التجارة العربية في ظل العولمة الرأسمالية

لم تستطع البرجوازية الوطنية في معظم البلدان النامية وفي عدادها البلدان العربية من القيام بدور قيادي في تنمية الموارد الاقتصادية والاجتماعية, ولم تعد مؤهلة في هذه المرحلة من اعادة نشاطها ضمن المفهوم السابق لدور البرجوازية الوطنية, فهي تكيفت مع الدور المتواضع الذي جاء ضمن افرازات النظام العالمي الجديد في تسويق منتجات النظام الرأسمالي ممثلي الشركات والوكالات الاجنبية »الكمبردور« والاندماج بالنظام الرأسمالي ضمن شروط التبعية, في ظل التوسع الرأسمالي الذي شهده العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وعلى الصعيد العربي على الرغم من اهمية الثروات العربية التي تشكل اهم مصادر الطاقة في العالم وشريان الصناعة الغربية الا ان الدول العربية لم تستطع وضع الوطن العربي على مساق الدول التي تفرض احترامها على العالم, كما لم تستطع بناء اسس الدولة الحديثة على الرغم ان سكان الوطن العربي يتجاوز الثلاثمائة مليون نسمة والناتج المحلي الاجمالي بلغ 870 بليون دولار عام 2004 فما زالت الامية متفشية في الوطن العربي اذ بلغت معدلاتها بنحو 39% من اجمالي السكان, وذلك حسب التقرير الاقتصادي لجامعة الدول العربية, مما يعكس حالة التخلف التي تعاني منها معظم الدول العربية بما فيها الدول النفطية , وتقدر القوى العاملة العربية بحوالي 115 مليون عامل في عام ,2003 وما تزال الدول العربية كمجموعة تسجل ادنى معدلات لمشاركة المرأة في سوق العمل بين الاقاليم الرئيسية في العالم, حسب نفس المصدر اما الايرادات العامة لمجموع الدول العربية بلغت 274.8 بليون دولار عام 2004 شكلت الايرادات النفطية 65% منها حسب نفس المصدر, مما يعكس ضعف الاقتصاد العربي وهشاشته اذا ما استثنينا الايرادات النفطية خاصة اذا ما علمنا ان الصادرات الزراعية تشكل 27.4% من الواردات الزراعية, وان نصيب الزراعة من الناتج المحلي الاجمالي كالحبوب والبقوليات يتم استيرادها من الخارج على الرغم من المناطق الزراعية الشائعة وسلة الغذاء العربي في حالة غيبوية, والامن الغذائي المعدوم, كما هو الحال في الامن القومي, وما زال ربع السكان محرومين من شرب المياه المأمونة.
كما تراجعت مكانة الدول العربية في التجارة الخارجية بشكل ملموس في الفترة ما بين 1980 و 1998 ففي الوقت الذي ارتفعت النجارة الخارجية العالمية والصادرات والواردات السلعية من 3802 مليار الى 10635 مليار اي بزيادة قدرها 180% نلاحظ ان التجارة الخارجية العربية قد انخفضت خلال نفس الفترة من 347 مليار دولار الى 290 مليار دولار وبذلك تراجعت حصة التجارة العربية من 9.1% الى 2.7% من التجارة العالمية, كما سجلت الموازين التجارية العربية عجزا مقداره ستة مليارات دولار عام 1998 في حين سجلت فائضا مقداره 123 مليار دولار عام ,1980 وذلك حسب معطيات التقرير الاقتصادي الصادر عن الجامعة العربية في ايلول ,2000 والسبب في ذلك يعود للاعباء الثقيلة التي تحملتها الدول العربية النفطية في حرب الخليج, والكلف الباهظة للتسليح, كما لوحظ تطورا ملموسا في العلاقات التجارية بين الدول النفطية والدول الاوروبية والامريكية والاسيوية, في حين شهدت التجارة العربية البينية ترديا ملحوظا, ان حجم التجارة العربية البينية في عام 1999 قدرت بحوالي 8.6% فقط من التجارة الخارجية الكلية وتشير المعلومات ان ربع تجارة الاردن الخارجية تعتمد على التجارة العربية على الرغم من التراجع الملحوظ في الفترة 1989-1999 في حصة الاردن البينية مقارنة بالتجارة العربية البينية من 10.9% الى 5.2% وذلك لاعتبارات سياسية ناجمة عن تأزم العلاقات العربية ابان حرب الخليج وقد استمرت معدلات التجارة العربية البينية ضمن مستوياتها بحدود 8.9% خلال العشر سنوات الماضية حسب نشرة المعهد العربي للتخطيط الصادرة في نيسان 2005 في الكويت, واستنادا لنفس المصدر ان الصادرات النفطية تشكل حوالي 50% من الصادرات العربية والمواد الكيماوية 17% بينما الالات ومعدات النقل تشكل 5% والاغذية والمصنوعات المختلفة 28%.
هذه بعض المظاهر المأساوية للواقع العربي وهذا هو حال الامة العربية بفضل غياب الديمقراطية, وتحكم قلة قليلة بمقدرات وثروات الوطن العربي التي هي ملك للامة وللاجيال القادمة. فالامانة الوطنية والقومية تقتضي استثمار هذه الثروات بمشاريع استراتيجية لبناء تكتل اقتصادي عربي يشكل محورا اساسيا لاتحاد عربي يرى النور على غرار التكتلات العالمية فلم تتحقق طموحاتنا ضمن رؤية قطرية محدودة في ظل عالم تسوده التكتلات الاقتصادية الضخمة, وفي ظل التحدي الصهيوني التوسعي وهنا تبرز من جديد اهمية موضوع المشروع العربي الحضاري التنويري لتحقيق برنامج اصلاح بنيوي لكافة الهياكل والنظم في المجتمع العربي وفي مقدمتها مشروع ثقافي يسهم في انتشال الوطن العربي من حالة التخلف والتبعية, يخرج من صميم الامة ويسهم في ربط الواقع بالحداثة, ويحمل برنامجا ديمقراطيا يؤمن الحرية والكرامة الشخصية للمواطن اولا, لا شك ان مشروعا كهذا امامه عوائق وصعوبات كبيرة ليس فقط من قبل اعداء الامة, بل من داخل الامة نفسها فالثروة الهائلة المكدسة بأيدي حفنة من الاغنياء وكذلك بين بعض الدول ووجود الفقر والمعاناة للطبقات المعدومة في الوطن العربي بالاضافة الى العديد من الملفات العالقة بين الاقطار العربية والتي تشكل حالات توتر تصل احيانا الى حد القطيعة, لذلك لا بد من التفكير بخطوات تدريجية تنطلق من القواسم المشتركة لانشاء بنى اقتصادية يمكن ان تتطور الى بناء تكتل اقتصادي قابل للحياة والتلاقي مع المشروع النهضوي الحضاري.
لكل هذه الاعتبارات تقتضي اهمية طرح مشروع وطني ديمقراطي تقدمي من قبل الفئات والشرائح الاجتماعية المتضررة من هذا النهج وهي تمثل الاغلبية الساحقة, يحمل مهام وطنية لم تنجزها البرجوازية في بلادنا ليس في الجوانب الاقتصادية فحسب. وكذلك في الجوانب السياسية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير وتحقيق الديمقراطية وتداول السلطة.
وفي افق اجتماعي يحقق العدالة الاجتماعية وما يميز المرحلة الجديدة ان قضية التغيير الاقتصادي والاجتماعي والتصدي للاستغلال والاستلاب والتمييز اخذت مسارا جديدا بخطوات تدريجية عبر آلية ديمقراطية ضمن المعطيات الجديدة, بعد فشل الثورة في الوصول الى هذه الاهداف, وما يجري في امريكا اللاتينية مثال ساطع على ذلك.
تتصدر مهام العمل العربي في هذه المرحلة النضال من اجل الديمقراطية لتمكين الشعوب العربية من ممارسة دورها في مختلف الميادين القومية والاقتصادية والاجتماعية, وتبقى القضية المركزية الى جانب القضايا الاقتصادية والاجتماعية, حسم الصراع العربي الاسرائيلي باتجاه احقاق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني بالانسحاب الكامل من الاراضي المحتلة عام 67 واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وضمان حق العودة وتدمير جدار الفصل العنصري وتفكيك المستوطنات الاسرائيلية من الاراضي العربية المحتلة, وانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي السورية واللبنانية, وكذلك انهاء الاحتلال الانكلو امريكي للعراق والحفاظ على وحدته.
لقد كشفت الاحداث الاخيرة اثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان عن ضعف وعجز الموقف العربي فالشعوب العربية مغيبة عن الاحداث وانحصرت ردود افعالها بالشجب والاستنكار دون توفير آليات عمل للمساهمة في التصدي للغزاة لانها مكبلة من انظمة بوليسية ومحرومة من ممارسة الديمقراطية بسبب هيمنة حكومات عربية غير منتخبة لا تعبر عن ارادة شعوبها.
وهذا سبب عجز النظام العربي عن القيام بأي دور محوري في مواجهة العدوان رغم الامكانيات الضخمة التي يتمتع بها الوطن العربي والاوراق الهامة التي يمكن استخدامها في حال توفر الارادة السياسية.
من هنا يتضح تأكيدنا على ان النضال من اجل الديمقراطية هو محور العمل العربي في هذه المرحلة الى جانب اهمية التعرف على خصائص مجتمعنا المحلي والعربي برؤية علمية بعيدا عن النصوص والاستخلاصات التي اسقطت بلا وعي وادراك, ان ادراكنا للواقع بوعي هو وحده الذي يحدد مهامنا وتصوراتنا لافاق تطور بلادنا. اننا نسعى لتحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية لا نستطيع سلفا تحديد شكل وطبيعة النظام الذي نسعى للوصول اليه مستقبلا, لكننا نستطيع القول اننا نسعى لنظام يخلو من الاستغلال والاستلاب والتمييز.