جريدة الرؤية العمانية – اتجهت انظار العالم نحو قمة ويلز، يكتسب اجتماع الناتو اهمية خاصة في هذه المرحلة، فمن المتوقع ان يتوقف على قرارات القمة نتائج ملموسة على الارض، منها احتمال توسع العمليات العسكرية ضد الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش” بعد ان اصبحت تشكل خطرا على بعض المصالح الاميركية في المنطقة. اما القضية الثانية المطروحة على جدول اعمال القمة لا تقل سخونة، وهي تداعيات الازمة الاوكرانية، وعلاقة دول الحلف بروسيا، الاخذة بالتفاقم، لدرجة ان مناخ واجواء الحرب الباردة تنذر باخطار حقيقية على السلم العالمي، من المتوقع أن يقر حلف الناتو تشكيل قوة تدخل سريع في شرق أوروبا. كما اعلنت ستقوم روسيا انها ستدخل تعديلات في عقيدتها العسكرية تتضمن وصف حلف الناتو عدو محتمل، وذلك لمواجهة التحديات الاستراتيجية الجديدة.
لم تنحصر اسباب تدهور العلاقات بين الحلف وروسيا في القضية الاوكرانية فحسب فقد أوضح بوبوف نائب سكرتير مجلس الأمن الروسي لوكالة نوفوستي، أن اسباب ذلك ناجمة عن ظهور مخاطر وتهديدات جديدة لأمن روسيا، وجدت انعكاسها في أحداث “الربيع العربي” والنزاع المسلح الجاري في سورية، والوضع المتأزم في أوكرانيا. ولفت المسؤول العسكري الروسي إلى أن الدول الكبرى أصبحت تستخدم “عمليات غير مباشرة”، كالاعتماد على منظمات متشددة وشركات عسكرية من القطاع الخاص، والطاقات الكامنة في حركات احتجاجية جماهيرية، وذلك إضافة إلى أشكال وطرق “كلاسيكية” باستخدام القوات المسلحة.
واضح ان شق الخلاف اخذ بالاتساع بين الطرفين فهي تعكس تضارب المصالح الاقتصادية، في ظل استمرار الازمة المالية والاقتصادية التي تعاني منها دول حلف الناتو، مع الاخذ بعين الاعتبار تعاظم الدور الاقتصادي لمجموعة “بركس” بقيادة الصين والتي تشكل روسيا وضعا مميزا فيها واستحواذ هذه المجموعة الصاعدة على نصيب الاسد من الاقتصاد العالمي .
اما المحور الاخر والخاص بانتشار الدولة الاسلامية في العراق والشام، الذي اصبح يهدد المصالح الامريكية في بعض الاحيان، فهو فصيل نشأ وترعرع في كنف الولايات المتحدة الامريكية، في مواجهة الوجود السوفيتي في افغانستان وان المسميات الجديدة من “داعش و النصره” ما هي الا امتداد او انشقاق عن القاعدة، وهي حركات تلقت دعما مباشرا من قبل التحالف الغربي الذي استهدف تدمير الدول العربية والامثلة عديدة على ذلك “سوريا، العراق وليبيا ” وغيرها من الاقطار العربية، وقد وظفت الولايات المتحدة الامريكية هذه المنظمات المتطرفة لاجهاض الثورات الشعبية، التي انتفضت ضد الانظمة البوليسية الديكتاتورية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اغرقت البلدان العربية بالمديونية، وادخلت الاقتصادات العربية بأزمات حادة، بخضوعها لاملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين .
وما شهدته المنطقة العربية من تفاعلات سياسية وعسكرية خلال السنوات الثلاث الماضية في اطار المشروع الاميركي في افشال الثورات الشعبية، والغاء المشروع العربي الحضاري، واقامة شرق اوسط جديد، خدمة للمشروع الصهيوني، ولمواصلة الاحتكارات الراسمالية المتعددة الجنسيات من نهب الثروات النفطية، وخاصة بعد اكتشاف الغاز بكميات كبيرة في المنطقة. وحرمان الشعوب العربية من تحقيق اهدافها في الحرية والديمقراطية، وفك التبعية عن الاحتكارات الرأسمالية لبناء مشروعها التنموي الاقتصادي الاجتماعي .
فبعد ان تجاوزت داعش الحدود التي رسمت لها، وتحديها لبعض المصالح الاميركية اعلن الرئيس الامريكي باراك أوباما أن التنظيم بات يمثل تهديدا حقيقيا لا على العراق فقط بل على المنطقة بأسرها. واعلن عن تشكيل جبهة عالمية لمحاربتها. كيف يمكن لاميركا ممارسة “السياسات ونقيضها في آن واحد” فهي غارقة حتى اخمس قدميها بدعم المتطرفين وتوفير الطرق الامنة لهم لاختراق الاقطار العربية بواسطة حلفائها في المنطقة بهدف تفتيت النسيج الاجتماعي في الوطن واشعال الحروب الاهلية، ومن ثم الادعاء لاحقا بمحاربتهم وتشكيل الجبهات العالمية لمواجهة التطرف !
ان جدية مواجهة الحركات المتطرفة ليس باطلاق القذائف والصواريخ على مواقع المتطرفين فحسب، بل بالكف عن التدخل في شؤون الدول العربية واشعال الحروب الاهلية والمذهبية في الوطن العربي، وانهاء الازمة السورية بالطرق السلمية، بوقف الحرب وعقد مؤتمر وطني برعاية الامم المتحدة، يضمن تحقيق المصالحة الوطنية وتشكيل حكومة انتقالية تمهد الطريق امام بناء دولة ديمقراطية تعددية تحتكم لصناديق الاقتراع. وهذا ينطبق ايضا على الدولة العراقية مع الغاء النظام الطائفي الذي اسس له دستور بريمر والنهج الذي ساد لاحقا، واقامة دولة ديمقراطية علمانية، وانهاء الاستقطاب الطائفي والمذهبي، والتمسك بعروبة العراق ووحدتة، وتطهير مؤسسات الدولة من النفوذ الصهيوني الاميركي الذي اصبح يشكل خطرا حقيقيا على وجود العراق. وتوجه الدول العربية نحو استثمار طاقاتها الوطنية بمشروع وطني اقتصادي- اجتماعي ينهي جيوب الفقر ويوفر فرص عمل للجميع ويحقق ضمانات صحية واجتماعية، ويحقق العدالة، ويسهم في وضع الوطن العربي في مصاف الدول الكبرى.