المتتبع لمناقشات مجلس النواب للموازنة العامة يدرك مدى اهمية تحقيق اصلاحات سياسية في الوقت الذي اصبح الاصلاح الاقتصادي ضرورة موضوعية, مطلوب اصلاح سياسي ليقود الاصلاح الاقتصادي, الاداء المتواضع لغالبية النواب ومستوى مناقشاتهم يؤكد ذلك, يفترض ان يقدم النائب تصوراته الشاملة حول الموازنة العامة, بدلا من الاكتفاء بالمطالب الخاصة لمنطقته, فمن المعروف ان مناقشة الموازنة تعتبر مناسبة لمناقشة السياسة الاقتصادية بشكل عام, فالموازنة هي احدى اهم ادوات السياسة الاقتصادية والاجتماعية, والحديث عن تصويب الاختلالات الهيكلية للاقتصاد الوطني ينبغي ان يمر عبر تصويب اختلالات الموازنة نفسها.
ليس مطلوبا من النائب ان يكون خبيرا اقتصاديا, لكن يستطيع النائب الاستفادة من الخبراء والمستشارين عامة, مع الانتباه ان الخبير ليس حياديا, فله رؤيته الاقتصادية ضمن منطلقاته الاجتماعية, صحيح ان هناك قضايا علمية لا خلاف عليها, لكن هناك اكثر من رؤية لموضوع التنمية الاقتصادية ومردودها الاجتماعي, والثروة الوطنية وكيفية استثمارها, ومفهوم السياسة الضريبية وآثارها, فقد عملت حكومات سابقة على احداث تغيير ملموس في القوانين الضريبية خدمت طبقات عليا في المجتمع على حساب الغالبية العظمى, لذلك تبرز اهمية وصول نواب مستندين لبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية.
ولكي يعبر النائب عن مصالح الفئات الاجتماعية التي انتخبته, ولكي تتمكن كافة الشرائح الاجتماعية من ايصال ممثلين الى البرلمان لا بد من تحقيق اصلاح سياسي, ونشير هنا الى توصية المركز الوطني لحقوق الانسان بهذا الخصوص, التي تطالب بوضع قانون يعزز التوجه الديمقراطي, ويحقق التعددية السياسية, ويؤمن توسيع المشاركة الشعبية وتحقيق عدالة التمثيل النيابي وفقا للدستور والمعايير الدولية.
ان تردي الاوضاع السياسية وتراجع الحريات الديمقراطية, افرزت البرلمان الحالي, الذي لم ينجح في اولى جولاته باحداث اي تعديل على السياسة الاقتصادية والمالية, واكتفى بالمصادقة على الموازنة باغلبية كبيرة والثناء على الحكومة, بدلا من تصويب سياساتها.
تشير الدراسة الاخيرة التي اجراها مركز الدراسات الاستراتيجي في الجامعة الاردنية, ان غالبية الاردنيين تفهم الديمقراطية انهم ترتبط ارتباطا وثيقا بالحريات المدنية والسياسية, كما ان غالبية المستجيبين افادوا انهم يخافون انتقاد الحكومة علنا خوفا من عقوبات امنية او معيشية, ويشير تقرير المركز الوطني لحقوق الانسان حول الانتخابات النيابية بورود مخالفات وتجاوزات عديدة رافقت العملية الانتخابية منها شكاوي بتعرض مرشحين لضغوط لعدم الترشيح, واخرى لمؤازرين لثنيهم عن دعم مرشحين, في ظل هذا المناخ السياسي جرت الانتخابات النيابية, وافرزت هذه النتائج.
سوف تعاني البلاد من آثار الازمة المركبة, وسوف يعاني الشعب من الاجراءات الحكومية, ولن تطرح حلول مناسبة قبل احداث تغيير ملموس في السياسة الاقتصادية, وهذا يحتاج الى اصلاح سياسي وتوفير آليات جديدة لتشكيل الحكومات, في ظل مناخ سياسي ديمقراطي بعيدا عن الخوف الذي ما زال معششا في اذهان الكثيرين نتيجة السياسات العرفية التي سادت البلاد, وما زالت تأثيراتها ملموسة لدى المواطنين.