عدوان همجي.. تشتت شعبي .. صمت رسمي

منذ عدة أيام والعدو الصهيوني يشن حرب إبادة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مستهدفا البنية التحتية والسكان المدنيين، مخلفا عشرات الشهداء ومئات الجرحى. جاء العدوان الصهيوني بعد الجريمة النكراء التي ارتكبها المستوطنون بإحراق الشاب محمد أبوخضير حيًّا بعد حقنه في البنزين، والاعتداء الوحشي على ابن عمه. ليضيف الاحتلال جريمة جديدة لسجله الملطخ بدماء الفلسطينيين. إنّ استدعاء قوات الاحتلال لجنود الاحتياط دليل واضح على النوايا المبيتة لدى العدو الصهيوني لخوض معركة طويلة، هدفها تدمير بنية المقاومة، وقتل الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، فهو يعتقد أن المناخ السياسي عربيا وإقليميا أصبح ملائما لفرض شروط الاستسلام على الشعب الفلسطيني.
ويأتي العدوان الجديد في ظل صمت عربي ودولي، ففي الوقت الذي يشن الاحتلال الصهيوني عدوانًا مسعورًا على قطاع غزة مدعومًا من الولايات المتحدة والدول الغربية، تقف الأنظمة العربية موقفاً متخاذلاً تجاه تضحيات الشعب الفلسطيني. فالتصريحات الوقحة الصادرة من الأوساط الغربية وخاصة أمريكا وفرنسا وألمانيا، بتحميل الفلسطينيين مسؤولية ما يجري يشجع “إسرائيل” على الإمعان في عدوانها. كما استغلت قوات الاحتلال الصهيوني تفكك الوضع العربي، بعد تدمير سوريا وإخراجها من حلبة الصراع الحقيقي، وتمزيق العراق وصمت كل من مصر والأردن، وانهيار ما كان يعرف بدول الطوق العربي. تركت فلسطين فريسة للاحتلال وبلا غطاء عربي، بسبب الصراعات الدائرة بين الأقطار العربية، ناهيك عن الصراعات الداخلية التي مزقت الجبهات الداخلية طائفياً ومذهبياً. نتيجة العمى السياسي وانحراف البوصلة لدى القوى السياسية بما في ذلك بعض الأحزاب الوطنية والقومية انزلقت نحو المستنقع الطائفي والمذهبي، وأصبحت الثقافة الإقليمية والمذهبية محركًا سياسيًا لعدد من العواصم العربية، واختفى الصراع الأساسي الذي كان يتمحور بين حركة التحرر العربي بفصائلها المختلفة وبين الإمبريالية والصهيونية والرجعية.
مع ذلك تصدى الشعب الفلسطيني للعدوان البربري بشجاعة مقطوعة النظير، ويكفي الإشارة إلى الدرع البشري الذي أقامه الفلسطينيون على ظهر منزل عائلة كوارع لحمايته من القصف الصهيوني، والذي أدى إلى استشهاد خمسة منهم وجرح 25، بسبب التصدي للقذائف الصاروخية بأجسادهم، تعبيرًا عن شجاعتهم ونكران ذاتهم، كما تصدت المقاومة الفلسطينية ببسالة للعدوان الهمجي، وأمطرت المدن والمستوطنات الصهيونية وبعض المواقع العسكرية بالقذائف الصاروخية، ووسعت دائرة الاستهداف لمدن ومستوطنات جديدة للمرة الأولى، وانخرط الفلسطينيون في مواجهات مع قوات الاحتلال في مختلف الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع والمناطق المحتلة عام 48 وتصاعد الغضب الفلسطيني ليبشر ببداية انتفاضة جديدة.
ليست المرة الأولى التي يقذف العدو الصهيوني بحممه على قطاع غزة، ويعرض حياة الغزيين للخطر، أطفالا ونساءً وشيوخا، لكن هذه المرة في ظل مستجدات عربية وإقليمية، وفي ظل علاقات عربية مأزومة بشكل غير مسبوق، ورغم المصالحة الوطنية التي استهدفت ردم الهوة، عدا عن كونها مطلبا شعبيا واستحقاقا وطنيا، إلا أنها ما زالت شكلية من حيث الجوهر، فهي انحصرت في تحويل الأعباء المالية لسلطة حماس إلى السلطة الفلسطينية في رام الله، مقابل حل الحكومة المقالة في غزة، لافتقارها للإمكانيات المادية لتلبية الاستحقاقات بما في ذلك صرف رواتب الموظفين، نتيجة انقطاع الدعم الذي كانت تتلقاه من حلفائها في المنطقة.
أما السلطة الفلسطينية التي انخرطت كاملا بمشروع التسوية والمفاوضات العبثية والتنكر لنضالات الشعب الفلسطيني المشروعة في مقاومة الاحتلال الصهيوني، فقد أوغلت بالتنسيق والتعاون الأمني مع المحتلين الصهاينة، استمرارًا لنهج أوسلو على الرغم من تنكر حكومة نتنياهو لهذه الاتفاقية، ومواصلة سياسة الاستيطان واحتجاز آلاف الفلسطينيين في معسكرات الاعتقال، لذلك لم نلحظ دورا ملموسا للسلطة الفلسطينية في التخفيف من آلام الشعب الفلسطيني أو التحرك السياسي السريع بتحشيد عربي ودولي لوقف العدوان، بل أكثر من ذلك لوحظ تحريض سلطوي ضد المقاومة أثناء الحملة الصهيونية المسعورة في التفتيش عن الجنود الصهاينة الثلاثة.
ليس خافياً على أحد أن ما يجري في سوريا من تدمير للدولة ومؤسساتها ومن حرب قذرة في العديد من القرى والمدن، شمالاً وجنوبا شرقاً وغرباً، وانشغال جبهة المقاومة اللبنانية بالأزمة السورية، ما هو إلا مقدمات لما يجري الآن في فلسطين، حيث عملت الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة على إطالة الأزمة لاستنزاف الدولة السورية، وقد أعلن أوباما صراحة أن المراهنة على الائتلاف الوطني للمعارضة السورية مضيعة للوقت، وهو يتحدث عن اتباعه الذين مولهم وأنفق عليهم من خلال حلفائه في المنطقة، دون أن يوفر لهم فرصة حسم الصراع، بذلك تكون أمريكا قد حققت نجاحا باهرا بالإبقاء على استنزاف الوطن العربي، والحفاظ على التوازن بين الأطراف المسلحة لمنع حسم الصراع.
إن حرب الإبادة التي تشنها جحافل قوات الاحتلال على الشعب الفلسطيني تضع الأمة العربية أمام مسؤولية تاريخية، لحماية الشعب الفلسطيني، وتقديم الدعم السياسي والمادي والمعنوي لمواصلة نضاله من أجل كنس الاحتلال، وأخص بالذكر مصر والأردن باعتبارهما يتحملان مسؤولية أخلاقية بحكم المسؤولية التاريخية للدولتين تجاه الضفة والقطاع.