|
لم يفاجأ المواطن الأردني من التوجهات الحكومية برفع الأسعار، بقدر مفاجأته بحجم الرفع غير المسبوق، فقد شكل قرار الحكومة برفع أسعار المشتقات النفطية 54 % للغاز المنزلي، و33 % للكاز والسولار، و 14 % للبنزين. صدمة عنيفة للشرائح الاجتماعية خاصة ذوي الدخل المحدود، وهم يشكلون غالبية الشعب الأردني، فقد مهد الرئيس لقراره بجولات ولقاءات وتصريحات غير مقنعة بحال من الأحوال، كون الاجراءات المتعلقة بتخفيض عجز الموازنة مجزوءة واستهدفت جيوب الفقراء، وتفتقر للموضوعية والشفافية. كان القرار مفاجئا بحجمه وأعبائه الثقيلة على المواطنين، ألم يدرك الرئيس أن قرارا كهذا لن يمر من دون ردود أفعال واسعة. ومما يزيد من حدة القرار وآثاره على المواطنين أنه جاء في بداية فصل الشتاء القارس، الا يعتقد الرئيس أن اجراء كهذا سيشعل غضبا شعبيا عارما يضع علامات استفهام حول مدى الحكمة من قرارات تدفع البلاد نحو انفجار اجتماعي غير محسوب النتائج. خاصة وأن رئيس الحكومة استخدم بعض المعلومات التي تفتقر للدقة في تسويق وتبرير القرار، ويمكن ملاحظة ما يلي:
أولا: ينبغي التدقيق في قضية الدعم وحجمه وقيمة المبالغ التي ستوفرها الخزينة مقابل قرار متهور غير مدروس عرض الأمن الاجتماعي للخطر، فقد اعتقدت الحكومة أن قرارا كهذا سوف ينقذ المالية العامة للدولة، في الوقت الذي يتحدث الرئيس عن عجز مالي في موازنة الدولة ومؤسساتها الخاصة بقيمة 6.5 مليار دينار لموازنة قيمتها 9.5 مليار دينار..! ورغم التهويل في الأرقام، الا أن البلاد تمر بأزمة مالية واقتصادية حادة وهي ثمرة سياسات الحكومات المتعاقبة بما فيها الحكومة الحالية، ولا نستطيع أن نتعامل مع هذه الحكومات بالقطعة، وقد سبق وحذرنا في هذه الزاويه عشرات المرات من مخاطر هذا النهج الذي أوصل البلاد الى مرحلة خطيرة. ومع ذلك دعونا نرى حجم الدعم الحقيقي الذي يصل للمواطنين، هناك دعم جزئي للمشتقات النفطية ينحصر بدعم أسطوانة الغاز، ودعم طفيف لمادة السولار والكاز، بينما يحقق البنزين بشقيه أرباحا مرتفعة تصل الى 54 % على أوكتان 95 و 22 % على أوكتان 90 قبل رفع الأسعار، “نسبة الربح مبنية على أسعار تعويم المشتقات النفطية 2008 ” ومن الممكن أن تغطي هذه الأرباح الجزء الأهم من الدعم، ان لم نقل الدعم كاملا، وعلى الحكومة أن تثبت عكس ذلك بأرقام واضحة حول التكاليف الحقيقية للمشتقات النفطية والأرباح والخسائر المتحققة بشفافية عالية . ثانيا: أما التهويل بالأرقام والمعلومات له تداعيات خطيرة فالتصريحات غير المتوازنة، سواء ما يتعلق بقضية الدينار وحماية سعر الصرف أمام العملات الاجنبية، أو الأرقام الفلكية االتي تناولها الرئيس حول عجز الموازنة “6.5” مليار، اي نسبة تصل الى 30 % من الناتج المحلي الاجمالي، وهي نسبة لم تصل لها دولة في العالم حتى اليونان التي وصلت الى حافة الافلاس. فاذا كان الهدف من هذه التصريحات خلق حالة من الرعب لارغام المواطنين على القبول برفع الأسعار، فان هذه التصريحات سوف تشكل ضررا فادحا للاقتصاد الوطني، فهي تقدم معلومات طاردة للمستثمرين، وأصحاب رؤوس الأموال، وتؤدي الى تخفيض التصنيف الائتماني للاقتصاد الاردني ما يحرم الحكومة من الحصول على القروض خاصة وان سببا مهما من أسباب رفع الدعم تمكين الحكومة من الاقتراض الخارجي وفقا لما اورده الرئيس. ثالثا : تناول الرئيس توجهات مستقبلية تنوي حكومته اتخاذها لمعالجة عجز الموازنة، ولم يعلن عن خطوة واحدة اتخذتها حكومته في هذا المجال، ألم تكن التوجهات الحكومية جدية وتستهدف معالجة الازمة المالية لو ابتدأت بحزمة الاجراءات وفي مقدمتها تخفيض نفقات الخزينة المدنية والعسكرية بنسبة لا تقل عن 15 % من قيمة موازنة الدولة ومؤسساتها باستثناء الرواتب والمعاشات ما يوفر للخزينة مليار دينار بحده الادنى، اضافة الى زيادة ايرادات الخزينة برفع رسوم التعدين للتخفيف من الغبن الذي لحق بالاقتصاد الوطني نتيجة الخسائر الفادحة المتحققة بسبب التخاصية، اضافة الى حق الدولة بتحصيل رسوم التعدين بشكل عادل كون شركات التعدين تقوم باستخراج وبيع ثروة أردنية، خاصة اذا ما علمنا ان عائدات الخزينة من رسوم التعدين 50 مليون دينار فقط. ودمج المؤسسات الخاصة، وتحقيق اصلاح ضريبي شامل يستند الى الضريبة التصاعدية “دخل ومبيعات” واسترداد اموال الشعب من الفاسدين، اضافة الى عدد من الاجراءات الاصلاحية التي سبق وتناولتها في دراسة خاصة لم يتسع المقال لذكرها . |
||