقر وارتفاع معدلات البطالة، ما دفع ملايين المصريين في العودة الى الشارع لتصحيح مسار الثورة.
تناولت الأسبوع الماضي بعض مظاهر تراجع الوضع الاقتصادي في مصر، أواصل في تغطية بعض مظاهر التراجع الاقتصادي والاجتماعي، التي كانت سببا في إحداث تغيير جوهري من قبل الجماهير الشعبية تجاه الإخوان المسلمين. يقول الخبير الاقتصادي المصري د. احمد السيد النجار رئيس مركز الدراسات الاقتصادية في جريدة “الأهرام”: لم يطرأ أي تحسن في الانفاق العام على قطاع الصحة المتدني أصلا .. فقد استلم د. مرسي الحكم والإنفاق على الصحة يقدر بنحو 5% من اجمالي النفقات العامة، أي أقل من ثلث ما تطلبه منظمة الصحة العالمية وهي 15% للحفاظ على صحة الفقراء ومحدودي الدخل والصحة العامة للمجتمع. فقد حافظ مشروع موازنة 2013/ 2014 على المعدل نفسه حيث خصص حوالي 4,7% من الإنفاق العام للصحة..! وفي السياسة الضريبة التي تشكل أهم أدوات اعادة توزيع الدخل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فقد اقتصر الاعفاء الضريبي على أول ألف جنيه في الشهر. علما أن الحركة العمالية المصرية تطالب برفع الحد الأدنى للأجر الى 1500 جنيه شهريا، أما الشريحة العليا للضرائب نسبتها 25% لمن يبلغ دخله أكثر من 250 ألف جنيه. بينما تبلغ في الولايات المتحدة 43 %، وفي فرنسا وبريطانيا وإيطاليا 40% .
أما تونس فهي ليست أفضل حالا، فالاقتصاد التونسي يعاني من تراجع ملموس في احتياط العملات الأجنبية التي انخفضت من 13 مليار دينار إلى 10 مليارات دينار تونسي. وارتفعت نسبة الفقر والبطالة . وتقول وزارة الشؤون الاجتماعية في تقرير لها، إن نسبة الفقر بلغت 24.7? وفقا للمعايير الدولية التي تحدد حد الفقر بدولارين للفرد الواحد يوميا. وتقدر وزارة الشؤون عدد العاطلين من العمل بـ700 الف شخص ، 69% منهم تقل أعمارهم عن 30 عاما.. ويقول وزير الشؤون الاجتماعية التونسي: «الفقر والبطالة وعلاقات الإنتاج تشكل أبرز المواضيع التي تتصدر مطالب واحتجاجات المواطنين في هذه الفترة».. ويُتوقع تواصل الاحتجاجات مع عجز الحكومة الوفاء بوعودها للمواطنين.
صحيح أن البلدان العربية بحاجة إلى مزيد من الوقت لتوفير الاستقرار السياسي والاقتصادي، شريطة التخلي عن السياسات الاقتصادية الليبرالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وعدم انخراط المؤسسة العسكرية في العمل السياسي، وكان من الأفضل أن تواصل الحركة الشعبية دورها في تصويب مسار الثورة من دون تدخل المؤسسة العسكرية. إلا في حالة تعرض السلم الأهلي للخطر، مع تأكيد صيانة حق المواطنين في التعبير عن ارائهم بالطرق السلمية، ورفض أي شكل من اشكال الاعتداء على حقوق الانسان ، وعزل الأصوات الداعية للاقتتال الأهلي .
كل مقالات فهمي الكتوت
الشعب يسترد ثورته
وقف العالم مبهورا أمام الجماهير الشعبية المتدفقة في الساحات والميادين، في المدن والقرى المصرية، ملايين المصريين يجوبون الشوارع بمسيرات شعبية لتصويب مسار الثورة المصرية ملبين الدعوة لإسقاط مرسي، واجراء انتخابات مبكرة، حضور جماهيري غير مسبوق، لم تشهده دولة في العالم، دفاعا عن مبادئ ثورة 25 يناير، ” الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية ” كان واضحا منذ اللحظات الأولى لاندلاع ثورة يناير أن القوى المحركة للثورة المصرية الشباب والعمال، الذين يعانون من الفقر والبطالة وتردي الأوضاع المعيشية، بسبب السياسات الاقتصادية التي فرضها نظام الفساد والاستبداد، منذ عدة عقود، وكان واضحا أن القضية الاقتصادية والاجتماعية تحتل المقام الأول، وأن مصر الثورة تحتاج إلى سياسة اقتصادية جديدة، فالسياسة الاقتصادية التي سادت منذ عصر الانفتاح الاقتصادي التي أفقرت الشعب المصري انتهى عصرها، وكان على النظام أن يعي حقيقة هذه القضية الجوهرية، الا أن مصالحه الطبقية حالت دون ذلك.
ماذا يُجرى في تركيا ؟
لم تكن حديقة تقسيم سوى الشرارة التي أشعلت المظاهرات الشعبية الواسعة في مختلف المدن التركية، ما يعزز الانطباع بوجود أسباب أعمق وأشمل من قضية تقسيم، فالمجتمع التركي يعاني من أزمات سياسية واجتماعية يمكن تقسيمها الى ثلاثة محاور رئيسية هي:
أولا: من المعروف أن تركيا حققت نموا اقتصاديا كبيرا خلال العقد الأخير، واعتبر النموذج التركي مثالا لدى بعض البلدان النامية، الا أن عام 2012 شهد تراجعا ملموسا في النمو الاقتصادي. ففي أعقاب سنتين من النمو المرتفع، شهد الاقتصاد التركي تراجعا واضحا في عام 2012، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي نموا بلغ 2.2% في مقابل 8.8% في عام 2011. وبالتدقيق في أسباب التراجع، تبين أن من أهم محركات النمو الاقتصادي التركي (القروض والتدفقات الاستثمارية الخارجية) فقد اعتمدت تركيا على القروض الأجنبية، التي رفعت المديونية الخارجية الى 350 مليار دولار، على عكس ما انتشر بين الأوساط الشعبية أن “تركيا سددت كامل ديونها“، والصحيح أن تركيا سددت آخر قسط من ديونها لصندوق النقد الدولي. وقد ساهم تدفق رؤوس الأموال الأجنبية الى تركيا من المراكز الرأسمالية التي تعاني من حالات الانكماش الاقتصادي بعد انفجار الأزمة الاقتصادية، برفع معدلات النمو الاقتصادي. وبمجرد شعور القطاع المصرفي باقتراب تركيا من الأزمة السورية وحالات عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة سحبت المصارف الأجنبية حوالي 90 مليار دولار أي حوالي 9 % من الناتج المحلي التركي. ومن المعروف أن الاعتماد على التمويل الخارجي يحمل بطياته مخاطر كبيرة، كما أصبحت القروض وخدماتها تشكل عبئا ثقيلا على الاقتصاد التركي .
الموازنة.. رفع الأسعار.. السياسة المالية
تابع الشعب الأردني باهتمام، المشهد السياسي المثير، اقرار مجلس النواب الموازنة العامة للدولة خلال الأسبوع الماضي، فبعد رفض معظم أعضاء المجلس توجهات الحكومة برفع أسعار الكهرباء، اعتقد بعضهم أن للبلاد مجلسا جديدا، لكن مشهد الثلاثاء خيب الآمال، فقد مرر النواب المنسحبون والمصوتون قانون الموازنة، هذا القانون الذي يتضمن أولا رفع أسعار الكهرباء. فالمسرحية التي حاول بعض أبطالها الظهور غيورين على مصلحة الشعب الأردني قبل النهاية الدراماتيكية… بددها المشهد الأخير.
حروب من نوع جديد
بعد سنوات من الانكماش والركود الاقتصادي، وبعد أن أُرغم على اخلاء موقعه لصالح اقتصاد دولة نامية، وتراجعه إلى المركز الثالث في نادي كبرى اقتصادات العالم، عاد الاقتصاد الياباني ليحقق نموا اقتصاديا لافتا، بمعدل سنوي قدره 4.1 % في الربع الأول من العام الحالي، جاء هذا النمو بعد تعديل التقديرات الأولية التي كانت تشير إلى انكماش الاقتصاد الياباني بمعدل 3.5%.، لكن السؤال الرئيسي، ما هو سر التقدم المفاجئ للاقتصاد الياباني، وهل يعكس بداية انفراج اقتصادي للمراكز الرأسمالية في العالم، أم متصل بخصائص الاقتصاد الياباني. خاصة أن الاقتصاد العالمي مـا زال يترنح تحت تأثير الأزمة المالية والاقتصادية، والاقتصاد الأوروبي دخل حالة كساد من جديد، وبعض دول منطقة اليورو على حافة الانهيار.
كيري يُسوّق للحل الاقتصادي
في ظل ظروف عربية وإقليمية تسودها حالات من التوتر والانقسام شعبيا ورسميا، ومع احتدام الصراع في الأزمة السورية بين أطراف عربية واقليمية ودولية، ومحاولات الإمبريالية الأمريكية بالتنسيق والتعاون المشترك مع الكيان الصهيوني لاقتناص الفرص لإحداث تغييرات دراماتيكية في الوطن العربي، جاءت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في المنتدى الاقتصادي العالمي، بالاعلان عن خطة اقتصادية بقيمة أربعة مليارات دولار لتوسيع الاستثمارات في الاقتصاد الفلسطيني خلال ثلاث سنوات، وقد أوضح كيري ان هذه الخطة “التحويلية” يمكن أن تخفض البطالة بشكل كبير وترفع معدلات الأجور 40 %. ومن المعروف أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من ضعف شديد بسبب القيود المفروضة عليه من الاحتلال الصهيوني، الناجمة عن بروتوكول باريس المنبثق عن اتفاقية أوسلو، الذي كبل الاقتصاد الفلسطيني واخضعه لتبعية الكيان الصهيوني، فهو يعاني من تشوهات هيكلية ناجمة عن طبيعة ارتباطه بالكيان الصهيوني، فقد تراجع القطاع الزراعي، ويعاني الاستثمار من مضايقات تحول دون اقامة صناعات فلسطينية متطورة تنافس الصناعات الإسرائيلية، وارغام القطاع الصناعي الفلسطيني على استخدام الخامات الإسرائيلية أو المستوردة عن طريق المعابر الإسرائيلية. الأمر الذي أدى الى ارتفاع معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية، التي تعتبر الأعلى في المنطقة حيث وصلت نسبتها حوالي 24%. لم يأت العرض الأميركي بدوافع انسانية لمساعدة الفلسطينين بسبب صحوة ضمير، أو مجرد مشروع استثماري لصالح الاحتكارات الأمريكية، بل جزء من مشروع عرف “بالحل الاقتصادي” للقضية الفلسطينية، بابقاء قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، واقامة “دولة” فلسطينية بحدود مؤقتة، لا تتمتع بالسيادة الوطنية على الأرض، مع ابقاء الجدار، واستمرار الهجمة الاستيطانية الشرسة التي ابتلعت 40 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، ويستهدف الحل الاقتصادي توفير الحد الأدنى من احتياجات السكان الاستهلاكية، منعا للاحتقانات وقيام ثورة الجياع على غرار الثورات الشعبية في الوطن العربي، فهي جزء من وصفة البنك الدولي لاحتواء الحركات الاحتجاجية. ما طرحه كيري في المنتدى الاقتصادي العالمي ليس معزولا عما يُجرى في الوطن العربي – سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين- بل هو جزء من مشروع امبريالي – صهيوني يستهدف المنطقة بأكملها ويُجرى تنفيذه على مراحل، بالأمس القريب مورست الضغوطات السياسية والمالية على السلطة الفلسطينية لمنعها من التوجه الى الأمم المتحدة للمطالبة بالاعتراف في الدولة الفلسطينية. أما اليوم يعلن كيري عن رغبة أميركا في انقاذ الاقتصاد الفلسطيني، وحل مشكلة البطالة، وزيادة دخل المواطنين، وعلى مسمع شيمون بيريز الموجود في المنتدى الاقتصادي العالمي، لم يفت كيري تأكيد ان اقتراحه هذا يعتمد على التقدم في عملية السلام بين الفلسطينيين و”إسرائيل”. تحاول أميركا ممارسة سياسة العصا والجزرة. فقد وصف كيري الخطوة الأمريكية واحدة من أسس بناء السلام الدائم “لأن الوقت حان لإرساء نموذج جديد للتنمية… فقد اقحم المنتدى الاقتصادي بقضايا تمس المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني، بتمرير السياسات الاسرائيلية حول اعادة المفاوضات في ظل الاستيطان لجرجرة السلطة الفلسطينية الى مفاوضات عبثية تمهد الطريق لحل في اطار المشروع الامبريالي – الصهيوني واقامة ” الشرق الأوسط الجديد ” بعد اعادة صياغة خارطة المنطقة من جديد وفق المصالح الامبريالية الصهيونية، معتمدة على تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية، التي اشعلتها في الوطن العربي ونشر ثقافة الحقد والكراهية بين أبناء المجتمع. تأتي هذه السياسات في ظل تضاؤل فرص الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية رغم الاتفاق المبدئي بين روسيا وأمريكا على عقد مؤتمر جنيف 2 بتشكيل حكومة انتقالية تخرج البلاد من الصراع العسكري، وتمهد لانتخابات ديمقراطية. فالنتائج العسكرية التي حسمت واحدة من أبرز المعارك بين الحكومة والجيش الحر في القصير، لا تشجع الامريكيين على عقد المؤتمر قبل محاولة احداث تغيير جديد في موازين القوى على الأرض. فالهدف النهائي اخضاع سورية للشروط الأمريكية، وليس انهاء الصراع على طاولة المفاوضات، وانهاء الصراع العربي – الاسرائليي، وتصفية القضية الفلسطينية، والغاء حق العودة.
المنتدى الاقتصادي العالمي
في ظل اشتداد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ومع دخول أوروبا حالة الكساد الاقتصادي من جديد، وما تعانيه كل من أميركا واليابان من ركود اقتصادي، وفي ظل تعثر اقتصادات البلدان العربية غير النفطية وفي المقدمة البلدان التي شهدت سقوط أنظمة ديكتاتورية، عقد المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن على شاطئ البحر الميت بمشاركة أكثر من ألفي شخصية من رؤساء الدول والوزارات وصناع القرار في مجالي السياسة والاقتصاد.
بحث المنتدى رفع معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة العربية، وكيفية استجابة الحكومات العربية في البلدان التي شهدت ثورات شعبية لاحتياجات شعوبها..! وقد عبر مدير صندوق النقد الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسعود أحمد، عن قلقه بسبب التوترات الاجتماعية المتصاعدة التي تحبط أي تعاف اقتصادي مبكر بعد عامين من الاضطرابات السياسية التي أدت إلى تفاقم الضغوط المالية وتهدد استقرار الاقتصاد الكلي في هذه البلدان، وخاصة في دول المغرب وتونس ومصر والأردن.
إن قراءة متأنية لتجربة هذه البلدان تبين بوضوح أن النهج الاقتصادي الذي تبنته في العقدين الأخيرين بتشجيع من صندوق النقد والبنك الدوليين هو المسؤول عن التشوهات الهيكلية لاقتصادات هذه البلدان، والتي أثرت سلبا على الواقع الاجتماعي. فقد أنشأت المراكز الرأسمالية علاقات غير متكافئة، مع الدول النامية بما يخدم سياسة التوسع الرأسمالي لتحقيق مزيد من الارباح عبر أسواق جديدة، وتوظيف شرائح من البرجوازية المحلية لتسويق منتجاتها، وتشكل طبقة سياسية واقتصادية مهيمنة اقتصاديا من ” الكبمرادور” مع تعاون وثيق الى حد التبعية مع نظم سياسية ديكتاتورية فرخت “طبقة طفيلية ” حققت مكاسب ذاتية، بعقد الصفقات والحصول على العمولات، والقيام بانشطة سياسية واقتصادية لا تخلو من الفساد والاستبداد. وبذلك تشكل تحالفا للدفاع عن هذا النهج، بين هذه الطبقات الطفيلية في المجتمعات العربية، والاحتكارات الرأسمالية، غلب عليها طابع التبعية السياسية والاقتصادية، وكان للمؤسسات الدولية من صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية دور مهم في توجيه وادارة هذا النهج وتقديم الخبراء الذين يتظاهرون بالحرص على اقتصادات البلدان النامية بعد اغراقها بالمديونية واخضاعها لاملاءات أسهمت بتفاقم الأزمة، وكان أبرزها ارغام هذه البلدان على الغاء كافة اشكال الدعم للقطاعات الانتاجية من الزراعة والصناعة المحلية، والغاء الدعم عن الخدمات الاساسية في المجتمع، وتراجع الدولة عن القيام بواجباتها في التعليم والصحة، وتقليص نشاطها الاقتصادي الى أن حصرت مهمتها في أعمال البنية التحتية، بعد تنازلها عن مؤسسات الدولة باسم التخاصية متذرعة بتعثر بعض المؤسسات، والدعوة لادخال شريك استراتيجي. وقد رافق هذه التوجهات فرض سياسات ضريبية جديدة بزيادة اعتماد الدولة على الضريبة غير المباشرة مثل” ضريبة المبيعات” ما اسهم بتخفيض دخل الأسر وتراجع انفاقها العام، وأحدث تأثيرا مزدوجا، الأول: تراجع قدرة المواطنين على توفير احتياجاتهم الأساسية، والثاني: انخفاض الطلب الكلي أمام العرض الكلي وحدوث ركود اقتصادي بالسوق ادى الى تراجع فرص العمل وتسريح أفواج من العمال.
هذه السياسات أوصلت البلدان النامية الى حالة الافلاس السياسي والاقتصادي. وليس الاحتجاج على هذه السياسات كما اورد مدير الصندوق، ” الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية مسؤولة عن تراجع اقتصادات هذه البلدان”، أما النظم العربية التي تناولها التقرير سواء التي شهدت سقوط الأنظمة الديكتاتورية أو غيرها، ما زالت تسير على النهج الاقتصادي الذي اوصلها الى الكارثة الاقتصادية، والتي كانت سببا رئيسيا للثورات الشعبية، وما استمرار حالة الغضب الشعبي في هذه البلدان سوى تعبير عن رفض الشعوب العربية لمواصلة هذا النهج. ان التصدي للازمة لم يأت الا بنهج سياسي اقتصادي جديد، ينطلق اساسا من فك التبعية مع الاحتكارات الراسمالية، واقامة علاقات متكافئة، وتحقيق مشروع تنموي اقتصادي يعتمد على الذات باستغلال الثروات العربية، واستقطاب الفوائض المالية، واستثمار الكفاءات من العمالة العربية المبعثرة والمشردة، وتوطين التكنولوجيا، واقامة تكتل اقتصادي عربي، مع حزمة من القوانين التي تسهم في دينامية الاقتصاد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفر فرص عمل جديدة تتناسب مع احتياجات المجتمع العربي.
أما الهدف الاساسي الذي عقد من أجله المنتدى الاقتصادي، كان باهتا كالمنتديات السابقة، فلم يظهر أي أثر ايجابي على الدولة الأردنية المضيفة رغم انعقاده للمرة السابعة في البحر الميت، أو الدول العربية المستهدفة. أما اسوأ ما شهده المنتدى وجود وفد صهيوني لتكريس سياسات التطبيع التي تمارسها بعض الأنظمة العربية.
هل تواجه البلاد أزمة مالية واقتصادية..؟
كثرت التصريحات الرسمية المتناقضة حول الأزمة المالية التي تواجه البلاد، ” البلاد تسير نحو اليونان… الاقتصاد الأردني مهدد بالانهيار… الدينار مهدد بالانهيار… لا يوجد رواتب لموظفي الدولة… العام الحالي سيكون صعبا على الأردن… بالمقابل نطالع تصريحات مضادة، مثل: الاقتصاد الأردني تعافى من أزمته… الدينار يتمتع بحماية كافية للحفاظ على استقراره… الوضع المالي في البلاد ليس أصعب من السنوات السابقة..! كيف يمكن تفسير هذه التصريحات المتناقضة، هل الاقتصاد الاردني يعيش ازمته ام تعافى وتجاوزها..؟ علما أن التصريحات المتفائلة أو المطمئنة تأتي مباشرة بعد التصريحات المتشائمة، هل هناك تخبط في السياسية المالية والاقتصادية، أم لهذه التصريحات وظيفة سياسية محددة؟
أعتقد جازما أن هذه التصريحات جاءت لتمرير رفع أسعار المشتقات النفطية في أكثر من مرة على الرغم من الضرائب المرتفعة التي تفرضها الحكومة على هذه المواد الارتكازية، والتي تسببت برفع أسعار معظم السلع الأساسية. وتكررت هذه التصريحات في هذه الأيام لتمرير رفع أسعار الكهرباء. فقد سربت الحكومة توجهاتها المبنية على تعهداتها لصندوق النقد الدولي، برفع فاتورة الكهرباء على مراحل تبدأ بزيادة نسبتها 15%، انسجاما مع املاءات صندوق النقد الدولي، الذي يُتبع سياساته أولا بأول من خلال مندوبه الدائم في وزارة المالية. دون اعتبار للآثار الاجتماعية لهذا الاجراء الذي يتسبب برفع معظم السلع الأساسية، ناهيك عن تأثيره على القطاع الصناعي من اضعاف القدرة التنافسية للصناعة الوطنية وهروب المستثمرين للخارج. أما التصريحات المطمئنة التي يطلقها بعض المسؤولين، وظيفتها محاولة يائسة لترميم آثار التصريحات المتشائمة دون جدوى.
نحن نتحدث عن الأردن وليس عن كوكب آخر لتبرير التنبؤات المتناقضة، نحن نتحدث عن حصيلة السياسات المالية والاقتصادية في البلاد، وليس عما يحتويه باطن الأرض من غاز أو بترول يحتمل التقديرات المتباينة. إن فحص نتائج السياسات المالية الاقتصادية تحتاج الى معطيات محددة تفضي بنتائج ملموسة، منها معدلات نمو الناتج المحلي الاجمالي الذي يحدد الوضع الاقتصادي، وهو يراوح حول 2.5% ، ويلامس معدلات النمو السكاني في البلاد، ويعبر عن فشل النهج الاقتصادي السائد في تحفيز الاقتصاد الوطني بسبب استمرار السياسات الليبرالية الجديدة التي فرضت على البلاد، على الرغم من الاعتراف المدوي بفشل هذه السياسات في المراكز الرأسمالية. أما بخصوص السياسة المالية، فقد اتسعت الهوه بين الايرادات والنفقات، بزيادة معدلات نمو النفقات بنسب أعلى بكثير من معدلات نمو الايرادات، فقد خفضت الحكومات ايرادات الخزينة من القطاع المصرفي والتجار بالتعديلات المتتالية لضريبة الدخل، وتراجعت ايرادات الخزينة من الايرادات المحلية غير الضريبية بسبب التخلي عن مؤسسات الدولة لصالح الاحتكارات الرأسمالية باسم التخاصية. أما النفقات المتنامية والتي لا تحتل أولوية في الاقتصاد الأردني، على سبيل المثال استملاك الأراضي والاشغال والمباني والاثاث والسيارات الفارهة، التي تشكل حوالي نصف النفقات الرأسمالية. أما نفقات الجهاز العسكري التي ارتفعت خلال السنوات الأربعة الأخيرة أكثر من 50%، وشكلت حوالي ثلث النفقات الجارية خلال العام الماضي 2012، وفوائد الدين العام التي تضاعفت خلال نفس الفترة من 400 مليون الى 800 مليون دبنار. كما أن المديونية تجاوزت قانون الدين العام بشكل خطير، وبدلا من ضبطها يعلن وزير المالية عن توجه الحكومة باعادة النظر بقانون الدين العام. وبهذه المناسبة نشرت وكالات الأنباء قرار وكالة ” ستاندرد أند بورز” تخفيض التصنيف الائتماني للأردن على المدى الطويل درجة واحدة إلى “بي بي سالب” من النظرة السلبية للاقتصاد الأردني الذي يعيش أزمة مركبة تفاقمت خلال الأعوام الثلاثة الماضية. والحديث يطول حول الازمة ومظاهرها، وسوء توزيع الدخل الذي أسهم بشكل مباشر في اتساع الهوة بين الاثرياء من البرجوازية البيروقراطية والكمبرادور من جهة، والطبقات الفقيرة والمتوسطة من جهة ثانية. ناهيك عن الفساد المالي والاداري الذي استنزف طاقات البلاد.
أما الاستخلاص الرئيس أن الأزمة التي تعيشها البلاد تحتاج الى نهج جديد لمواجهتها وليس لتصريحات تعكنن أمزجة المواطنين لتمرير مزيدا من الأعباء المالية على كاهلهم، وان السياسات المالية والاقتصادية السائدة تدفع البلاد نحو المجهول، وان رفع أسعار المحروقات والكهرباء لن يحل مشكلة الموازنة. لكن من المفيد ان نذكر معالي وزير المالية بتصريحاته السابقة حول الهدر في نفقات الموازنة الذي قدره بحوالي 15%-20% وتصريحاته الأخيرة الذي يتحدث فيها عن تهرب ضريبي سنوي مقداره 800 مليون دينار.
العالم من دون أميركا
تحت هذا العنوان نشر ريتشارد هاس، أحد أبرز المفكرين السياسيين المحافظين ورئيس أحد أهم مراكز الأبحاث الأمريكية “مجلس العلاقات الخارجية “، مقالا قال فيه: إن التهديد الأكثر خطورة الذي يواجه الولايات المتحدة الآن وفي المستقبل المنظور ليس الصين الصاعدة، أو كوريا الشمالية المتهورة، أو إيران النووية، أو الإرهاب الحديث، أو تغير المناخ. رغم أن كلاً من هذه المخاطر يشكل تهديداً محتملاً أو فعليا، فإن أعظم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة تتلخص في الديون المتزايدة الضخامة، والبنية الأساسية المتهالكة، والمدارس الابتدائية والثانوية الرديئة، ونظام الهجرة الذي عفا عليه الزمن، والنمو الاقتصادي البطيء، باختصار؛ الركائز المحلية التي تستند إليها قوة أميركا.
ما ورد في تشخيص الكاتب حول التحديات التي تواجه الولايات المتحدة، يعبر عن مفاعيل الازمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في أيلول 2008، والتي أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على النظام الرأسمالي، وعلى أهمية ما أورده الكاتب، لكنه توقف عند بعض مظاهر الأزمة. وهنا نضع عدة خطوط تحت كلمة “بعض” تجاهل الكاتب أبرز مظاهر الازمة، البطالة المتفاقمة، ومعاناة العمال والفقراء والطبقات الوسطى، اضافة الى ما سببته الأزمة من معاناة لشعوب الأرض قاطبة، فالأزمة التي اشعلت فتيلها أزمة الرهن العقاري وانهيار بنك ليمان برذرز، وانهيار مئات البنوك والمؤسسات المالية الأميركية، تسببت بتشريد ملايين البشر من منازلهم ليقيموا بكرافانات أشبه بمعسكرات الاعتقال الجماعي، ينتظرون وجبات الطعام من الجمعيات الخيرية، هؤلاء وغيرهم من الهائمين على وجوههم، هم الذين دفعوا ثمن سياسات اقتصاد السوق المنفلت.
ويضيف الكاتب.. قد يتشفى القراء بما يُجرى. تشفى المتضررين من الغطرسة الامريكية لا يستطيع أحد حصره، فالمشاعر الانسانية لضحايا السياسة الأمريكية ملك لأصحابها… لم تفلت دولة في بلدان العالم الثالث من الغطرسة الامريكية، منذ أواسط القرن الماضي بدءا من ” مشروع أيزنهاور” الذي عرف بسياسة ملء الفراغ، بعد هزيمة الاستعمار الإنجلو- فرنسي في الشرق الأوسط، ومحاولات فرض ” حلف بغداد ” وما تبع ذلك من احلال للاستعمار الجديد متمثلا في الولايات المتحدة الأميركية، مكان الاستعمار القديم، والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط، باخضاع ايران للنفوذ الاميركي بعد الانقلاب على حكومة مصدق. والدعم غير المحدود السياسي والاقتصادي والعسكري الذي قدمته الولايات المتحدة الاميركية للكيان الصهيوني في احتلالها فلسطين واجزاء من الوطن العربي، ومن ثم الاحتلال الاميركي المباشر للعراق الذي اعتبر ذروة انتصار “مشروع ايزنهاور” في ملء الفراغ والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط. وعشرات الحروب والانقلابات الدموية التي تمت بتخطيط من الدوائر العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة، من كوبا الى فيتنام ومن الكونغو الى تشيلي والقائمة تطول.
يستدرك الكاتب بالقول إنه ينبغي للناس في مختلف أنحاء العالم أن يتوخوا الحذر في حين يتمنون فشل أميركا في التعامل مع تحدياتها الداخلية، لأن ذلك لن يأتي بلا ثمن باهظ ، موضحا أن رهان العالم على نجاح أميركا يكاد يعادل رهان أميركا على نفسها. حيث يشكل اقتصاد الولايات المتحدة نحو ربع الناتج العالمي. وإذا تسارع نمو الولايات المتحدة، فإن قدرة أميركا على استهلاك سلع وخدمات دول أخرى سوف تزداد.
لا شك أن الكاتب يدرك أن لا أحد يضمر شرا للشعب الأميركي، ولا رغبة لأحد باختفاء اميركا عن العالم فقط اختفاء الغطرسة الأميركية والسسياسة العدوانية الأميركية.. اختفاء الظلم وتحقيق العدل.. كل ما تسعى اليه الشعوب تغيير السياسات الأمريكية، فالاعتراض على نهج الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية القائمة على التفرد بقيادة العالم مستغلة جبروتها، مستعينة ببعض الأنظمة الديكتاتورية والدول العنصرية لفرض هيمنتها على ارادة الشعوب. وفي السياسة الداخلية يمكن القول، انتهى العصر الذي تستطيع المراكز الرأسمالية الجمع بين تحقيق رخاء يضمن نسبة نمو اقتصادي يسمح بالسيطرة على معدلات البطالة وتحقيق الثراء الفاحش لكبار الرأسماليين، وتآكل الطبقة الوسطى، هذا النهج أصبح خَلْفنا بعد اختراق الدول النامية مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها جدار الدول المتقدمة ومنافستها ليس في الأسواق العالمية فحسب، بل في أسواقها. انتهى عصر تقسيم العمل بين دول منتجة “الدول الصناعية” ودول مستهلكة “الدول النامية”. نحن في عصر العولمة، عصر انتقال رأس المال من المراكز الى الأطراف بحثا عن العمالة الرخيصة. ليس مهما لرأس المال المحافظة على مكانة دولته الاستثمارية، بقدر ما هو أهم “جني الأرباح” .
أما مسألة الخروج من الأزمة في ظل الواقع الملموس، لم تجد نفعا يد ادم سميث “الخفية” في الحفاظ على التوازن الاقتصادي في سوق منفلت، فقد حان الوقت لاحداث تغيير جوهري، بدور ملموس للدولة في “توزيع عادل للثروة” بدلا من يد سميث “الخفية”، ليتمكن العمال والفقراء من توفير غذاء ودواء لأطفالهم وزيادة الطلب الكلي في السوق، ما يسهم برفع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة ايرادات الخزينة وتطوير البنية التحتية والسيطرة على الدين العام.
لماذا النقابات العمالية المستقلة..؟
|
اتيحت لي فرصة حضور لقاء مفتوح مع ممثلي النقابات العمالية المستقلة بمشاركة شخصيات نقابية وسياسية ونيابية عقد بدعوة من مركز القدس للدراسات السياسية، تحت عنوان “نحو إصلاح الإطار التشريعي للحق في التنظيم: النقابات العمالية المستقلة نموذجاً”، تناول الحوار الأسباب الموضوعية وراء حركة العمال بتأسيس نقابات مستقلة، والاطار التشريعي لهذه النقابات، وأثر هذه النقابات على وحدة الطبقة العاملة. لا شك أن أسبابا موضوعية كانت وراء تشكيل نقابات عمالية مستقلة، منها عدم مواكبة الحركة النقابية للمستجدات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية، وعدم مواكبة التشريعات العمالية للتطورات، الأمر الذي حرم قطاعات واسعة من العمال من تشكيل نقاباتهم، اضافة إلى حرمان موظفي الدولة من تشكيل نقابات عمالية، ما دفع قطاعات واسعة من العمال في القطاعين العام والخاص بتشكيل نقابات عمالية مستقلة، وتشكيل اتحاد عام للنقابات المستقلة، ومع ادراك التام لما ينطوي على هذه الاجراء من مخاطر وجود جسمين للحركة النقابية وأثر ذلك على وحدة الطبقة العاملة، الا أن عدم تفاعل معظم النقابات العمالية مع الظروف والمستجدات التي تعيشها البلاد في ظل الأزمة الاقتصادية، وانهيار القيمة الفعلية للأجور. وعدم مواكبة معظم النقابات العمالية للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة، خاصة أثر حزمة القوانين الاقتصادية التي صدرت تمشيا مع نهج الليبرالية الجديدة الذي ساد منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وكان أبرزها تحرير الأسعار وانفلاتها، وتحرير أسواق المال، والغاء الدعم على السلع الضرورية وارتفاع تكاليف الخدمات الصحية والتعليمية، وأثر ذلك على الواقع المعيشي للعمال، في حين لم تتصد معظم النقابات العمالية كما يجب لمهامها في الدفاع عن حق العمال في العيش الكريم. ولم يطرأ أية تطورات ملموسة على قانون العمل لتوفير مظلة نقابية عمالية تشمل كافة القطاعات، وتعيد النظر في الاجراءات الكيفية التي تمت بهدف احتواء الحركة النقابية في سبعينيات القرن الماضي التي ما زالت تعاني من أثارها حتى يومنا هذا. ولالقاء الضوء على أهم الأسباب التي أدت الى اضعاف الحركة النقابية وفشلها في التصدي للسياسات الاقتصادية التي مورست خلال العقدين الأخيرين في الدفاع عن حقوق العمال، لا بد من التذكير بالدور المميز الذي قامت به الحركة النقابية العمالية في سبعينيات القرن الماضي، في الدفاع عن استقلاليتها وحقها بتنظيم المطالب العمالية في مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة التي شهدتها البلاد في تلك المرحلة، والتصدي للهجمة الشرسة التي تعرضت لها بسبب التدخلات السافرة في شؤونها الداخلية وإجراء انتخابات صورية أوصلت قيادات لا تعكس ارادة العمال على رأس عدد من النقابات العمالية، وذلك لحرمان العمال من القيام بحركات مطلبية. فقد سادت أجواء إرهابية بين صفوف العمال وتعرض العديد من النقابيين للاعتقال والتنكيل والاستدعاءات الأمنية. فقد شهدت النقابات العمالية خاصة التي كان على رأسها هيئات إدارية منتخبة نشاطا عماليا ونقابيا في مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة وانهيار القيمة الفعلية للاجور في بداية سبعينيات القرن الماضي، التي عرفت بحقبة “البترودولار” فاكتشفت السلطة أن إجراءاتها وتدخلاتها كافة في شؤون الحركة النقابية لم تحقق أهدافها في احتواء الحركة النقابية والالتفاف على الحركة المطلبية، فالنهوض العمالي والتحركات النقابية جاءت على عكس توقعاتها، خاصة بعد نجاح الاضرابات العمالية بتحقيق أهدافها، وتوقيع اتفاقيات مع أصحاب العمل تتضمن تحسين شروط الاستخدام، لذلك اكتشفت الدوائر الرسمية أن لا بد من وجبه جديدة من الإجراءات والتدخلات بهدف اضعاف وترويض الحركة النقابية لإجهاض الحركة المطلبية العمالية. وقد جاءت التدخلات الجديدة عبر تعديل المادة (84) من قانون العمل الأردني التي أعطت وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الحق بإعادة تشكيل النقابات ودمجها بصورة كيفية بما يسمح تقويض نشاطها والحد من دورها، وتضمن التعديل تحديد المهن والصناعات التي تشكل نقابة عمالية واحدة وحصر هذه النقابات بـ 17 نقابة عمالية عامة، وقد جاء قرار التعديل في ظل حملة مطاردة واعتقالات بين صفوف العمال وقادة الحركة النقابية وعلى رأسهم القائد النقابي السابق المرحوم موسى قويدر واستخدام الوسائل كافة لإبعاد العمال عن نقاباتهم . ورغم مرور عدة عقود على هذه الأحداث إلا أن آثارها ما زالت ماثلة امامنا ” ضعف الحركة النقابية وتكلسها” الأمر الذي دفع العمال في البحث عن مؤسسات نقابية عمالية جديدة، تكفل لهم حقهم بالدفاع عن لقمة عيشهم. وتشكل اداة ضغط لاشاعة الديمقراطية في النقابات العمالية، وتطوير بنيتها الهيكلية.
|
||