قراءة موضوعية للرؤية الاقتصادية العشرية 2025

 

في احتفال رسمي؛ أطلقت الحكومة خلال الشهر الماضي الرؤية الاقتصادية العشرية “الأردن ٬”2025 بعد دراسة وتمحيص استغرق حوالي عام شارك في اعدادها مختلف الوزارات والدوائر الحكومية. كما استعانت بشركة اجنبية متخصصة في التدقيق والاستشارات الضريبية والمالية “ديلويت” لإعداد الرؤية الاقتصادية للأعوام العشرة المقبلة٬ وقد تعرض الفريق الاقتصادي لحالة من الارباك ازاء الدعوة الملكية بوضع خطة اقتصادية٬ لدرجة أن الحكومة كانت تتحدث احيانا عن خطة اقتصادية٬ واحيانا اخرى عن رؤية اقتصادية٬ وليس خطة..! وقد صدرت بعنوان رؤية واستراتيجية وطنية 2025. 

 

اما السؤال الجوهري فيتمحور حول الفكرة بحد ذاتها من حيث المبدأ٬ خاصة في ظل استمرار النهج السياسي والاقتصادي السائد في البلاد؛ ما مدى الجدية بطرح “خطة” اقتصاديةُ يفترض ان تكون ملزمة للحكومة٬ تحاسب عليها٬ ضمن مؤشرات محددة٬ وهي تدرك تماما بعدم قابليتها للتحقيق؟ ام هي محاولة لإيهام الرأي العام بوجود خطة لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية٬ والنهوض بالاقتصاد الوطني.؟ ومن حق المواطن توجيه السؤال التالي: هل النهج السياسي والاقتصادي السائد٬ قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية٬ ووقف تدهور الاوضاع المعيشية للمواطنين٬ وكبح معدلات التضخم٬ أو ربط الاجور بمعدلات التضخم٬ وتوفير تأمين صحي للمواطنين٬ ووقف العجز المتفاقم للخزينة٬ وتوفير فرص عمل لحل مشكلة الفقر والبطالة٬ وهل قادرة على اعادة صياغة مناهج التعليم٬ وحل مشكلة الطاقة والنقل والمواصلات في البلاد التي اصبحت تشكل تحديا اضافيا للمواطنين ودون تحميل المواطنين أعباء إضافية ؟. يتضح من خلال دراسة “الخطة” انها مجرد رؤية نظرية أقرب إلى الامنيات٬ والحكومة تعلم انها غير قابلة للتطبيق على الرغم من تواضعها في بعض الجوانب٬ والمبالغة غير المحسوبة في جوانب أخرى٬ وسنأتي على ذلك بالتفصيل. إذا كانت الحكومة غير قادرة على وقف حالة التدهور الاقتصادي الاجتماعي٬ كيف تستطيع النهوض بالاقتصاد الوطني في ظل النهج الحالي٬ فالحكومة الحالية كغيرها من الحكومات جزء من النهج العام الذي يتحمل مسؤولية تردي الاوضاع الاقتصادية في البلاد٬ وتفاقم الازمة المالية والاقتصادية٬ فأي خطة أو رؤية عشرية تتحدث عنها الحكومة٬ إذا كانت لم تستطع الالتزام بخطة سنوية مقدرة بقانون -الموازنة العامة – وهي غير قادرة على استيعاب المنحة الخليجية ضمن شروطها بمشاريع تنموية. فقد انفقت الحكومة وللسنة الثانية على “ابنية وخلطات اسفلتية” من المنحة الخليجية تحت باب النفقات الرأسمالية في الموازنة٬ وبشكل مخالف لشروط المنحة. ولدى التدقيق بمدى التزام الحكومات الأردنية بمؤشرات الخطط الاقتصادية٬ نتعرف على النتائج البائسة للخطة الاخيرة٬ للأعوام الخمسة الماضية 2009 ¬ 2013 التي وضعت من قبل حكومة سابقة٬ ولا فرق بين حكومة وأخرى في بلادنا ما لم يطرأ تبدل ملموس في النهج السياسي والاقتصادي٬ والتي تضمنت زيادة النمو الحقيقي في الناتج المحلي الاجمالي من 2.8 % الى 6 % ما يزال معدل النمو الاقتصادي يراوح مكانه دون أي تقدم منذ عام الخطة ٬2009 علما أن نسبة النمو المعلنة رسميا لامست نسبة النمو السكاني في البلاد٬ وبالتالي لا يوجد أثر اجتماعي للنمو الاقتصادي. كما استهدفت الخطة تخفيض عجز الموازنة قبل المساعدات من 11 % إلى 3 % من الناتج المحلي الاجمالي٬ وبدلا من الانخفاض ارتفع العجز ليصل الى حوالي 13 % في العام 2013 حيث شهدت موازنة الدولة ¬ الحكومة المركزية والوحدات الحكومية ¬ “المؤسسات” زيادة ملحوظة في السنوات الاخيرة٬ ولم تغط الايرادات المحلية سوى 60 % من النفقات العامة للدولة٬ على الرغم من قيام الحكومات المتعاقبة بفرض ضرائب جديدة غير مباشرة على المواطنين٬ فقد استحدثت ضريبة مبيعات وضريبة خاصة على المشتقات النفطية وصلت نسبتها إلى 42 % على بنزين اوكتان 95 و 24 % على بنزين اوكتان ٬90 وزيادة الضرائب على الاتصالات والملابس٬ وتم الغاء الدعم على بعض السلع الامر الذي فاقم الاوضاع المعيشية للمواطنين٬ دون أن يترك أثرا ايجابيا على عجز الموازنة. واستهدفت الخطة تخفيض الدين العام إلى 56 % من الناتج المحلي الاجمالي٬ والنتيجة ارتفاع نسبة الدين العام إلى حوالي 85 % من الناتج المحلي الاجمالي٬ متجاوزة قانون الدين العام الذي حدد سقفها بـ 60 %. وتضمنت الخطة تخفيض معدلات التضخم لتصبح 3 % في نهاية الخطة٬ كانت النتيجة ارتفاع معدلات التضخم إلى 5.5 %. وبدلا من تخفيض عجز الحساب الجاري من 8 % إلى 6.9 % من الناتج المحلي الاجمالي٬ ارتفع العجز إلى 10 %. وبذلك يمكن القول ان الخطة فشلت فشلا ذريعا ليس في تحقيق اهدافها فحسب بل بوقف تدهور الوضع الاقتصادي. وقد دفعت الجماهير الشعبية ثمنا غاليا لهذه السياسات٬ فقد اسهمت بتوسيع دائرة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى. ومع ذلك لم تسهم الاجراءات التقشفية بتخفيض عجز الموازنة. الفصل الأول رؤية الأردن 2025 استهل الملخص التنفيذي بيانه في الحديث عن الإنجازات التي حققتها الحكومات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي٬ وللدلالة على هذه النجاحات أورد التقرير ما يلي: “ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 1512 دينارا العام 2004 ليبلغ نحو 3670 دينارا العام ٬2014 كما استثمر الأردن موارد كبيرة في مرافق البنية التحتية الأساسية التي تخدم المواطنين٬ ونجح في تحقيق إنجازات مهمة على سلم التنمية البشرية !!” 

من الصعب الحديث عن إنجازات اقتصادية خلال العقد الأخير؛ والجميع يعلم حجم الاخفاقات التي شهدتها السياسات المالية والاقتصادية٬ سواء ما يتعلق بتراجع معدلات النمو الاقتصادي او تفاقم عجز الموازنة٬ وارتفاع عجز الميزان التجاري. وارتفاع المديونية. ويمكن التعرف على حجم الإخفاقات التي شهدها الاقتصاد الأردني من خلال المؤشرات الرئيسية للأعوام ٬2013¬2004 وهي الفترة التي استشهد بها التقرير الحكومي للتدليل على النجاحات. فقد تراجع النمو الاقتصادي من 7.7 % إلى ٬% 2.8 كما تراجع الحساب الجاري من عجز مقداره 210 ملايين دينار العام 2004 إلى عجز قيمته 2385 مليون دينار العام 2013. وبنسبة 2.6 % من الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 %. وقفز العجز في الميزان التجاري من 30 % إلى 42 % من الناتج المحلي الإجمالي. وتضاعف عجز الموازنة وارتفعت المديونية إلى ثلاثة اضعاف. وقد تركت هذه السياسات اثارها على الواقع الاجتماعي٬ من اتساع مساحات الفقر وتردي الأوضاع المعيشية٬ وانهيار القيمة الفعلية للأجور٬ كما أظهرت دراسة رسمية متخصصة أن الطبقة الوسطى تآكلت٬ وباتت تشكل 29 % من إجمالي عدد السكان حتى العام 2010 مقارنة مع ما نسبته 41 % في العام 2008. وللتعرف على الطبقة الوسطى في الأردن وفق الدراسة المقدمة من دائرة الإحصاءات العامة مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي٬ ” تتكون من الأفراد الذين يبلغ نصيبهم من الإنفاق السنوي بين ضعفين وأربعة أضعاف خط الفقر”٬ علما أن خط الفقر حوالي 68 دينارا شهريا للفرد٬ وفقا لدراسة حالة الفقر في الأردن للعام ٬2010 الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة. اما النتائج الكارثية التي حلت على البلاد بفضل ما يسمى بسياسة التخاصية التي افقدت الدولة مؤسسات وطنية أقيمت بجهد وعرق الأردنيين على مدى عدة عقود٬ وافقدت الدولة قوة وزخما اقتصاديا وماليا٬ هل تدخل ضمن النجاحات التي تحققت!؟ في حين كشفت دراسة التخاصية الصادرة عن اللجنة المكلفة برئاسة د. عمر الرزاز عن عيوب وثغرات خطيرة٬ لعدم الالتزام بالمعايير والنصوص القانونية والدستورية لعدد غير قليل من الإجراءات التي تمت في هذا المجال. وفي نهاية المطاف انفقت عائدات التخاصية دون الاستفادة منها باستثمارات جديدة٬ وهذا لا يعني الاعتراض على الجوانب الإجرائية في موضوع التخاصية٬ بل يتعداه الى رفض خصخصة الأصول. كما تراجعت تنافسية الاقتصاد الأردني. وانخفضت حصة الصادرات من السلع والخدمات من 48 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2004 إلى 42 % في العام ٬2014 انعكس هذا على اتساع العجز في الميزان التجاري فبلغ رقما قياسيا بنحو 9907 ملايين دينار مليون في العام ٬2014 ويعتبر ارتفاع العجز التجاري من اهم التحديات التي تواجه ميزان المدفوعات حيث يستورد الأردن 81 % من احتياجاته من الغذاء ويشكل العجز في الميزان التجاري ما نسبته 41.5 % من الناتج المحلي الإجمالي٬ نظرا لارتفاع مستوردات المملكة وانخفاض مساهمة الصادرات. اما الاستشهاد بارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يعني الكثير بالنسبة للدخل الحقيقي للمواطنين٬ فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عبارة عن معدل يخفي التوزيع الحقيقي للدخل في المجتمع. وان السياسات المالية والضريبية وسياسة الحماية الاجتماعية وسياسات الأجور والعمل تحدد ان كان التوزيع عادلا لمنافع النمو الاقتصادي ام لا. لذا فإن طريقة احتساب دخل الفرد لا يعكس بحال من الأحوال الواقع الملموس لسببين: الأول: لا يصلح استخدام هذا المؤشر لمعرفة الأثر الحقيقي للتنمية على الشرائح الاجتماعية٬ فتقسيم الناتج المحلي الاجمالي على عدد السكان بشكل متساو أسلوبُ مضلل٬ كالموظف الصغير الذي يقول ان راتبه وراتب المدير 6300 دينار دون مراعاة الفرق٬ الذي يصل الى عشرين ضعفا٬ ويعود ذلك الى ان توزيع مكتسبات التنمية غير عادل؛ بدليل اتساع الفجوة بشكل ملموس بين الشرائح الاجتماعية خلال العقد الأخير٬ وازدياد عدد الفقراء وتآكل الطبقة الوسطى كما سبق وأشرنا. وتعترف الوثيقة الاقتصادية بتراجع الأداء الحكومي٬ رغم زيادة الانفاق العام للدولة (31.3 % من الناتج المحلي للعام 2014) حيث تؤكد الوثيقة ان القطاع العام يعاني من زيادة الموظفين وتدني مستويات الفعالية الإنتاجية٬ من المسؤول عن ذلك٬ اليس النهج السائد؟ ثانيا: ان زيادة نصيب الفرد المبنية على زيادة الناتج المحلي الاجمالي التي استشهدت به الرؤية؛ هي بالأسعار الجارية٬ والتي لا تراعي عادة معدلات التضخم٬ والتي بلغت خلال السنوات العشر الماضية وبشكل تراكمي نحو 50 % مما يفقد النجاحات المزعومة قيمتها. ثالثا: اما العبارات العامة والفضفاضة التي تشير إلى استثمار موارد كبيرة في البنية التحتية الأساسية٬ لا تعكس نتائج ملموسة فالمجتمع المحلي يعاني من مشاكل متعددة منها بنية تحتية متهالكة في بعض جوانبها؛ يكفي الإشارة الى نسبة الفاقد في المياه والواردة في التقرير (تفقد شبكة المياه نحو 41 % من الامدادات المتوفرة اليومية من خلال التسريبات والسرقة) في بلد من افقر بلدان العالم في المياه٬ الا يعتبر ذلك تقصيرا تحاسب عليه الحكومة٬ الا يحتل معالجة هذه الكارثة المائية أولوية في الانفاق٬ الا يستحق توجيه جزء من المنحة الخليجية لبناء شبكة جديدة٬ وفرض سلطة القانون لوقف هدر المياه. إضافة إلى ارتفاع تكلفة الطاقة بسبب التقاعس والبطيء والتأخير في تنفيذ الرصيف واحضار الباخرة العائمة لاستقبال الغاز المسال٬ وعدم استثمار موارد البلاد في الطاقة المتجددة والصخر الزيتي لتجاوز ازمة الطاقة٬ وافتقار البلاد إلى شبكة نقل عامة “سكك حديدية” بين ميناء العقبة الحيوي والمدن الأردنية الرئيسية٬ ليسهم بتخفيض التكلفة وتوفير الطاقة٬ وحماية الطريق الصحراوي من المثقلات٬ إضافة إلى معاناة المدن الأساسية وخاصة العاصمة من الاختناقات المرورية التي تعكس حالة العشوائية وغياب التخطيط. تدعي الوثيقة ان أهم ما تسعى الرؤية لتحقيقه هو رفاه المواطن وتحسين الخدمات الأساسية المقدمة اليه٬ وصولا الى مجتمع متوازن تتاح فيه الفرص لكافة الشرائح ويتم فيه تجسير الهوة بين المحافظات. وتضع الرؤية المواطن الأردني في قلب العملية التنموية٬ اذ يقاس النجاح والفشل استنادا إلى مدى تحقيق التقدم على مستوى الافراد٬ وبالتالي رفاه المجتمع!! ان المقاربة التنموية المقترحة تهدف الى تحقيق الاستقرار وتخفيف الاعتماد على الخارج تضحيات لا بد منها على المدى القصير وصولا الى الاستدامة. لنرى أثر بعض الخدمات. التعليم: اعترفت الوثيقة ان الأردن من اقل البلدان المختارة إنفاقا على التعليم الابتدائي والثانوي. وهناك شكاوى متعددة حول التعليم الجامعي سواء ما يتعلق في البرامج والمعلومات التي تقدمها الجامعات٬ وعدم مواكبتها للتقدم العلمي والمعرفي٬ مقارنة بما هو متوفر بواسطة وسائل الاتصال الإلكتروني٬ ووجود شكوى بان الجامعات لا تؤهل الخريجين بالمهارات والتدريب اللازم والمناسب لسوق العمل. إضافة الى التركيز على التعليم الأكاديمي بدلا من التعليم التقني٬ اذ يدرس نحو 13 % فقط من الطلاب في نظام التعليم العام تخصصات مهنية وذلك اقل بكثير من النسب السائدة في دول مماثلة. هذا يعني وجود عدد كبير من الخريجين الذين ينضمون فور تخرجهم إلى صفوف العاطلين عن العمل. مما يعكس غياب الخطة التنموية الشاملة٬ ومن أولى مهام الجامعات الوطنية اعداد الكوادر العلمية والمهنية وفق احتياجات التنمية الاقتصادية٬ فالجامعات الأردنية تخرج أكثر من 50 ألف طالب سنويا٬ ما يعني ان المشروع التنموي الحقيقي يفترض ان يبدأ من المدارس الثانوية والمعاهد المهنية والجامعات الأردنية٬ في اعداد وتأهيل الخريجين وفق احتياجات التنمية الاقتصادية. وتشير الأبحاث التي أجريت في إطار الاعداد للاستراتيجية الوطنية للتشغيل الى ان هذا النقص في الرضا عن خريجي الجامعات يعود الى ان المناهج وطرق التدريس في الجامعات لا تركز بالدرجة الأولى على احتياجات سوق العمل. اين دور الدولة؟ الرعاية الصحية: أوردت الوثيقة في صفحة 41 حول الرعاية الصحية؛ “ويشكل تقديم الخدمات الرئيسية للمجتمع جزءا رئيسيا من عمل الحكومة٬ ويعتبر شكلا مهما من اشكال التواصل بين الحكومة والمواطنين. وقد ارتفع الانفاق العام على الرعاية الصحية إلى 6.2 % من الناتج المحلي الاجمالي في العام 2013 على نحو يقارب ماُينفق في سويسرا تقريبا 7 % وفنلندا 6.9 %”. لم أتوقع يوما ان نسبة إنفاق الأردن على الرعاية الصحية بمعدل إنفاق اهم الدول الأوروبية. !! فإن مجموع النفقات العامة لوزارة الصحة للعام 2013 نحو 500 مليون دينار٬ ونفقات الخدمات الطبية الملكية 178.5 مليون دينار والقيمة الاجمالية 678.5 مليون دينار٬ ومع إضافة ما تنفقه مستشفيات الجامعات الحكومية٬ والمبين في الجدول رقم 12 في الموازنة٬ الذي يتضمن التصنيف الوظيفي للنفقات العامة للعام 2013 والبالغ قيمته الاجمالية نحو 723.4 مليون دينار٬ وبما ان الناتج المحلي الإجمالي للعام 24260) 2013) مليون دينار٬ وبالتالي تقدر نسبة إنفاق الدولة على القطاع الصحي حوالي 3 % من الناتج المحلي الإجمالي. وفي ضوء الفروقات الشاسعة بين النفقات الحكومية الحقيقية والأرقام المعلنة في الوثيقة٬ وبعد الاستفسار من جهات معنية٬ علمت بأن خطأ ما ورد في الوثيقة٬ وان الأرقام الواردة تضمنت نفقات القطاع الخاص بالإضافة الى نفقات الحكومة٬ علما ان النص الحرفي للوثيقة لا يعني ذلك. الفصل الثاني: رؤية الأردن العام 2025 يقدم الفصل الثاني التوجهات الحكومية لتحقيق “الخطة” الرؤية الاقتصادية٬ متضمنا التوجه الحكومي لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي٬ واتخاذ عدد من الإجراءات والمبادرات على المستوى القطاعي خصوصا القطاعات الواعدة وذات القيمة المضافة العالية٬ لتحقيق تنمية مستدامة تساهم في تخفيض معدلات البطالة والفقر وزيادة معدلات المشاركة الاقتصادية٬ وبخاصة في أوساط الشباب والمرأة وفق ما ورد في الوثيقة. ويستهدف هذا السيناريو زيادة معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي الى ما نسبته (7.5 %) في العام 2025 مقابل نمو نسبته 3.1 % في العام ٬2014 وتتضمن الرؤية العشرية ان العام 2025 لا عجز في موازنة الحكومة والوحدات الحكومية٬ وتخفيض المديونية الى 47 % من الناتج المحلي الإجمالي كما هو مبين في الجدول رقم (2).
لا املك سوى التمنيات للخطة الحكومية التي ستقدم للأردن موازنة بلا مساعدات وبلا عجز٬ لكنني لا ارغب في الوقت ذاته ان أكون جزءا من رؤية طوباوية. صحيح ان لا شيء مستحيلا٬ وان الدولة الأردنية تمتلك من الثروات ما يؤهلها لتحقيق برنامجا تنمويا يشكل رافعة لنقلة نوعية٬ شريطة توفر الإرادة السياسية٬ تبدأ بسلسلة من الإصلاحات السياسية. ووفق “الخطة” ستنخفض معدلات البطالة لتبلغ ما نسبته 9 % في العام 2025 مقارنة بما نسبته 12.6 % في العام ٬2013 كذلك ستنخفض معدلات الفقر لتبلغ ما نسبته 8 % بحلول ٬2025 مقابل ما نسبته 14.4 % في العام ٬2010 والقضاء على الفقر المدقع في العام 2019. وتكشف التفاصيل ان معدلات الفقر في المحافظات التالية أعلى بكثير من المعدل العام: محافظة معان 26.6 % ومحافظة الطفيلة 25.6 % ومحافظة عجلون 25.6 % ومحافظة جرش 20.3 % ومحافظة المفرق 19.2 % ومحافظة العقبة ٬% 19.2 “والخطة” ستخفض نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر في ٬ % 19 ٬% 19 ٬% 20 الى ٬2025 العام في المذكورة المحافظات 14.8 ٬% 14.8 ٬% 14 % على التوالي. أي نصف محافظات المملكة ستحافظ على نسبة 15 إلى 20 % من السكان يعيشون تحت خط الفقر في حال نجاح الرؤية الاقتصادية٬ ما يعكس خللا خطيرا في البعد الاجتماعي للرؤية حتى في حال نجاحها !٬ علما ان المعلومات المقدمة من الجهات الرسمية٬ تستند الى معطيات العام ٬2010 إضافة الى وجود دراسات رسمية تؤكد وجود نسب أعلى من الأرقام المقدمة٬ ويكفي الإشارة الى ان 44.7 % من الأسر الأردنية دخلها اقل من 500 دينار شهريا وفقا لجدول توزيع دخل الأسر حسب فئات الدخل٬ في تقرير مسح ونفقات دخل الأسرة للعام 2010 الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة. ويعادل هذا الدخل حد الفقر لأسرة تتكون من 7 افراد٬ وفقا لتقرير حالة الفقر في الأردن استنادا لبيانات مسح نفقات ودخل الأسرة للعام 2010 الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة والتي تحدد حوالي 68 دينارا حد الفقر للفرد. وما تعنيه هذه الأرقام من اخطار حقيقية على تماسك المجتمع المحلي نتيجة الاحتقانات الاجتماعية٬ خاصة في ظل منطقة ملتهبة في محيطنا العربي وقودها الفقراء وافكارها ظلامية اقصائية تدميرية. لا أريد التوقف عند نسبة معدلات النمو المستهدفة٬ التي ستعيد وتائر النمو الاقتصادي الى ما كانت عليه قبل العام 2009. وهي نسبة معقولة لدولة نامية من حيث المبدأ٬ لكن من المفيد التدقيق بالآثار الاقتصادية والاجتماعية للنمو الاقتصادي. ويبن الجدول رقم (3) ان القطاع الخدمي سيتراجع بنسبة 10 % خلال السنوات العشر لصالح القطاعات الانتاجية٬ اما قطاعا الصناعة والزراعة بنسبة ٬% 20 وقطاع الانشاءات بنسبة ٬%38 وهي تحمل تحولا إيجابيا بتفوق معدلات النمو للقطاعات الإنتاجية٬ لكن هذا يستدعي خطوات ملموسة لتحقيق هذه النتائج. لنتوقف عند الخطوات والاجراءات المعلنة لتحقيق هذه الأهداف٬ تعتبر “الخطة” القطاع الخاص المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي في الداخل ولتشجيع الصادرات. لا أحد ينكر دور القطاع الخاص٬ وهو شريك استراتيجي في بناء الاقتصاد الوطني. كما يتطلب دور مباشر للدولة الى جانب القطاع الخاص٬ ففي البلدان النامية لا تنمية اقتصادية بدون دور نشط ومباشر للدولة. تناشد الخطة قادة ورجال الأعمال اتخاذ قرارات بشأن المنتجات التي يمكننا تصنيعها لغايات التصدير٬ الى جانب قطاع الخدمات٬ مثل حلول تكنولوجيا المعلومات والسياحة والرعاية الصحية والتعليم٬ والاختبار الجوهري لشركاتنا واقتصادنا٬ وهو لماذا سيشتري العملاء في الخارج من الأردن بدلا من التوجه في الطلب الى أماكن أخرى: موجهة المواعظ والنصائح للقطاع الخاص بشكل ساذج وسطحي: “لماذا مستشفيات دول الخليج تشتري الدواء الأردني بدلا من الهندي٬ ولماذا سنستمر بتصدير الفوسفات٬ ولماذا سيختار السائح الأوروبي والآسيوي الأردن٬ ولماذا سيختار الطالب الدراسة في الأردن”٬ فالقطاع الخاص لا يحتاج لمثل هذه التوجيهات وهو اذكى واقدر على البحث عن أسواق لمنتجاته من جهاز الدولة٬ وهو يسعى للحصول على إجراءات محددة وملموسة لتعزيز تنافسية منتجاته من خلال توفير الطاقة بأسعار مناسبة٬ وتوفير عمالة مدربة وماهرة٬ وتشريعات اقتصادية محفزة٬ وإدارة حيوية فاعلة بعيدة عن الروتين والبيروقراطية القاتلة٬ وشفافية توفر الأمان لاستثماراته٬ بعيدا عن الفساد المالي والإداري٬ وقضاء مستقل ونزيه وديمقراطية يكفلان حقوقه. من الضروري ان ينصب عمل “الخطة” على توفير احتياجات الدولة والمجتمع الأردني٬ لسد احتياجات السوق المحلي٬ وتخفيض فاتورة الاستيراد الخارجي من خلال توفير الأمن الغذائي٬ لا يعقل ان تعتمد الدولة في احتياجاتها الغذائية على 81 % من الصادرات الخارجية٬ سيما وان الوثيقة تعترف بأن العجز التجاري يشكل أحد اهم التحديات التي تواجه الدولة. ولكي يتحقق نمو في القطاعات الإنتاجية الزراعة والصناعة٬ لا بد من اختيار مشاريع استثمارية محددة في هذه المجالات والقيام بتنفيذها بشكل مشترك بين القطاعين العام والخاص٬ والتركيز على قطاعات الطاقة والمياه والنقل٬ إضافة الى المشاريع الإنتاجية التي تعتمد على الثروات المحلية. وتطوير القطاع الزراعي بما يخدم تحقيق الأمن الغذائي. اما الاثر الاجتماعي للخطة فهو متواضع ومحبط أيضا٬ ولا يرقى لمستوى التحديات٬ فهي تستهدف تخفيض معدلات البطالة إلى 9.17 % بعد عشر سنوات٬ أي “خطة” جادة تستطيع توفير حلول ملموسة لقضية البطالة التي يفترض ان تحتل سلم الأولويات٬ وذلك من خلال استهدافين؛ الأول: اعداد وتدريب٬ وإعادة تأهيل العمالة الأردنية٬ ومراجعة التخصصات الجامعية والمناهج وصولا لمخرجات التعليم بما يتناسب واحتياجات السوق المحلي٬ والنمو الاقتصادي المستهدف٬ وإحلال العمالة الأردنية مكان العمالة الوافدة٬ وتوفير شروط استخدام تتناسب مع احتياجات الأسرة المعيشية. خاصة إذا ما اخذنا بعين الاعتبار ان العاطلين عن العمل يشكلون حوالي ثلث العمالة الوافدة. والاستهداف الثاني تخفيض معدلات الفقر إلى 8 % وهي تعكس الرؤية القاصرة في معالجة قضية البطالة من جهة٬ ومن جهة اخرى تظهر استمرار النهج السائد في التوزيع غير العادل للثروة٬ والتوسع في السياسة الضريبية غير المباشرة٬ التي تسهم بإفقار أصحاب الدخول المتدنية٬ والامعان بسياسات تقليص الانفاق على الخدمات العامة٬ ورفع الدعم عن المواد الضرورية مثل الخبز والمياه. وقد برز هذا من خلال توجه الحكومة نحو توسيع دور القطاع الخاص في “البنية التحتية الناعمة” مثل المدارس والمستشفيات. والقيام بمشاريع مشتركة من اجل تقاسم المخاطر والمنافع المالية على نحو متناسب. ان توجه الدولة نحو التخلي عن دورها الاجتماعي٬ وخاصة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم٬ وتحويل هذه الخدمات على أسس تجارية من أخطر التوجهات الواردة في “الخطة” وما يرافقها من التخلي عن دعم المواد الضرورية. علما ان هذه المهام من أولى اولويات الدولة التي تحصل الضرائب٬ فمن المعروف ان حوالي 70 % من الايرادات المحلية من جيوب المواطنين٬ ومن اهداف السياسة الضريبية إعادة توزيع الدخل٬ وتحقيق العدل٬ وتأمين التعليم والرعاية الصحية للمواطنين كافة.
* خبير اقتصادي