انخفاض أسعار النفط

أثار انخفاض أسعار النفط جدلا واسعًا بين الأوساط السياسية والاقتصادية، خاصة وأنّ الانخفاض جاء في ظل أزمات جيو- سياسية تسهم بالضرورة بارتفاع أسعار النفط وفق القانون الرأسمالي القائم على العرض والطلب، فاتسعت رقعة الحروب الأهلية والإقليمية، في منطقة تشكل المصدر الرئيسي لإنتاج النفط، وما ينطوي على ذلك من تهديد لانقطاع بعض المصادر النفطيّة، وفي ظل ركود اقتصادي حافظ على وتيرة معينة منذ سنوات، في ظل هذه المناخات انخفضت أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة! فمن الناحية الاقتصادية لم تظهر مقدمات موضوعية مفاجئة تدفع أسعار النفط نحو الانخفاض الكبير إذا ما استثنينا زيادة الإنتاج، كما يتزامن الانخفاض مع دخول موسم الشتاء الذي يفترض زيادة الطلب على المحروقات. والغريب أنّ بعض التفسيرات استندت لمعطيات تحمل الشيء ونقيضه، مما يشعر المرء بخلط للأوراق وتشتيت للأذهان في بعض التحليلات، وقد برز اتجاهان أساسيان يفسران الأسباب والدوافع وراء الانخفاض.

الأول حاول طرح معطيات اقتصادية أبرزها زيادة إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية من الزيت الصخري ليصل إلى حوالي 4 ملايين برميل يوميًا، الأمر الذي أدى إلى انخفاض واردات الولايات المتحدة من أوبك إلى النصف تقريبا، وربط بعض المحللين انخفاض الأسعار بتراجع النمو الاقتصادي في أميركا وأروبا وآسيا، إضافة إلى بروز خلافات بين دول أوبك حول حصص الدول الأعضاء، فقد فشلت في الوصول لاتفاق يضمن تخفيض الإنتاج للحفاظ على الأسعار ضمن حدود 100 دولار للبرميل، علما أنّ السعودية تحملت في مراحل سابقة عبء زيادة الإنتاج أو تخفيضه بصفتها الدولة المصدرة الأولى في العالم. الغريب أنها أقدمت هذه المرة على زيادة توريدها من النفط بحوالي 50 ألف برميل يوميا في سبتمبر الماضي، كما أقدمت شركة “أرامكو” في السعودية على تخفيض أسعارها الرسمية للشهر الرابع على التوالي. وهي تعلن أنها مستعدة لتحمل انخفاض الأسعار مقابل عدم تخفيض حصتها، ومن المنتظر أن تجتمع دول أوبك في نوفمبر القادم.
من جهته توقع كبير محللي وكالة الطاقة الدولية “أنطوان هاف” أن تفشل أوبك خلال الفترة القادمة في لعب دور المنتج المرن الذي يحقق التوازن في سوق النفط (بسبب ارتفاع الإنتاج من الدول غير الأعضاء في المنظمة من ناحية، مع احتمال غياب التوافق داخل أوبك من ناحية أخرى)، مشيرًا إلى أنه قد يتعين خفض الإنتاج من مشروعات مرتفعة التكلفة، مثل إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وإنتاج الخام من الرمال النفطية في كندا ومن المياه العميقة في البرازيل، لتحقيق التوازن في السوق حين تهبط الأسعار.
أمّا السيناريو الآخر فقد استند إلى الصراعات السياسية المحتدمة والتي تخفي وراءها مصالح اقتصادية متعارضة بين قطبين برزت ملامحهما في الآونة الأخيرة، ليس على أسس أيديولوجية، بل استنادًا للمصالح الاقتصادية، فقد تجمعت القوى الأكثر تضررًا من تحالف الاحتكارات الرأسمالية في المراكز الثلاثة “أمريكا واليابان والاتحاد الأوربي” وحلفاؤهما من جهة ومجموعة بركس وحلفاؤها من الدول النامية من جهة أخرى، خاصة وأن ثلاث دول في القطب الثاني “روسيا وإيران وفنزويلا” تعتمد بشكل كبير على النفط في وارداتها، وهي تشكل محاور رئيسية في الصراع الدائر مع الإمبريالية العالمية، وهنا يسأل ثوماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، من المستفيد من تخفيض أسعار النفط؟ وهل تريد الولايات المتحدة من عقوباتها ضد روسيا، بخصوص أوكرانيا، أن تلدغ أكثر. وهل يخوض الأمريكيون والسعوديون حرباً بالوكالة ضد روسيا وإيران؟
لا شك أن أمريكا تسعى لتفتيت القطب الثاني قبل ترسيخ مكانته دوليًا، التي تشكل روسيا ذراعه السياسي، باعتباره منافسًا اقتصاديًا أساسيًا في السوق العالمي. وتصديه للمشاريع التوسعية الأمبريالية في مختلف أنحاء العالم، وذلك استنادا للمعلومات التي تؤكد زيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط وممارسة الضغط على المملكة العربية السعودية في الحفاظ على معدلات إنتاجها وتخفيض أسعارها. فقد شن رئيس شركة النفط الروسية العملاقة روزسنفت “ميخائيل ليونتييف” هجومًا شرسًا على المملكة العربية السعودية متهمًا إيّاها بالتلاعب في أسعار النفط لخدمة المصالح السياسية “الأمريكية” بسبب إصرارها على زيادة إنتاجها مع الخفض المتواصل للأسعار. كما وجهت إيران اتهاما لدول في الشرق الأوسط بالتآمر مع الغرب لخفض أسعار النفط كوسيلة لإلحاق مزيد من الضرر باقتصادها الذي قوضته العقوبات.
أمّا البلدان غير المستوردة للنفط فقد حققت مكاسب ملموسة بعد ما هوت أسعار النفط بحوالي 25% من أسعارها التي كانت سائدة في يونيو الماضي، لكننا لم نسمع انخفاضا ملحوظا على أسعار المشتقات النفطية في البلدان العربية، فقد حافظت الأسعار على مستوياتها إلى حد ما، فعلى سبيل المثال خفضت الحكومة الأردنية أسعار المشتقات النفطية بحوالي 7% فقط منذ يونيو الماضي لغاية الآن، في حين تدعي أنّ تسعيرة المشتقات النفطية تخضع للأسعار العالمية..! عدا عن تحميل المواطنين أعباء ضريبية على أسعار المشتقات النفطية، من الضريبة العامة على المبيعات وضرائب إضافية تتراوح نسبتها بين 24% إلى 42%.