تصريحات متشائمة للمفوضيَّة الأوروبيَّة

أوضح ماركو بوتي المدير العام لإدارة الشؤون الاقتصادية والنقدية في المفوضية الأوروبية، أنَّ “التراجع في أوروبا تزامن مع طول أمد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية”. وأضاف: “إننا نشهد نموًّا.. يتوقف في ألمانيا.. وركودا مطولا في فرنسا وانكماشا في إيطاليا”. وتمثل مشاكل منطقة اليورو عاملا رئيسيا في تأخر تعافي باقي دول العالم. وقد توقع تقرير للمفوضية ارتفاع معدلات البطالة، معتبرا أن استمرار ضعف الأداء الاقتصادي في فرنسا وإيطاليا سيعرقل جهود التعافي. أما المفاجأة الكبرى أنَّ الإحصائيات الأوروبية كشفت أن ألمانيا لم تعد قاطرة النمو الأوروبي، فهي التي تعرضت لأكبر انخفاض في المبيعات؛ إذ سجلت تراجعا بنسبة 3.2% في شهر سبتمبر الماضي، وجاءت البرتغال في الدرجة الثانية بانخفاض بلغ 2.5%.

ووصف الخبير الاقتصادي نورييل روبيني الاقتصاد العالمي اليوم بأنه “أشبه بطائرة نفاثة تحتاج إلى كل محركاتها حتى تتمكن من الإقلاع والارتفاع فوق السحب والعواصف، ولكن من المؤسف أن محركاً واحداً فقط من محركات الاقتصاد العالمي الأربعة يعمل” وهو يقصد الاقتصاد الأمريكي. فهو يرى أنَّ اقتصادات المراكز الرأسمالية في أوروبا واليابان أصبحت على مسافة صدمة واحدة من الانكماش الصريح، إضافة إلى حالة التباطؤ التي تمر بها الدول الناشئة من وجهة نظره.

… إنَّ بروز بعض مظاهر الانتعاش الاقتصادي المدعوم بسياسة التحفيز في الولايات المتحدة الأمريكية، والممول بالقروض، وانخفاض أسعار الفائدة التي تقترب من الصِفر، واستمرار برنامج التيسير الكمي بقيام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشراء الأصول الخاصة والعامة الضعيفة منذ عام 2008، من أوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري، وسندات حكومية طويلة الأجل بهدف إزالة الأصول ذات الجودة المنخفضة من النظام المالي وتشجيع الإقراض في الاقتصاد. راكمت مديونية على الدولة الأمريكية فاقت قيمة الناتج المحلي الإجمالي؛ لدرجة أن الدولة الأمريكية أصبحت تنفق ضعف إيراداتها.

… إنَّ اقتصادا قائما على سياسات مالية ونقدية كهذه يعتبر اقتصادا قاصرا غير قادر على مواصلة النمو بعد رفع الدعم. وتخفيض عجز الموازنة التي ستشكل عبئا على النمو الاقتصادي، كما أنَّ الاقتصاد الأمريكي معرَّض للتأثر سلبا بتراجع النمو الاقتصادي في أوروبا واليابان. وما الحروب التي أشعلتها الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، إلا محاولة لإنعاش صناعة الأسلحة، وهي سياسة مجربة لدى الاحتكارات الرأسمالية ببروز نزعات فاشية عقب الأزمات الاقتصادية الحادة، كوسيلة لإنعاش الصناعات العسكرية والمدنية.

أما وضع الدول الناشئة بسلة واحدة، والقول إنَّ اقتصاداتها تمر بحالة تباطؤ، فيحتاج إلى تدقيق، فالاقتصادات الناشئة ما زالت تشكل قاطرة الاقتصاد العالمي نحو النهوض، ومن الصعب القول بأنها لم تتأثر في حالة الركود الاقتصادي التي تعيشها المراكز الرأسمالية، في ظل سياسة الانفتاح الاقتصادي، وتوسع السوق الرأسمالي، وإزالة الحواجز أمام انسياب الاستثمارات والسلع بين مختلف أقطار العالم، فقد أصبحت أسواق الولايات المتحدة وأوروبا على وجه الخصوص مصدرا رئيسيا لصادرات الدول الناشئة، ومع ذلك هناك تباين في معدلات النمو الاقتصادي في هذه البلدان، على الرغم من وجود روابط اقتصادية تجمعها.

فقد واصل الاقتصاد الصيني تحقيق نمو عالٍ وصل حده الأدنى إلى حوالي 7.4%، وهناك دلائل واضحة تشير إلى أنَّ الصين ماضية في الوصول إلى قمَّة الهرم في الاقتصاد العالمي. وكذلك الاقتصاد الهندي الذي حقق نموا قويا في يونيو الماضي بنسبة 5.7% مقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية. وسجل أعلى نمو خلال العامين الأخيرين. لكنَّ السياسة الليبرالية التي تنتهجها الاحتكارات الهندية لم تسهم بتخفيف حالات الفقر والبطالة في الهند.

أما النموذج الثالث للدول الناشئة، فهي البرازيل التي حققت نجاحات ملموسة خلال العقد الماضي، وباتت سادس أكبر اقتصاد في العالم متجاوزة بريطانيا، فقد تراجعت معدلات النمو الاقتصادي فيها خلال العام الحالي، وبشكل خاص في النصف الثاني من العام الحالي، ومع ذلك تمتعت قيادتها بثقة الشعب وفازت ديلما روسيف في انتخابات الرئاسة لدورة ثانية، وهي تنتمي لحزب العمال الذي حقق نجاحات ملموسة خلال العقد الأخير للبرازيل، إلا أنَّ البرازيل تعاني من نقطة ضعف تضع حدودًا لمشروعها في الصعود كما يقول د. سمير أمين، باعتماد المنظومة الإنتاجية البرازيلية بالأساس على قاعدة استغلال الموارد الطبيعية الضخمة في هذا البلد/القارة. وهى موارد معدنية ووقود أحفوري وحرق ملايين الهكتارات من الغابات. فقد اعتمد هذا النمط للنمو على صادرات متزايدة من الموارد الطبيعية، خلافا للصين التي تعتمد على تصدير منتجات مصنوعة.

أما الاقتصاد الروسي الذي تراجع عن النمو في أغسطس الماضي مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية، فهو يمر بحالة من الركود بسبب ارتفاع معدلات التضخم التي ساهمت بتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وتراجع قيمة الروبل الروسي، وانخفاض الاستثمار وهروب رأس المال. بسبب الأزمات الجيوسياسية المتصلة بالأزمة الأوكرانية التي أعادت أجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة أيام الاتحاد السوفييتي، وقد ساهم انخفاض أسعار البترول في تراجع الاقتصاد الروسي الذي يحتل المركز الأول في الصادرات الروسية.