رحيل الحكيم

احدث رحيل الحكيم اصداء واسعة بين الاوساط الفلسطينية والعربية, ويعود ذلك للمكانة التي كان يحتلها الحكيم في حركة التحرر العربية, فقد شكل الحكيم ظاهرة مميزة في الوطن العربي منذ نهاية ستينيات القرن الماضي, كان عنوانها الرفض والتمرد..الرفض للسياسات الاستعمارية والصهيونية, ومحاولات فرضها على الامة العربية, ورفض الاعتراف في اغتصاب فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني من بلاده, والتمرد على الواقع العربي الذي خلفه الاستعمار من تجزئة وتخلف اقتصادي واجتماعي.

تزامن بروز هذه الظاهرة مع الزخم النضالي الواسع في كافة ارجاء المعمورة, فقد انتصرت الثورة الكوبية على الطغيان والدكتاتورية, وبرز تشي جيفارا قائدا ثوريا وملهما لشعوب الارض قاطبة, ورمزا للتحرر من الاستعمار والاستغلال, وتحررت فيتنام بقيادة هوشي منه والجنرال جياب.. على الرغم من الاساطيل والجيوش والطائرات الامريكية, ومرغ الشعب الفيتنامي انف المحتلين بالوحل, وتحققت انتصارات عديدة في القارات الثلاث, بقيادة احزاب يسارية وماركسية, نجحت هذه الاحزاب في توطين الماركسية في بلادها, وحملت برنامجا وطنيا واجتماعيا, عنوانه تحرير الوطن من المحتلين, وتحرير الانسان من المستغلين, وتحقيق العدالة الاجتماعية, مستفيدة هذه الاحزاب من المساعدات السخية التي كان يقدمها الاتحاد السوفييتي, في مرحلة تاريخية هامة من النضال الوطني, برز الحكيم قائدا سياسيا هاما في النضال الوطني الفلسطيني والعربي, وطرحت الجبهة الشعبية بقيادته برنامجا سياسيا تضمن تحرير الارض والانسان, ربط البرنامج بين النضال الوطني ضد المحتلين الصهاينة, والنضال من اجل تحرير الانسان من الاضطهاد والعبودية, وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية, متبنيا الفكر الماركسي كمنهج علمي ودليل عمل في النضال الوطني والاجتماعي, الاحزاب السياسية التي ربطت بين مهامها الوطنية والاجتماعية, اصبحت قوة قومية لشعوبها في مرحلة النضال الوطني, وتمكنت من الانفتاح على الجماهير, فلم تعش حالة الاغتراب ولم تعان من العزلة.

اما بعد الانهيار الكبير الذي شهده العالم في مطلع التسعينيات, والذي ترك اثارا بالغة على شعوب الارض, واحدث خللا خطيرا في موازين القوى الدولية والاقليمية, وبدل »حقائق« كانت تعتبر من المسلمات, وفي ظل عولمة الاتصالات, وهيمنة الشركات عابرة القارات ومتعددة الجنسيات, وضمن مفاهيم الليبرالية الجديدة, هذه التطورات الهائلة وضعت الاحزاب اليسارية والماركسية امام امتحان عسير, لاجتيازه لا بد من اجراء مراجعة جوهرية لبرامجها وانظمتها الداخلية, لا بد من طرح برنامج يستجيب لطبيعة المرحلة ضمن المعطيات والظروف الجديدة بحيث تتسع قاعدتها لفئات اجتماعية عريضة وتصبح الاداة الحقيقية القادرة على حمل برنامج وطني اقتصادي واجتماعي, للتصدي للفقر والبطالة والغلاء, وتحقيق العدالة الاجتماعية, والنضال من اجل الحرية والديمقراطية, والتصدي للمشروع الصهيوني الامبريالي, بتأمين اوسع مشاركة للجماهير الشعبية من اجل هذه الاهداف.