تشير المعلومات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الى نمو القيم المضافة للقطاعات الاقتصادية بمعدلات ايجابية لعام ,2005 باستثناء قطاع الصناعات الاستخراجية الذي تراجع بنسبة 1.2%, فقد سجلت قطاعات الانتاج نموا بلغت نسبته 9% في حين بلغت نسبة نمو قطاع الخدمات 6.2%, وبذلك تكون ارتفعت الاهمية النسبية لقطاعات الانتاج السلعي في الناتج المحلي الاجمالي نصف نقطة. ومع ذلك ما زالت قطاعات الانتاج السلعي تشكل 35.1% من الاقتصاد الوطني وقطاعات الخدمات 64.9% ونصيب الزراعة والغابات وصيد الاسماك من قطاعات الانتاج السلعي 3.8% اما الصناعات الاستخراجية 2.4% والصناعات التحويلية 20.6% والكهرباء والمياه 2.7% والانشاءات 5.6%.
لقد احتل قطاع الكهرباء والمياه موقعا متقدما في سلم اولويات النمو الاقتصادي خلال العقود الاربعة الماضية, حيث تضاعف انتاج واستهلاك المياه والكهرباء حوالي 185 مرة والسبب في ذلك يعود بالدرجة الاولى الى توسيع قاعدة المستفيدين من هذه الخدمات, بالاضافة الى زيادة الطلب على هذه الخدمات بفضل الزيادة السكانية التي شهدتها المملكة, وزيادة الحاجة الى الماء والكهرباء, فقد بلغ عدد سكان المملكة عام 2004 حوالي 5.350 مليون نسمة في حين لم يتجاوز سكان المملكة عام 1964 مليون نسمة, وتدلل هذه الارقام على مدى تواضع وبساطة الحياة التي كانت سائدة في ستينات القرن الماضي في مختلف مناطق البلاد وبشكل خاص في مناطق الريف والبادية التي لم تكن تتمتع بهذا النوع من الخدمات, وافتقار معظم البلاد للخدمات الاساسية, كما تعكس استجابة مؤسسات الدولة لاحتياجات المجتمع المحلي لتوفير هذه الخدمات لمختلف انحاء البلاد, حيث يشير التقرير السنوي لدائرة الاحصاءات العامة لعام 2005 ان عدد المشتركين بالتيار الكهربائي 1.128500 مشترك اي حوالي 99.9% من السكان مزودين بالطاقة الكهربائية, وقد بلغ انتاج الكهرباء (9654) ج.و.س عام 2005 في حين كان 135.7 ج.و.س عام ,1964 ويتم توزيع 282.2 مليون متر مكعب من المياه لكافة محافظات المملكة, وعلى الرغم من شح المياه ومحدودية مصادرنا والضخ الجائر الذي يتم احيانا من بعض الآبار, فإننا نعاني من الهدر سواء بسبب تقادم شبكة المياه وتلفها في بعض مناطق المملكة, او بسبب سوء التوزيع حيث يتم ضخ 340 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشرب من الآبار الخاصة التي يملكها اقل من الف فرد في الاردن, ومن المعروف ان نصيب الفرد من المياه في الاردن من ادنى النسب في العالم.
اما الشيء الأهم الذي لا بد من التوقف عنده, هو ارتفاع كلفة هذه الخدمات, فقد شهدت الآونة الأخيرة ارتفاعا ملحوظا على أثمان المياه والكهرباء, وهي مرشحة للارتفاع اكثر فأكثر بحكم التوجه نحو اعادة الهيكلة واستكمال خصخصة مختلف قطاعات الدولة, وبشكل خاص في قطاع المياه حيث يجري تداول هذا الموضوع بين الحين والآخر, بما في ذلك فكرة احالة مشروع جر مياه الديسي الى عمان على مستثمرين, لتمويل المشروع واستثماره كمشروع تجاري يخضع لشروط العرض والطلب والية السوق, مما يضع المستهلك, اي المواطن, في مأزق حرج من الصعب تجاوزه, فهو لا يستطيع مقاطعة هذه »السلعة« الحيوية والضرورية لاستمرار الحياة على الأرض, فالمياه ليست لحوما او دجاجا او فاكهة يمكن للفقراء مقاطعتها والعيش من دونها, لكنه يصطدم من الناحية الاخرى بعدم مقدرته على توفير كلفتها, علما ان خدمات الماء والكهرباء والتعليم والصحة, ينبغي ان لا تخضع لحسابات الربح والخسارة, واشتراط توفيرها للقادرين على الدفع فقط, ان هذه الخدمات من اساسيات الحياة وتقع ضمن مسؤوليات الدولة, اذ على الدولة توفيرها بكلف مناسبة مع معدلات دخل المواطنين, ومن واجب الدولة تغطية العجز الناجم عن هذه الخدمات من الايرادات الضريبية, لقد وجدت فكرة الضريبة وفلسفتها لتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي وخاصة ضريبة الدخل, ولتوفير ايرادات للخزينة لتتمكن من تغطية نفقاتها عامة وبشكل خاص نفقات الخدمات الاجتماعية, اي اعادة توزيع للدخل, لكل هذه الاعتبارات وانطلاقا من المصلحة العامة لغالبية ابناء المجتمع الاردني ومن باب الحرص على الامن الاهلي والاستقرار الاجتماعي لا بد من الاقلاع عن فكرة خصخصة قطاعات الخدمات الاساسية في المجتمع وعدم رفع كلفتها, ليس هذا فحسب بل على الحكومة ان تفكر بمفاجآت سارة للمواطنين في هذا المضمار.