تعجز الكلمات عن التعبير في لحظة تأمل وذهول امام فقدان مبدع بكل المقاييس, عرفناه انساناً وشاعراً ومناضلاً ضد الظلم والاضطهاد واستغلال الانسان للانسان وقبل كل شيء ضد القهر القومي والاحتلال الاسرائيلي, التقيته في صوفيا صيف عام 1968 حيث التأم مهرجان الشباب العالمي, واحدث ظهوره المفاجئ ضمن وفد الحزب الشيوعي الاسرائيلي ضجة كبيرة واتهامات جارحة من اوساط معينة في بعض الوفود العربية, عبرت فيما بعد عن اسفها لما بدر منها بعد ان اتضح لها مواقف هذا المناضل المدافع بقوة عن حقوق الشعب الفلسطيني.
كان لقاؤنا الثاني في موسكو عام 1970 حيث كنا ندرس الفلسفة والاقتصاد في معهد العلوم الاجتماعية, كان محمود يحظى باحترام وتقدير مختلف الاوساط السياسية والثقافية في موسكو وكان معروفا لدى اوساط واسعة في المجتمع السوفييتي, في قاعة المعهد التي تتسع لمئات الدارسين كانت تعقد الندوات الفكرية والثقافية اسبوعيا, وقد اختير محمود درويش لالقاء كلمة سياسية باحدى المناسبات الوطنية وبحضور جميع الدارسين, وقد شعرت حينها انني امام مثقف مميز وانا استمع لكلمته باسلوبه المبدع وثقافته العالية واختياره للمفردات, شعرت وكأنني استمع للغة العربية لاول مرة, كان خطابا سياسيا ثقافيا, وطنيا, انسانيا, بامتياز, نعم انه سفير اللغة العربية امام العالم, سفير المقهورين اينما حل ممثلا للشعب الفلسطيني يعكس الامه ومعاناته.
كان علينا ان نعود في المساء الى السكن الداخلي التابع للمعهد قبل الساعة الحادية عشر, وذات مساء عدت متخلفا عن الموعد, وقد احترت فيما افعل وحين اكتشفت ان محمود درويش شريكي بالتأخير, هان علي الامر, فاذا به يداعبني اين كنت يا رفيق انت غير منضبط, فاجبته من حسن حظي انني لست وحدي, واذا به ينادي على المسؤول المناوب عن ادارة السكن الداخلي, ليحضر وهو يتمتم باللغة الروسية فاتحا الباب دخلت بمعيته وكانت من الامسيات القليلة التي التقينا بها للاسباب نفسها.
مساء ذات يوم جاءنا احد رفاق درويش مسرعا كي نستمع سويا الى محطة اذاعة صوت العرب, وكانت الجبهات العربية ساخنة اعتقدنا ان الحرب قد اندلعت وبدأت معركة التحرير .. الا اننا فوجئنا ب¯ محمود درويش يتحدث من اذاعة صوت العرب من القاهرة, دار هرج ومرج, محمود درويش في القاهرة, ماذا يعني ذلك, يعني الكثير, ان محمود درويش لن يتمكن من العودة الى الاراضي الفلسطينية المحتلة قبل تحريرها, فمن المعروف ان محمود من مواطني الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وبقي مع اسرته رغم تدمير قريته وتعرضه للاضطهاد القومي كبقية ابناء الشعب الفلسطيني الذين اختاروا البقاء في ارض فلسطين.
وكان محمود درويش قد غادر موسكو في مطلع عام 1971 متجها الى الهند لاستلام جائزة تقدير لاعماله الشعرية ودوره التعبوي في مقاومة الاحتلال, حيث التقى بعدد من المثقفين المصريين ومن بينهم لطفي الخولي الذي اصطحبه معه الى القاهرة, قيل ان محمود درويش فقد بريقه بعد خروجه من الاراضي المحتلة وفقد مصدر الهامه وغذاءه الثقافي والادبي, لكنه بقي على العهد كما اعلن منذ لحظة وصوله القاهرة »غيرت موقعي ولم اغير موقفي« بقي وطنيا صادقا ملتزما بقضايا شعبه الفلسطيني وشاعرا مبدعا متحديا للقهر والظلم والعدوان, فهو مرتبط بالارض ومسكون بها, متوحدا مع الشعر والمقاومة والمكان, مرآة للوجه الحقيقي للشعب الفلسطيني ونضاله المثابر من اجل الاستقلال واقامة الدولة وحق العودة, غادرنا مبكرا وهو في ذروة عطائه فله المجد والخلود.