تراجع الاقتصاد التركي

فهمي الكتوت

تواجه تركيا مشكلات سياسية واقتصادية لم تكن ضمن حسابات حزب العدالة، بعد النجاحات الاقتصادية والسياسية التي حققتها خلال العقد الماضي، والتي مكنتها من تبوء موقع الدولة الثامنة عشرة في اقتصادات العالم، وهي تعتبر من الدول الناشئة التي حافظت على معدلات نمو مرتفعة في الناتج المحلي الاجمالي حتى عام 2011، قبل ان يشهد اقتصادها حالة من التراجع، وهبوط النمو الاقتصادي في اعوام 2012 / 2013 الذي تراجع الى 2.2% و 3.2% على التوالي مقارنة مع نمو 6% في عام 2011. كما شهدت الليرة التركية تراجعا ملموسا في الآونة الاخيرة على الرغم من تدخلات البنك المركزي التركي بزيادة نسبة الفائدة، من 7.75 % إلى 12 %، في محاولة لوقف تدهور سعر صرف الليرة مقابل العملات الاجنبية، واللافت ان قرار المركزي برفع الفائدة تم رغم عدم موافقة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. وقد واصلت الليرة التركية تراجعها إلى أدنى مستوى لها أمام الدولار واليورو. حيث وصل سعر صرف الليرة التركية إلى 2.3360 أمام الدولار وإلى 3.2069 امام اليورو.

وفي محاولة من نائب رئيس الحكومة التركي علي باباكان تطمين المستثمرين في منتدى دافوس اعلن ان “التطورات السياسية الأخيرة أدت إلى نوع من التذبذب في الأسواق” معتبرا الأمر يتعلق بعملية إعادة تقويم مؤقتة. موضحا أن السبب الرئيس لهبوط سعر صرف الليرة التركية قيام شركات تركية ببيع مخزونها من العملة المحلية مقابل الدولار واليورو. تبريرات باباكيان قاصرة لا تستند الى اسس علمية، او خلفية مهنية. اذا ما استثنينا الفقرة الاولى التي تشير الى التطورات السياسية دون ايضاح ماهية هذه التطورات… الا اذا كان المقصود من التطورات السياسية تورط تركيا بالازمة السورية وتعريض الاستثمار لمخاطر التراجع الذي تم فعلا.

حقيقة ان هناك مجموعة من الاسباب وراء تراجع الليرة التركية، فهي احدى مؤشرات التراجع الاقتصادي وتعكس حالة تباطؤ النمو الاقتصادي واتساع العجز التجاري، وتراجع الاستثمار الاجنبي، مع عدم اغفال تداعيات الازمة السورية على الاقتصاد التركي، ومخاطر اتساع مساحة الازمة لتشمل اراضي تركية … وتعتبر فضيحة الفساد التي شكلت صدمة عنيفة للمجتمع عامة، وللمستثمر المحلي والاجنبي خاصة، القشة التي قسمت ظهر البعير، خاصة وانها طالت شخصيات قيادية في الحزب والدولة. وجاءت بعد احتجاجات شعبية على سياسات الحزب الحاكم.

لقد اظهرت احدث النشرات الرسمية التركية اتساع العجز التجاري بنسية 37.3 % في ديسمبر الماضي، حيث بلغ 9.917 مليار دولار. ويشير معهد الاحصاءات التركي ان العجز ارتفع في عام 2013 باكمله 18.7% ليصل الى حوالي 99 مليار دولار، كما ادى تراجع قيمة الليرة التركية أمام الدولار واليورو إلى ارتفاع تكلفة الواردات لبلد تستورد النفط والغاز من الخارج، الامر الذي يؤدي الى ارتفاع معدلات التضخم. فلم يعد الاقتصاد التركي جاذبا للاستثمارات الخارجية، وان التدفقات الاستثمارية التي شهدتها تركيا خلال السنوات الماضية كانت لها مبرراتها الاقتصادية، سواء لما كانت تتمتع به تركيا من استقرار سياسي، او نمو اقتصادي جاذب للاستثمار. فقد بلغت صافي التدفقات الاستثمارية الى تركيا عام 2011 بقيمة مليار 16.047 مليار دولار، بزيادة نسبتها 75% عن عام 2010، تراجعت عام 2012 الى 12.519 مليار دولار وفق معلومات البنك الدولي المنشورة على صفحتها تحت عنوان “الاستثمار الاجنبي المباشر صافي التدفقات الوافدة”، كما تراجعت التجارة البينية بين تركيا والاقطار العربية بعد ما شهدت نموا ملحوظا قبل الازمة السورية.

فقد نجحت الاسواق الناشئة ومنها تركيا خلال اعوام الازمة الاقتصادية من استقطاب رؤوس اموال المستثمرين من المراكز الرأسمالية الثلاث، خاصة في ظل العولمة الرأسمالية وانتشار ثورة المعلومات، وانحسار مرحلة تفرد الدول الكبرى بامتلاك التكنولوجيا، وحرمان الدول النامية من الاستفادة منها باعتبارها احدى وسائل الهيمنة الاقتصادية، وذلك بسبب ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في هذه البلدان، مقارنة مع بلدانهم، فاتجهت نحو نقل بعض استثماراتها الى الدول النامية التي تحقق معدلات نمو افضل، مستفيدة من انخفاض كلفة العمالة، غير ابهة بالآثار السلبية الناجمة عن اجراء كهذا على اقتصادات بلدانها التي تمر بظروف صعبة، كون المحرك الاساسي لنشاطها تحقيق الربح، فهي طبقة “كوزموبولتية” ليس معنية بأية دوافع وطنية او قومية الا بالقدر الذي يحقق لها مزيدا من الارباح.

فالحوافز التي شكلت اغراء للمستثمر الاوروبي او الاميركي في الهروب من موطنه بحثا عن اسواق ناشئة تتمتع بمزايا اقتصادية جاذبة، نفسها التي دفعت بعض المستثمرين الذين استقطبهم الاقتصاد التركي، غادر بعضهم بحثا عن اسواق اكثر جاذبية، في ظل بروز مظاهر للازمة الرأسمالية في تركيا. فاقتصادات البلدان الناشئة ليس استثناءا، فهي معرضة لنفس الامراض التي تواجه البلدان الراسمالية المتطورة طالما تسير على نفس الطريق.