الآثار الإنسانية والاجتماعية لحرب الإبادة

هزيمة نكراء باعتراف جنرالات الاحتلال الصهيوني.. جيش الاحتلال يجر أذيال الخيبة.. فشل العدوان الإسرائيلي الإجرامي في تحقيق أهدافه المعلنة.. “تدمير قواعد الصواريخ وشل عمل المقاومة الفلسطينية”، لم تتوقف صواريخ المقاومِة حتى الدقيقة الأخيرة من وقف إطلاق النار، لكن قوات الاحتلال نجحت بجدارة بمنافسة “هتلر وموسليني” في قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير المنازل والمدارس على رؤوس المدنيين والأطفال. لم تفلح الطائرات والمدافع الإسرائيلية التي ألقت حممها خلال أربعة أسابيع في فرض صك الاستسلام على غزة الباسلة.. غزة التي نالت إعجاب وتقدير شعوب العالم أجمع.. ونجحت في تلقين جيش الاحتلال درسًا جديدًا، غزة الشامخة التي عانقت السحاب بصمودها وتضحياتها.

وقف الفلسطينون رجالا ونساء شيبًا وشيابًا من فوق الركام صفًا واحدًا دفاعًا عن المقاومة كخيار وطني من أجل الحرية والاستقلال، رغم معاناتهم وظروفهم البائسة، مرددين بملء حناجرهم لم ترهبنا قنابلكم لن نستسلم.. لن نرفع الرايات البيضاء لإسرائيل وحلفائها. جسّد صمود غزة إرادة شعب لا يقهر.. وسيواصل النضال من أجل أهدافه النبيلة بالحرية والاستقلال وتقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية على أرض وطنه كبقية شعوب الأرض.

صمدت غزة المحاصرة في وجه أشرس حملة عسكرية إسرائيلية، وسطر أبطال المقاومة أروع الصور النضالية، وقدم الشعب الفلسطيني حوالي 1900 شهيد بينهم أكثر من 400 طفل. وحوالي عشرة آلاف جريح. وتسببت حرب الإبادة بكارثة إنسانية، دمار شامل لأحياء بأكملها في الشجاعية والشعف،ورفح وخان يونس، وبيت حانون وغيرها. وتعاني غزة من انقطاع شبه كامل للكهرباء والمياه جراء القصف الوحشي والمتعمد لخزانات الوقود ومحطة الكهرباء الوحيدة في القطاع،ولمضخات المياه الصالحة للشرب. كما نفذت معظم المواد الغذائية والحاجيات الضرورية من الأسواق بسبب الحرب والحصار، وخاصة الدقيق والمحروقات. وقدرت الجهات الرسمية الفلسطينية حجم الخسائر في غزة بحوالي 8 مليار دولار.

ضاعفت الحرب الإجرامية معاناة الشعب الفلسطيني في القطاع بتدمير المنشآت الاقتصادية، وفاقمت الأزمة الاقتصادية، ما يزيد من بؤس المواطنين، فمن المعروف أن حوالي 40% من سكان غزة يعانون من الفقر والبطالة، فقد تسبب الاحتلال بحرمان المواطنين من الإنتاج الزراعي، بتجريف مساحات شاسعة من الأراضي، واقتلاع أشجار الحمضيات وتدمير شبكات الري وردم آبار المياه. وحرم القطاع من إنتاج حوالي 100 ألف طن من الحمضيات سنويا، كان يصدر منها أكثر من 60 ألف طن، وكانت تشكل الزراعة مصدر دخل رئيسي للغزاوين.

ارتكبت جريمة العصر تحت سمع وبصر العالم، وشوهدت أشلاء الأطفال المتناثرة على شاشات الفضائيات العالمية، مما حدا بالأمين للأمم المتحدة بوصف هذه الجرائم واستهداف المدارس بجرائم حرب.. خاصة بعد إعلان جهازه الإداري في غزة أنه أبلغ قوات الاحتلال 17 مرة أن مدارسهم تأوي الأطفال والنساء..! ألا يكفي هذا لمعاقبة “إسرائيل” وإخضاعها للقوانين والمواثيق الدولية؟.. لكن من يحاسب “إسرائيل” وهي تتلقى الدعم السياسي والعسكري واللا أخلاقي من البنتاغون والحلف الأطلسي، “وبان كي مون” مجرد موظف صغير لديهم..! أمّا الدول العربية المتصهينة التي قامت “بواجبها على أكمل وجه” حظيت بوسام القتلة بعد توفير الغطاء السياسي والمالي لحرب الإبادة على غزة.. أي نظام عربي هذا؟.. وأي نظام عالمي يعاقب الضحية ويحمي الجلاد، ويدعي العدل والمساوة؟

أن إعلان التهدئة ووقف إطلاق النار، نقل للصراع الدائر من ساحات القتال، إلى الساحات السياسية، لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال وقف النضال ضد المحتلين الصهاينة، وقد عبرت المقاومة الفلسطينية ممثلة بكافة فصائلها عن موقف وطني موحد يتمثل: بوقف العدوان على قطاع غزة، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من القطاع ،ورفع الحصار، وإعادة تشغيل مطار غزة، وإنشاء ميناء غزة، والسماح للصيادين للوصول إلى 12 ميلاً بحرياً، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين وفقاً للاتفاقات السابقة، وتبني خطة لإعادة إعمار غزة تتولاها حكومة الوفاق الوطني.

إنّ التمسك بالمطالب الفلسطينية يشكل خطوة هامة على طريق كنس الاحتلال من الأراضي المحتلة وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية، وهذا يتطلب الحفاظ على الموقف الموحد وتشكيل قيادات جماعية من كافة الفصائل، سياسية وميدانية، لمواصلة النضال الوطني الفلسطيني بكافة أشكاله السياسية والجماهيرية بما في ذلك المقاومة المسلحة. وإخضاع برنامج حكومة الوفاق الوطني للمصالح النضالية للشعب الفلسطيني والتوقيع على المواثيق الدولية التي تخدم فضح وتعرية ومحاكمة المجرمين الطغاة. والتحرك عربيًا ودوليًا لإقامة جبهة عريضة مسانِدة للنضال الفلسطيني مستفيدين من حملة التضامن الشعبية الواسعة التي عمّت أنحاء العالم، وأخص بالذكر دول أمريكا اللاتينية التي عبرت عن مواقف متميزة بقطع العلاقات وحملات التضامن والتأييد وتقديم المساعدة للشعب الفلسطيني.