الكيل بمكيالين في العلاقات الدولية

أجمع زعماء الدول الغربية على إدانة روسيا لما جرى في شبه جزيرة القرم، ووصفوه بانتهاك للسيادة الأوكرانية وللقانون الدولي، وقد حاولت أمريكا وحلفاؤها استصدار قرار من مجلس الأمن بعدم الاعتراف بنتائج الاستفتاء الذي جرى في القرم حول مستقبل المنطقة، كما فرضت الدول الغربية عقوبات على شخصيات روسية وأوكرانية. وقامت الولايات المتحدة الأمريكية بتجميد حسابات تلك الشخصيات وفرض حظر السفر عليها، ومن باب التعبئة والتحشيد والتهويل قام نائب الرئيس الأمريكي بايدن بزيارة دول البلطيق الثلاث ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا إضافة إلى بولندا للتأكيد لهم أن بلادهم تحت مظلة حلف شمال الأطلنطي “الناتو”.

أما العقوبات الاقتصادية فما زالت مدار بحث بين الدول الأوروبية، وذلك بسبب حجم التبادل التجاري السلعي بين روسيا والاتحاد الأوروبي الذي يميل لصالح روسيا، ومعظم الصادرات الروسية من الغاز والنفط، أما صادرات الاتحاد الأوروبي من الآلات ووسائل النقل وغيرها. وبالمقابل قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إذا فرضت على روسيا عقوبات فسنحول اهتمامنا إلى شركاء آخرين في الشطر الآخر من العالم. العالم ليس أحادي القطب وسنركز بالتالي على شركاء اقتصاديين آخرين. لا شك أن سياسة العقوبات سلاح ذو حدين خاصة على دولة بحجم روسيا في ظل العولمة الرأسمالية، وحجم الاستثمارات والتبادل التجاري بين الأطراف المعنية، كما تشكل روسيا جزءًا هامًا من تكتل اقتصادي عالمي “بركس” الذي يضم الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا أهم الدول الصاعدة اقتصاديا في العالم، والعقوبات الاقتصادية ستترك آثارا سلبية ليس على روسيا وحدها.

لن أتوقف طويلا عند العقوبات وآثارها على طرفي المعادلة، لكنني أود التوقف عند سياسة الكيل بمكيالين، فقد طالبت رئيسة الأرجنتين كريستينا كيرشنر الدول الغربية بالتخلي عن المعاييرالمزدوجة في الموقف، مشيرة إلى أن قضية جزر الفوكلاند التي كانت سببًا في نشوب حرب بين الدولتين عام 1982. فإن بريطانيا والولايات المتحدة بشكل خاص أبدتا مساندتهما لاستفتاء في هذه الجزر، وصفته بأنّه لم يقم على أساس قانوني. وتساءلت كيرشنر، لماذا ترفض الدول الغربية الاعتراف بشرعية الاستفتاء في القرم، وهي منطقة تبعد بضعة كيلومترات عن روسيا، في حين تعترف بتصويت سكان جزر بعيدة عن بريطانيا بما يزيد عن 13 ألف كيلومتر.

أما قضية الشعب الفلسطيني، وما تعرض له من احتلال وتهجير واستيطان واضطهاد وقتل واعتقال من قبل العدو الصهيوني، لم يتعرض له شعب في العالم، فمنذ عام 1948 وهو يعاني من الاحتلال والتشرد، ولم يخطر ببال أمريكا وحلفائها “الغيورين” على حقوق الإنسان والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، اتخاذ خطوة واحدة باتجاه تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، بل يمارسون الضغوط على الشعب الفلسطيني للاعتراف بالأمر الواقع وتكريس الاحتلال.

وتخرج كاثرين آشتون وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي بتصريح استفزازي في ختام اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل تطميناً للصهاينة أن “الاتحاد الأوروبي يعارض مقاطعة إسرائيل، وان الاتحاد الأوروبي يعارض مقاطعة الشركات الإسرائيلية، لا نريد رؤية إسرائيل معزولة”. وجاء ذلك بعد اتهام الكاتب الأمريكي الصهيوني توماس فريدمان للاتحاد الأوروبي بأنه يقود انتفاضة ثالثة مدفوعة بالمقاطعة الاقتصادية.

نُذكّر من فقد الذاكرة بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت قررا رقم 181 في جلستها المنعقدة بتاريخ 29/11/1947 بتقسيم فلسطين إلى دولتين وجعل القدس وضواحيها منطقة دولية، وحسب القرار المذكور فإنّ مساحة الدولة العربية تشكل 42.88% من مجموع مساحة فلسطين، أما الدولة اليهودية فمساحتها 56.47% ومساحة منطقة القدس 0.65%، وعلى الرغم من أن قرار الأمم المتحدة كان مجحفًا بحق الشعب الفلسطيني. وكان الحل الأمثل إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية ثنائية القومية، ومع ذلك قامت دولة “إسرائيل” عام 1948 واحتلت قسماً كبيرًا من أراضي الدولة العربية الفلسطينية الواردة في قرار التقسيم، وشردت حوالي مليون فلسطيني واستولت على ممتلكاتهم، كما احتلت عام 67 ما تبقى من أرض فلسطين، الضفة الغربية وقطاع غزة، وتم الاستيلاء على الأراضي العربية وإقامة المستوطنات، وتهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية. ورغم صدور عدة قرارات أممية منها قرار رقم 194 الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطيين والتعويض عليهم، الصادرعام 1948، وقرار مجلس الأمن رقم 242 القاضي بانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي المحتلة عام 67، لم نر موقفا أمريكيا وأوروبيا واحدًا مناصرًا لقرارات الشرعية الدولية، ولم تقدم هذه الدول على معاقبة “إسرائيل” مرة واحدة في حياتها لإرغامها على الالتزام بقرارات الأمم المتحدة، بل على العكس من ذلك يتنكر الاتحاد الأوروبي لقرارات بعض المنظمات غير الحكومية في أوروبا التي أعلنت مقاطعتها لمنتجات المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية التي أقيمت على أرض العرب الفلسطينيين بعد طردهم منها