ماذا يجري في العراق !

قبل الدخول في تفاصيل ما يجري في العراق، علينا الاعتراف أولا بحقيقة موضوعية؛ وهي أن الكارثة التي حلت بالعراق هي حصيلة الاحتلال الأمريكي عام 2003، وتعيين بريمر حاكما للعراق، وقيامه بتشكيل مجلس للحكم على أسس طائفية لمساعدته، وتدمير الجيش العراقي والمؤسسات الوطنية، وتنصيب ما يسمى بالمعارضة التي دخلت العراق على ظهر الدبابة الأمريكية لقيادة الدولة العراقية بعد انتهاء مهمة بريمر، وكان حريصا على إصدار دستور طائفي للعراق يحمل بذور صراعات وأزمات طائفية ومذهبية قبل مغادرته، متضمنا 21 تشريعا طائفيا ومذهبيا للأحوال الشخصية، مقسما الشعب العراقي الى 21 تجمعا (مجاميع) على أسس طائفية ومذهبية وإثنية، وتم نقل معاملات الأحوال الشخصية والمدنية للمواطنين من المؤسسات المدنية في المدن والمحافظات إلى مؤسسات دينية؛ مما أدى إلى غرس بذرة تفتيت العراق طائفيا، وقد أسس الدستور لتقسيم العراق (سنة وشيعة وكرد) وعزز العصبيات القبلية والمذهبية، واعداد العراق نحو نظام الأقاليم والفيدراليات تمهيدا لتقسيمه إلى دويلات.

دستور بريمر يعيد إلى الأذهان اتفاقية سايكس بيكو التي مزقت الوطن العربي، وذلك ليسهل على المحتل الأمريكي استمرار الهيمنة على العراق ونهب ثرواته، وتدمير أكبر وأهم دولة عربية بعد إخراج مصر من الصراع العربي-الإسرئيلي في مواجهة الكيان الصهيوني وحرمانه من المساهمة بأي دور عربي وحدوي قومي. ومع تدمير بنية الدولة السورية تكون اكتملت الدائرة بتصفية دور دول المواجهة الثلاث دون اثمان او كلف على الكيان الصهيوني، وإغلاق الأبواب في وجه المشروع العربي الحضاري الذي نجح المستعمر في تغييبه عن الساحة العربية. وترك المنطقة ميدانا لمشاريع وأطماع أجنبية (المشروع الصهيوني التوسعي الإمبريالي، المشروع العثماني التركي، والمشروع المذهبي الإيراني).

… تركت الإمبريالية الأمريكية بصماتها على مختلف مناحي الحياة، من هيمنة على النفط العراقي، إلى تمزيق النسيج الاجتماعي العراقي، وإقامة نظام هش عاجز عن توفير الأمن والاستقرار للشعب العراقي، أدى إلى استنزاف العراق بالتفجيرات والمفخخات المتبادلة بين الطوائف، بعد أن تخطت الخلافات الطائفية حدود الصراع السياسي والانتقال إلى الصراع المسلح، وفشل تلاميذ بريمر بتقاسم ما تبقى من “الكعكة” بعد التهام الاحتكارات الأمريكية العسكرية والمدنية الجزء الأعظم منها، واستشراء مظاهر الفساد, وترك الشعب العراقي ضحية للاحتكارات الرأسمالية، والتجمعات الاثنية المتنفذة في الحكم، فالعراق الغني بثرواته البترولية وحضارته العريقة يتمتع بمؤهلات تمكنه من إقامة أهم دولة في المنطقة. الاحتلال الأمريكي حول العراق إلى دولة فاشلة، وحول الشعب العراقي إلى “مجاميع” ولاجئين ومشردين في مختلف اصقاع الارض، ومن تمسك بأرضه ووطنه يعاني من الفقر والبطالة، ويقدم التضحيات لحرب غير مقدسة فرضتها الإمبريالية الأمريكية وطاغوت المال؟ امتزج فيها النضال ضد الاحتلال الأمريكي وأعوانه في السلطة مع معارك طائفية ومذهبية وجهوية، فمن يسمون أنفسهم الآن بالثوار السنة، أو ثوار العشائر أو داعش، يحظون بدعم سعودي-أمريكي! او بعبارة أخرى تستغل المملكة العربية السعودية وأمريكا ما يجري في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى لإضعاف الدور الإيراني.

وبالمقابل، يُطالب نظام الحكم في بغداد بدعم أمريكي-إيراني في مواجهة “الثوار”! وتستعد أمريكا -وفقا للتصريحات الرسمية- لنوع من التدخل، لكنها ليس على عجل من أمرها؛ فهي تدفع باتجاه الوصول إلى صيغة بين الأطراف المتصارعة، تمهد الطريق أمام تقسيم العراق إلى فيدراليات، بذريعة عدم إقصاء أحد أطراف “المكونات” الأساسية في العراق.. ولكن على أسس طائفية، لضمان تفتيت العراق كدولة عربية قادرة على النهوض بالأمة مستقبلا. ومن جهة أخرى إضعاف النفوذ الإيراني وعقد صفقة أمريكية-إيرانية تحافظ على المصالح الأمريكية في المنطقة، وتضمن أمن واستقرار الكيان الصهيوني. كما اغتنمت الحكومة الكردية في الشمال فرصة انهيار مؤسسة الحكم في كركوك ونينوى دفعت بقوات البشمركة لاحتلال كركوك والفوز بغنيمة دسمة كان مختلفا عليها مع المالكي لضمان ضمها إلى “دولة” كردستان المنتظرة ضمن مخطط تفكيك وإعادة تركيب المنطقة وفق المصالح الصهيونية والإمبريالية الأمريكية. ونأت حكومة كردستان بنفسها عن التدخل في نينوى رغم طلب المالكي، فهي غير معنية في القتال نيابة عن حكومة بغداد، وتحاول حصر دورها في كركوك وحولها، لتكريس ملامح وحدود تقسيم العراق الذي يعتبر من اهم اهداف العدوان الإمبريالي الأمريكي على العراق عام 2003.

… ما يجري حاليا في العراق يتجاوز المصالح والحدود العراقية، والتحشيد والاقتتال العراقي يخدم مصالح قوى خارجية تتصارع على العراق وثروته، وتدفع بالعراق نحو حرب أهلية مذهبية خطيرة، وهناك ترابط بين الأزمة السورية والعراقية، على الرغم من خصائص كل دولة، ووجود تباينات جوهرية في الأزمتين، إلا أن عناصر الأزمة العراقية والسورية متشابكة ومتداخلة، وآثارها متبادلة، ما تؤول إليه الأزمة العراقية ينعكس على الأزمة السورية في حسابات الربح والخسارة؛ بسبب وقوع الدولتين تحت تأثير التجاذبات السياسية الإقليمية والدولية.