عكست نتائج انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب في التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي تراجع شعبية الرئيس الأمريكي أوباما. ومن المتوقع أن يدخل الكونغرس في صراع مع البيت الأبيض بعد هيمنة الجمهوريين عليه حول عدد من الملفات الرئيسية، أقلها من باب المناكفة والعرقلة. صحيح أن أوباما فشل في الخروج من الأزمة، وبقي الاقتصاد الأمريكي تحت رحمة التحفيز الاقتصادي الممول بالقروض الذي فاقم المديونية، لكن هذا لا يعني أنّ الحزب الجمهوري يملك برنامجًا لإخراج الاقتصاد الأمريكي من الأزمة. على الرغم من أن نجاح الجمهوريين جاء على خلفية دعوتهم في مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.
إنّ الحزبين فشلا فشلا ذريعًا في مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية. فقد غادر بوش الابن وحزبه الجمهوري البيت الأبيض في نهاية عام 2008 تاركًا وراءه اقتصادًا منهارًا، بعد ما تسببت سياساته بإشعال الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ودفع العمال والفقراء والمهمشون في أنحاء المعمورة ثمنا باهظا لسياساتهم الرعناء. وقبل مغادرتهم البيت الأبيض قذفوا ملايين العمال إلى سوق البطالة. وفي هذا الصدد يقول وزير الخزانة الأمريكي السابق تيموثي غيثنر “عندما بدأت الأزمة المالية تضرب قواعد الاقتصاد الحقيقي تمحورت الأزمة من مشكلة نقص في السيولة وعزوف أصحاب رؤوس الأموال عن استثمارها، إلى أزمة اقتصادية طاحنة أعادت للأذهان أحداث الكساد العالمي العظيم. فقد أخذت معدلات البطالة بالتصاعد على نحو خطير، وبدأ سوق العمل الأمريكي يفقد شهريًا أكثر من 750 ألف وظيفة”.
كما وقف ملايين المشردين في طوابير طويلة للحصول علي كوبونات المعونات الغذائية, حيث كشفت البيانات الرسميّة النقاب عن وجود 32.2 مليون شخص يعيشون علي كوبونات الغذاء, في الأعوام الأولى للأزمة، ومع انهيار صناعة السيّارات في ديترويت أعقاب الأزمة الاقتصادية وتسريح غالبية العمال، لم يبق من عمالقة صناعة السيّارات سوى عدد من المصانع التابعة لجنرال موتورز وكرايسلر بسبب غزو السيّارات اليابانية للسوق الأمريكية. وتراجع الاقتصاد الحقيقي لصالح ما يعرف بسياسات التوريق (الاقتصاد الوهمي) والمضاربات في البورصات العالمية. فمن الناحية الموضوعيّة يفترض أنّ ملايين المقهورين من الأمريكيين غير معنيين بالتصويت لأي من الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري، بسبب سياساتهم الطبقية المعادية للفقراء ومسؤوليتهم المباشرة عن الأزمة المالية والاقتصادية، ومع ذلك لم نسمع بحزب ثالث يحصد أصوات جماهير الفقراء ضحايا الأزمة الاقتصادية، ويعبّر عن مصالحهم الاجتماعية والسياسية، مما يضع علامات استفهام على الديمقراطية البرجوازية وخاصة في دولة مثل الولايات المتحدة الامريكية، التي تراوح الديمقراطية فيها بين حزبي الاحتكارات الرأسمالية.
أنّ التحديات المتوقعة في قادم الأيام تتطلب سياسات وأحزاب من نوع جديد لتجنيب البشرية كوارث اجتماعية، فقد أصبحت قضايا الفقر والبطالة وتمركز الثروة وغياب العدل والمساواة تحتل المقام الأول في العالم، ومن المتوقع أن تتسع الفجوة بين الفئات الاجتماعية مع دخول العالم الحقبة الجديدة التي اطلق عليها “الثورة الصناعيَّة الرابعة” باستخدام “الآلات الذكيَّة”، التي ستحلّ مكان الإنسان في مجالات نشاط العمالة غير الماهرة وقليلة المهارة، ويقول المؤرِّخ الروسيّ شامل سلطانوف رئيس مركز روسيا والعالم الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيَّة. “دخلنا في المنطقة الحدوديَّة التي تربط بين الحاضر والقادم من المستقبل – الجيل التكنولوجيّ السادس، الذي بدأت معالمه التهديديَّة تظهر بالفعل، في مكانٍ ما… جيل هائل، وشامل، وممنهج، ويقوم على عمليَّات تطوير واسعة النطاق يستند في أساسه على التكنولوجيا الحيويَّة، والهندسة الوراثيَّة، وشبكات المعلومات الذكيَّة، والـمُوصِلات الفائقة، والطاقة النظيفة، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات الأغشية والكم، والضوئيَّات، والميكانيكا الدقيقة، والطاقة الانصهاريَّة. ومن المتوقع ان يكون جاهزًا في أواسط عشرينيات القرن الحالي”.
إن استخدام هذه “الروبوتات” سوف يوفر زيادة كبيرة في إنتاجيَّة العمل في مختلف المجالات من الصناعات التحويلية إلى الطاقة والنقل والرعاية الصحيَّة، وسيوفر فرصة كبيرة لتسريع النمو الاقتصاديّ وتحقيق وفرة كبيرة في الإنتاج، وبالمقابل يقذف بمئات الملايين من العمال خارج المصانع، لينضموا إلى جيش العاطلين عن العمل، وسيختفي دور الجزء الأهم من الطبقة الوسطى، التي كانت وما زالت تشكل القوة الدافعة الرئيسيَّة في الاقتصادات العالمية، وستصبح فائضة عن حاجة الجيل التكنولوجيّ السادس.
هذه المعطيات تضع العالم أمام خيارين لا ثالث لهما إمّا استمرار تمركز الثروة بين أيدي حفنة من الأثرياء، والتخلص من ملايين البشر عن طريق الحروب وابتكار الوسائل المختلفة لتخفيض سكان الأرض، والاحتفاظ باحتياجات الاحتكارات الرأسمالية في عملية الإنتاج، والخدمات الضرورية لرفاهيتها. وإمّا التخلص من الاستغلال البشع الذي تتعرض له البشرية وإقامة نظام اجتماعي خالِ من الاستغلال ويحقق العدل والمساواة بين البشر، مستفيدين من الموارد المتزايدة التي توفرها تكنولوجيا المعلومات بإنهاء حالات الفقر على الكرة الأرضية، واستثمار العلم في التخلص من الأمراض والأوبئة وتوفير الرعاية الصحية للبشرية جمعاء، وتحقيق السلم والعدل والمساواة.