ما بعد سايكس بيكو

دخلت الحملة العسكرية على تنظيم الدولة الإسلامية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية شهرها الثالث في العراق وأسبوعها الثالث في سوريا، دون أن تشكل عائقا أمام تقدم التنظيم، فبعد معارك ضارية استمرت عدة أيام استبسل فيها المدافعون عن عين العرب بإمكانياتهم المتواضعة، تمكن التنظيم من السيطرة على معظم المدينة. وعلى الرغم من نداءات الإغاثة المطالبة بتقديم الدعم والإسناد لحماية المدينة من السقوط، إلا أن أمريكا اكتفت بالتعبير عن القلق على مصير المواطنين الأبرياء من الوقوع ضحايا مجازر جديدة. فقد عبر كيري عن قلقه حول الأنباء التي تتحدث عن مكاسب للتنظيم في عين العرب، مشيرا إلى أنّ بلاده تراقب الوضع عن كثب. وقال إنّ أكثر من 60 شريكًا تعهدوا بالانضمام إلى الجهود الأمريكية لهزيمة تنظيم الدولة.!

ومن ناحية أخرى أعلن التنظيم أنّه بات يسيطر على معظم محافظة الأنبار بعد معارك ضارية مع القوات العراقية و “الصحوات”. واصبح يشكل خطرًا على العاصمة العراقية، وجاء ذلك بعد سيطرته على مدينة هيت ومناطق جديدة في محيط مدينتي الفلوجة والرمادي. ونقلا عن وزير الكهرباء العراقي إنّ تنظيم الدولة بات يسيطر على مساحة 80% من الأنبار، ووصف الوضع في المحافظة بأنه حرج جدا.

بات واضحا من خلال المواقف الامريكية المعلنة والمقترنة بالخطوات الملموسة في المنطقة أنّها ماضية بفرض شروطها الهادفة إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة، وأنها تتصرف على اعتبار افرازات سايكس بيكو استنفدت، ولم تعد تخدم المصالح الأمريكية، فهي تعمل عَلى إنشاء كيانات سياسية جديدة، على أسس مذهبية وطائفية، للقفز عن مبدأ الروابط القومية التي تجمع الامة العربية، وتنهي الحلم التاريخي بالاستقلال والوحدة. وما يجري في العراق حاليا إلا استمرار لما جرى في عام 2003 باحتلال بغداد من قبل الاستعمار الأنجلو- أمريكي. وأن الأحزاب السياسية التي تتصارع حاليا على تقاسم السلطة في بغداد هي نفسها التي سهلت مهمة المستعمرين في احتلال العراق واستباحة أرضه وتفتيت نسيجه الوطني الاجتماعي، وصادقت على دستور طائفي قسم الشعب العراقي إلى كيانات مذهبية وطائفية، كخطوة باتجاه تقسيم الدولة العراقية إلى فيدراليات مذهبيّة، وما التدخل الأمريكي الحالي إلا غطاء لتحقيق ما تبقى من المشروع الأمريكي. أمريكا ليست عاجزة عن وقف تمدد تنظيم الدولة الإسلامية، لا بل متواطئة، فهي تغض البصر عن احتلال داعش لمناطق شاسعة في العراق وخاصة التي تعتبر جزءًا من الكيان السني ضمن التقسيمات الأمريكية، لفرض التقسيم بالقوة، واعتباره أمرا واقعا، ومعاقبة حلفائها المتمردين، وخاصة الذين يوزعون ولاءاتهم بين طهران وواشنطن.

ويقول المؤرخ الأمريكي جوزف إيليس وفقا لما نشرته جريدة السفير اللبنانية، إنّ العراق أكذوبة تاريخية غربية وأسطورة جغرافية مشرقية! ودعوته لمعالجة الهم العراقي من خلال الرجوع إلى وصفة أمريكية سحرية.. متناولا أوجاع المكونات الثلاثة سابقا خلال القرن الفائت، ويرى أنّ عليها الآن أن تأخذ بهذه الوصفة لإنقاذ جسدها من الضمور والتلاشي، فعلى الأكراد الانضمام كليا إلى المعسكر الأمريكي، ويجب أن تكون أربيل عاصمة للقواعد العسكرية والشركات الاقتصادية والكارتيلات النفطية ومراكز الاستخبارات. وعلى السنة أن يتحدوا في دولة لتحقيق مذهبهم التاريخي ويستثمروا غازهم ونفطهم لتصليد هذه الدويلة الكبيرة التي ستتطور إلى حالة يعتمد عليها المشروع الجديد. وعلى الشيعة أن يتصرفوا بطريقة متوازنة عقلانيا بين الانتماء لمذهبهم العراقي تاريخيًا والولاء السياسي لجغرافيتهم، واضح أن جوزف يعبر عن وجهة نظر الإدارة الأمريكية وخططها للوطن العربي .

وفي القضية السورية لا يختلف الموقف الأمريكي.. أمريكا غير معنية بتوجيه ضربات قوية لتنظيم الدولة الإسلامية في الأراضي السورية خشية من استفادة الحكومة السورية من تراجع داعش خاصة بعد انهيار الجيش الحر، فهي تعد العدة لتدريب ما يسمى بالمعارضة المعتدلة، وقد حصلت على موافقة تركيا لتدريب عناصر سورية لهذه المهمة، بعد ما حصلت على موافقات من عواصم عربية أخرى، إضافة إلى رصد الأموال الكافية لتغطية نفقات الإعداد والتدريب من السعودية ودول خليجية أخرى إضافة إلى مساهمة أمريكية وفق الإعلان الرسمي السعودي والأمريكي. لذلك تصر الإدارة الأمريكية على أنّ الحرب على الإرهاب تحتاج إلى عدة سنوات، وهي المهلة التي تحتاجها أمريكا لتدريب وإعداد مرتزقة لملء الفراغ الذي يحدثه إخراج داعش أو مساومتهم في الالتزام الكامل بالمصالح الأمريكية.

وبعد ذلك تختتم أمريكا المشهد الأوسطي باعتراف النظام العربي بالدولة اليهودية ضمن صفقة تتضمن تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وإخراج “إسرائيل” من عزلتها ومنحها دورًا قياديًا للمنطقة اقتصاديًا وسياسيًا، وحرمان الشعب الفلسطيني من إقامة دولته، وإلغاء حق العودة وإقامة كونفدرالية اقتصادية أردنية- فلسطينية-إسرائيلية، واخضاع المنطقة وثرواتها بالكامل للاحتكارات الرأسمالية الأمريكية للخروج من الأزمة الاقتصادية التي ما زالت تعاني منها.