بإعلان مجموعة بريكس عن إنشاء “بنك للتنمية وصندوق للطوارئ” تكون المجموعة قد أقدمت على خطوة هامة نحو ترسيخ نظام عالمي متعدد القطبية. فقد أعلنت رئيسة البرازيل ديلما روسيف عن توقيع الاتفاق أثناء انعقاد قمة البرازيل، وبرأسمال مبدئي 100 مليار دولار، وسيتخذ البنك من مدينة شنغهاي الصينية مقرًا له. ويتميز تكتل بريكس بتوجهه السياسي المغاير للسياسات الامبريالية، فهو ينطلق بعلاقاته الخارجية من المصالح المشتركة، بعيدًا عن نهج الهيمنة والتبعية، وهذا ما أكدته ديلما روسيف، بأن المجموعة تسعى لتحقيق العدالة والمساواة في الحقوق، كما إنها شددت على ضرورة المشاركة البناءة للمنظمات الدولية في حل المسائل السياسية المعقدة، منعا لأعمال أحادية الجانب لصالح دولة ما، وقد طالب زعماء بريكس بتحقيق إصلاحات في نظام الحصص التصويتية في صندوق النقد الدولي.
وتشكل مجموعة بريكس 40% من سكان العالم، وحصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي حوالي 21.1%، وقد نمت اقتصاداتها خلال السنوات العشر الأخيرة أكثر من 4 أضعاف، كما ضاعفت حجم التبادل التجاري بينها خلال السنوات الخمس الماضية، وتزداد أهمية التكتل كونه يشكل أكبر سوق في العالم. ويضم في عضويته ثاني أكبر اقتصاد في العالم، الصين، التي تحقق أعلى معدلات نمو اقتصادي في العالم، وصل في الربع الثاني من العام الحالي 7.5%، متجاوزا التوقعات، في حين درجت العادة تخفيض توقعات النمو الاقتصادي في المراكز الرأسمالية الثلاث، ومما يعزز قوة الاقتصاد الصيني ارتفاع نمو الإنتاج الصناعي بنسبة 9.2% في يونيو الماضي مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي، وزيادة استثمارات الأصول الثابتة بنسبة 17.3% في الأشهر الستة الأولى من العام الجاري.
وقد جاءت هذه الخطوة تعبيرا عن استقلالية مجموعة بريكس عن النهج الذي خطته المراكز الرأسمالية الذي عرف بالنموذج الاقتصادي “النيوليبرالي” والذي تغول على شعوب الأرض بعد تفكك الدولة السوفييتية. فلم تكتف الولايات المتحدة الأميركية في تبني الأيديولوجيا “النيوليبرالي” في سياساتها الاقتصادية التي شكلت عبئا ثقيلا على الطبقة العاملة، بل انها فرضت هذه النظرية على غالبية بلدان العالم بما فيها البلدان النامية، التي دفعت ثمن ذلك غاليا، ومن أبرز نتائج هذه السياسات تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب، فقد بلغت هذه الفجوة خلال العقود الثلاثة الاخيرة أضعاف ما شهدته البشرية خلال قرون، بسبب العلاقات غير المتكافئة. وتجسد قانون الافقار بأبشع صوره الناجم عن التراكم الرأسمالي، بعد تحقيق التوسع الرأسمالي العالمي، بسياسة التخاصية التي جرى تعميمها، وبموجبها استولت الاحتكارات الرأسمالية بمشاركة فئات طفيلية محلية على الصناعات الوطنية في البلدان النامية، وفرضت سياسة الانفتاح المطلق لانسياب السلع من المراكز الرأسمالية إلى مختلف أرجاء المعمورة وحرمان الدول النامية من بناء اقتصادات وطنية، مما أسهم في تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب.
كما حرمت الطبقة العاملة من الاستفادة من استثمار التقنيات الحديثة لردم الهوة بين الطبقات الاجتماعية، واستغلال المراكز الرأسمالية لثورة المعلومات في تطوير القوى المنتجة بمستويات عالية، التي شكلت نقلة نوعية في تحديث نظم الإنتاج وتطوير الإنتاجية، ويقول الخبير الاقتصادي جوزيف ستيغليتز والحائز على جائزة نوبل أصبح الدخل المتوسط في الولايات المتحدة اليوم أدنى مما كان عليه قبل ربع قرن من الزمان، ليس لأن الإنتاجية كانت راكدة بل كان ذلك راجعاً إلى ركود الأجور.
وبفضل السياسات “النيوليبرالية” تراجع دخل الشباب في بريطانيا بين 22 و30 إلى حوالي 13% في الفترة من 2007 وحتى 2013، كما تأثرت فرص العمل للشباب أقل من 30 عامًا بشدة وفقاً لما أورده التقرير الصادر عن معهد الدراسات المالي (IFS)، وأشار إلى أن دخل الأسر الذي تتراوح أعمار أفرادها بين 31 و59 عاما انخفض 7%. كما أظهرت دراسة بريطانية أن دخل الكاتب البريطاني الذي لا يمتهن عملا آخر غير الكتابة هو نحو 11 ألف جنية استرليني في العام. وانخفضت نسبة الكتاب المتفرغين للكتابة من 40% من مجموع الكتاب إلى 11.5% بسبب تدهور أوضاعهم المعيشية، وتشير الدراسة التي أعدتها جامعة كوين ماري بناء على طلب اتحاد الكتاب أن دخل الكاتب المتفرغ كان عام 2005 هو 12330 جنيها استرلينيا.
لم تفلح السياسة الاقتصادية التي اتبعتها المراكز الرأسمالية في إخراج الاقتصاد من أزمته، ولم تجد خيارا أمامها سوى خفض الإنفاق الحكومي وخاصة الخدمات الصحية والخدمات العامة وزيادة الضرائب على الطبقة العاملة والطبقة الوسطى كإجراء وحيد لخفض عجز الموازنة. إن النموذج الاقتصادي “النيوليبرالي” قائم على مفارقة لافتة وفق تعبير د. سمير أمين “خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر ” هذه الصيغة التي أدخلت الوطن العربي في صراعات حادة وخلفت وراءها فقرا وبطالة وفوضى عامة، إضافة إلى حروب قومية وإثنية ومذهبية وأهلية.