الاتجاهات العامة للنمو الاقتصادي

تشير التقارير الصادرة عن الجهات الرسمية ان الاقتصاد الاردني حقق نموا خلال عام 2006 نسبته 6.4% كمحصلة نهائية لنمو ملحوظ لبعض القطاعات مثل قطاع الإنشاءات وقطاع الخدمات الاجتماعية والشخصية وقطاع الكهرباء والمياه بنسب متفاوتة على التوالي 11.1% و 10.6%و9.2% ، مقابل تراجع قطاعات الصناعات الاستخراجية بنسبة 8.3% وتباطؤ نمو قطاع الإنتاج الزراعي إلى 06%، كما شهدت قطاعات الصناعات التحويلية وقطاعات التجارة والمطاعم والفنادق والنقل تباطؤ في معدلات نموها قياسا لعام 2005.

يمكن تفسير أسباب النمو في بعض القطاعات مثل قطاع الإنشاءات والمياه والكهرباء بالتوسع الاستثماري في هذه القطاعات، نتيجة زيادة الطلب على المشاريع الإسكانية، او لاعتقاد المستثمرين ان مازال هناك طلب على هذه المشاريع بسبب استمرار الاحتلال الأمريكي للعراق وتدفق أعداد كبيرة من المواطنيين العراقيين إلى الأردن، بالإضافة إلى توجه طفيف لبعض الاستثمارات العربية نحو الأسواق الإقليمية ومنها الأردن نتيجة الإجراءات التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول، والتدفقات النقدية الهائلة على دول الخليج لارتفاع أسعارا لنفط.

على الرغم من الجوانب الايجابية لنمو هذه القطاعات، وما يحدثه ذلك من نشاط استثماري، إلا ان أثاره السلبية لا يمكن إغفالها، ان زيادة الطلب والتوسع الاستثماري في هذه القطاعات أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي والشقق السكنية، وأصبح القسم الأعظم من ذوي الدخل المحدود غير قادر على تملك شقة سكنية،علما ان التوسع في هذا القطاع لا يسهم كثيرا في معالجة مشكلة البطالة، كون معظم العاملين في قطاع الإنشاءات من العمالة الوافدة ومعظم دخولهم لا تنفق في البلاد وتحول إلى الخارج، أما تأثير نمو قطاعات المياه والكهرباء على الاقتصاد فهو سلبي، بسبب الضغط الشديد الذي يتعرض له مخزون المياه المتواضع في البلاد، فالمطلوب والحالة هذه ترشيد استهلاك المياه وليس العكس، وكذلك الأمر بالنسبة للكهرباء بسبب ارتفاع كلفة الطاقة.

أما الجهات المستفيدة بالدرجة الأولى من هذا النمو، وزيادة الطلب على الأراضي والشقق السكنية وارتفاع أسعارها، كبار المستثمرين والمضاربين في الأراضي، بالإضافة الى الخزينة التي ارتفع دخلها بشكل ملحوظ من رسوم الأراضي والشقق وضريبتي الدخل والمبيعات، ومع ذلك ورغم ما تحققه الخزينة من زيادة في الإيرادات، الا ان هذا النمو لا يعبر عن حالة صحية في الاقتصاد الوطني، ولا يسير بالاتجاه الصحيح، خاصة إذا نظرنا الى تباطؤ نمو القطاع الزراعي، والتوسع في استيراد المواد الغذائية، وتباطؤالصناعات التحويلية او تراجع القطاعات الأخرى مثل قطاع الصناعات الاستخراجية، نتيجة انخفاض انتاج كل من الفوسفات والبوتاس، ويعزى انخفاض إنتاج البوتاس خلال عام 2006 الى المشاكل الفنية التي واجهتها الشركة في احد سدودها، وضعف الأداء بالإضافة الى عدم تدارك ادارة الشركة للمطالب العمالية، والاستجابة لها في الوقت المناسب، وتجنيب الشركة الإضرابات العمالية والخسارة الناجمة عنها، اما انخفاض إنتاج الفوسفات يعزى الى خسارة بعض أسواق التصدير بسبب المنافسة الشديدة.

مرة أخرى لا بد من التأكيد على الحاجة الموضوعية التي سبق وتناولتها في هذه الزاوية في أكثر من مرة الا وهي ضرورة إنشاء صناعات جديدة تعتمد على خامات البوتاس والفوسفات والصخر الزيتي وغيرها من الخامات المحلية، بدلا من بيعها بأسعار هزيلة، وجاءت تصريحات وزير التعليم العالي حول وجود كميات كبيرة وتجارية من اليورانيوم في الفوسفات وارتفاع أسعار هذه المادة عالميا لندرتها وزيادة الطلب عليها تأكيدا على أهمية إنشاء مشاريع إنتاجية، مما يشكل إمكانية حقيقية لبناء قاعدة اقتصادية بالاعتماد على الذات، ومعالجة قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق تطور ونمو اقتصادي متوازن وتنمية مستدامة والتصدي لقضايا الفقر والبطالة، والتخلص من العجز المزمن للموازنة.
لا بد من وقفة جادة لمراجعة التوجهات العامة للاقتصاد الوطني، والتعرف على الآثار الناجمة عن اتجاهاته، خاصة إذا ما علمنا ان لا أثارا ايجابية لهذا النمو على السكان فقد شهد الاقتصاد الأردني خلال نفس الفترة تضخم بمعدلات مرتفعة التهمت النمو الاقتصادي ، وقد تواصل التضخم خلال الربع الأول من العام الحالي بمعدلات أعلى بكثير ، حيث بلغ معدل التضخم 8.2% بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي وفقا للنشرة الشهرية للبنك المركزي ، علما ان تأثير الارتفاع اشد وطأه على المواطنين من النسب المعلنة بسبب ارتفاع المواد الأكثر أهمية لحياة الناس بنسب أعلى بكثير من المواد الأقل أهمية، فتشير الإحصاءات الرسمية أن هذه الزيادة ناجمة عن ارتفاع 91.1% من البنود المكونة للرقم القياسي لأسعار المستهلك، ومن أبرزها الخضروات التي ارتفعت بنسبة 63.7% واللحوم والدواجن بنسبة 21.8% والوقود والإنارة بنسبة 16.8% والنقل بنسبة 9.6% بالإضافة إلى ارتفاع كلفة السكن ومعظم السلع الضرورية.