كشفت الحرب القذرة التي شنّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بدعم وتأييد من حلف الأطلسي عن ظاهرتين بارزتين: الأولى مواقف الدول الصديقة المؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني، وأخص بالذكر دول أمريكا اللاتينية، والتي تستحق الشكر والتقدير على مواقفها الرائعة والمبدئية ضد حرب الإبادة، وقد عبّرت معظم هذه الدول مجتمعة ومنفردة عن مواقف مبدئية منحازة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني باعتبارها جزءً أساسيًا من حركة التحرر العالمي. فقد ألغى زعماء البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا والأوروغواي والباراغوي في اجتماع مشترك اتفاقية “الميركسور” للتعاون الاقتصادي مع الكيان الصهيوني، كما اعتبرت بوليفيا “إسرائيل” دولة إرهابية، “ووقعت على نداء مقاطعة إسرائيل” الذي تتبناه منظمات غير حكومية، وقرر الرئيس الفنزويلي، “نيكولاس مادورو”، استضافة الأطفال المصابين، وكفالة الأطفال اليتامى.
ولتفسير مواقف الدول الصديقة، لا بد من الاعتراف بأنّ هذه المواقف مبدئية، تنطلق أساسًا من خلفيّة مشتركة ضد الاحتكارات الرأسماليّة المتعددة الجنسيّات، والتي تعتبر “إسرائيل” إحدى حلقاتها، ولشعوب البلدان الصديقة قصة طويلة مع المراكز الرأسمالية، تجسدت بالسياسة النيو ليبرالية التي فرضت على البلدان النامية فى ثمانينيات القرن الماضي، وتعتبر هذه البلدان من أولى ضحايا هذه السياسات، حيث أرغمت على تبني ما يعرف ببرامج التكّيف وإعادة الهيكلة التي صممتها المراكز الرأسمالية وأشرف على تطبيقها كل من صندوق النقد والبنك الدوليين باعتبارها وصفة صالحة للدول النامية كافة، وتتلخص “بخصخصة الصناعات الوطنية والاستيلاء عليها من قبل الشركات المتعددة الجنسيات، وتحرير التجارة الخارجية والداخلية. وتحويل هذه الدول إلى دول مستهلكة لمنتجاتها المستوردة، وخفض الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة” لإفقار شعوب هذه البلدان وحرمانها من الاستفادة من ثرواتها الوطنية. مما حدا بشعوب هذه البلدان إلى إسقاط الأنظمة الديكتاتورية التابعة للاحتكارات الرأسمالية، وانتخاب قيادات شعبية ديمقراطية اجتماعية بشكل عام، وقد أقدمت هذه الدول على مشروعها الوطني التنموي، بفك التبعية عن الاحتكارات الرأسمالية، بعضها اختار التوجه الاشتراكي مثل فنزويلا وبوليفيا والإكوادور إضافة إلى كوبا، وهي دول لا تقيم علاقات مع إسرائيل أو قطعت علاقاتها معها، وهناك مجموعة أخرى باسم “بديل مجموعة بوليفار” فى أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبى: والمكونة من فنزويلا وكوبا وبوليفيا وهندوراس ونيكاراغوا والدومنيك التي انشأت وحدة اقتصادية أطلق عليها “سوكري” في أبريل 2009، مهمتها تحقيق التكامل الاقتصادي والتعاون الاستراتيجي، بهدف تلبية احتياجات الدول الأعضاء. مجموعة بنك الجنوب: وتعتبر أقل طموحًا من “بديل مجموعة بوليفار” وتتبع فكرة البنك مجموعتين مختلفتين في أمريكا الجنوبية: مجموعة الدول التي تتبنى التحول الاشتراكى مثل كوبا وفنزويلا، بوليفيا والإكوادور، ودول ذات توجه رأسمالي لكنّها تؤمن بفك التبعية عن أمريكا مثل البرازيل والأرجنتين.
الظاهرة الثانية: الموقف المتخاذل والمتواطىء الذي عبّر عنه النظام العربي. ربّ قائل يقول، ما الجديد في الموقف العربي الذي لا يتعدى بيانات الشجب والاستنكار في أحسن حالاته؟ هذا صحيح من حيث المبدأ، أمّا الجديد الاصطفاف العلني مع العدو الصهيوني بذرائع واهية منها الخلاف مع الحركات الإسلاميّة وخلط الأوراق. فالصراع الرئيسي في الوطن العربي بين حركة التحرر العربية- والإمبريالية والصهيونيّة والرجعيّة، وأنّ المعيار الحقيقي للموقف من أي حركة سياسية عربية، موقفها من القضية الفلسطينية ليس قولا بل فعلا. وهذا يعني أنّ الفصائل الفلسطينية التي انخرطت في النضال الوطني الفلسطيني بكافة أشكاله، وبأرقى أشكاله الكفاح المسلح ضد الاحتلال الصهيوني هي مكون أساسي من حركة التحرر الوطني الفلسطيني، والتي هي جزء من حركة التحرر العربي, وإنني ادعو الفصائل الفلسطينية مراعاة خصوصية القضية الفلسطينية، وعدم الانجرار وراء صراعات أيديولوجية في الوطن العربي، خاصة وأن المهمة المركزية المطروحة أمامها وطنية بامتياز. كما أدعو كافة الأطراف إلى التعامل مع المقاومة الفلسطينية على هذه القاعدة.
أمّا البلدان العربية التي حاولت استغلال هذه القضية للتعبير عن مواقفها المعادية لنضال الشعب الفلسطيني، والمتواطئة مع قوات الاحتلال فهي أسقطت ورقة التوت التي كانت تخفي بها عورتها، وانفضحت مواقفها المؤيدة “للثوار” في سوريا وغيرها، فالهدف تشجيعهم على الدخول بحروب أهلية، لتدمير البلدان العربية وتفتيت النسيج الاجتماعي في الوطن العربي استجابة للسياسة الأمريكية التي عرفت “بالفوضى الخلاقة”. ولندقق بما يجري في الوطن العربي نتيجة هذه السياسات، تدمير الدولة السورية وتهجير وتشريد شعبها وقتل وإصابة أكثر من مئة ألف إنسان، وما يجري في السودان وليبيا واليمن من قتل وتدمير وحروب أهلية ومذهبيّة، واحتلال داعش لأجزاء واسعة من العراق، بحركة دراماتيكيّة مفبركة، وقيامها بقتل الرجال وسبي النساء، وطرد المسيحيين والاستيلاء على معابدهم، بعد الهجمات المسلحة على مناطقهم.
وهنا لا بد من التذكير بتسريبات وثائق إدوارد سنودن عميل المخابرات المركزية الأمريكية والحاصل على الإقامة في موسكو. بأنّ داعش صناعة أمريكية الهدف منها جمع العناصر الأكثر تطرفا في العالم الإسلامي لهدم البنى الاجتماعية.