ينما ينشغل الوطن العربي بمعارك داخلية وحروب أهلية ومذهبية أشعلتها الدوائر الاستعمارية، لتدمير البنية التحتية للبلدان العربية وتمزيق النسيج الاجتماعي في الوطن العربي، وتحويل الصراع في المنطقة إلى صراع عربي -عربي، بحرب إقليمية وقودها المال العربي وضحاياها الشعوب العربية وخاصة العمال والفقراء والكادحين والمهمشين، سواء الذين غُرر بهم، أو الذين يدافعون عن سيادة الوطن، أو عن الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية والعدالة الاجتماعية. حرب امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان وصولاً إلى ليبيا ومصر، قتلت وشردت ملايين الأبرياء واستنفدت طاقات وإمكانيات الوطن العربي، وصولاً للحظة التاريخية التي انتظرتها “إسرائيل” لتحقيق أهدافها بتصفية القضية الفلسطينية. في هذه المناخات التي تعيشها الأمة العربية تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاتها الإجرامية على المقدسات الفلسطينية، ويتعرض المسجد الأقصى لاقتحامات يومية من قطعان المتطرفين الصهاينة، وكان ذروتها إغلاق الأقصى الخميس الماضي لأول مرة منذ دنس الاحتلال الصهيوني أرض قدس الأقداس، عقب محاولة اغتيال الحاخام الصهيوني المتطرف “يهودا غليك”
نال “غليك” عقابا يستحقه من قبل المقاومة الفلسطينية، بسبب مواصلة عدوانه على المقدسات، وهو من أبرز غلاة اليمين المتطرف، والذي يقود حملات يومية لاقتحام الأقصى، ومن أبرز المدافعين عما يسمى “جبل الهيكل”. لقد أعلن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي إغلاق الحرم القدسي بشكل كامل حتى إشعار آخر، وذلك في سابقة هي الأولى من نوعها منذ احتلال القدس عام 1967. كما أقدمت قوات الاحتلال على اغتيال الأسير المحرر معتز حجازي -الذي اتهم بمحاولة اغتيال الحاخام غليك- بعد اشتباك مسلح على سطح أحد المنازل في حي الثوري في القدس الشرقية، وذلك بعد ساعات من إغلاق الأقصى، قبل أن يتراجع الاحتلال عن إجرائه هذا خشية من انفجار شعبي عارم
وتواصل حكومة العدو الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، لتسمين المستوطنات وبناء مستوطنات جديدة، وقد أعلن نتنياهو الأسبوع الماضي عن إعداد خطة لبناء أكثر من 1000 وحدة سكنية في القدس والضفة الغربية. كما أكد مسؤول في مكتبه في تصريح نقلته وكالة رويترز أن “إسرائيل” لن تتراجع عن الخطة التي أعلنتها لبناء 3000 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس “وستواصل إعلاء مصالحها الحيوية، وستتصدى للضغوط الدولية في سبيل ذلك. لن نغير القرار الذي أعلنا عنه.”
ويأتي الاعتداء المستمر على الشعب الفلسطيني بدعم ومساندة الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبتواطؤ بعض الأنظمة العربية، خاصة بعد فشل قوات الاحتلال في تصفية المقاومة الفلسطية أثناء العدوان الهمجي الذي شنته على قطاع غزة الصيف الماضي. وما زال المواطنون الفلسطينيون يعانون من نتائجه، حيث هاجر حوالي 400 ألف مواطن فلسطيني بعد تدمير منازلهم، وهم بحاجة لمساعدات عاجلة. وعلى الرغم من انعقاد مؤتمر إعمار غزة بمشاركة عالمية، إلا أنه من غير المتوقع تخفيف معاناتهم وتوفير احتياجاتهم الضرورية في الوقت المناسب. ويقول الخبير الاقتصادي سمير عبد الله مدير معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني، إن إنجاح عملية الإعمار يعتمد على فك الحصار بصورة كاملة، وإدخال جميع السلع والطاقات والمعدات اللازمة للإعمار، وإنشاء هيئة وقدرة إدارية فلسطينية قوية لإدارة هذه العملية، إضافة لتوفير المال الكافي لذلك، في حال توفر هذه الشروط سيتم إنجاز عملية الإعمار في مدة خمسة أعوام، لكن إذا غاب أحد هذه الشروط ستتأخر العملية.
من جهة أخرى تعلن الولايات المتحدة الأمريكية رفضها المطلق الوقوف إلى جانب الشرعية الدولية بوقف معاناة الفلسطينيين بإنهاء الاحتلال، وتمارس الخارجية الأمريكية ضغوطها على الفلسطينيين لسحب الطلب المقدم لمجلس الأمن بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بحلول نوفمبر 2016، وإقامة دولة فلسطينية. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد وافقت في 29 نوفمبر 2012، على رفع التمثيل الفلسطيني من “كيان مراقب” إلى “دولة مراقب غير عضو”، بأغلبية 138 صوتا. كما يجري تحذير الفلسطينيين من الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة “إسرائيل” بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وقال عريقات إن جون كيري أبلغه في لقائه في القاهرة بأن واشنطن ستعارض هذه المبادرات الفلسطينية.
في المقابل استقبل قرار السويد المتضمن الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين، بترحيب واسع بين الأوساط العربية، وهي أول دولة في الاتحاد الأوروبي تعلن اعترافها رسمياً بالدولة الفلسطينية. وقالت وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالستروم للصحفيين في ستوكهولم إن حكومتها اتخذت هذا القرار كخطوة لضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ومن المتوقع أن تفتح هذه الخطوة الطريق أمام اعتراف دول أوروبية أخرى، فقد صوت مجلس العموم البريطاني بأغلبية كاسحة لصالح مذكرة تطالب الحكومة البريطانية بالاعتراف بفلسطين دولة مستقلة، كما طالب برلمانيون فرنسيون بتنظيم تصويت في غرفتي البرلمان المحلي بشأن الاعتراف بدولة فلسطين “في أسرع الآجال”، معتبرين أن إرجاء التصويت قد يفقد فرنسا مصداقيتها في الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية.