يواجه أكبر بنك في الولايات المتحدة الأمريكية “جيه. بي مورغان” حاليا أكثر من 12 تحقيقا على مستوى العالم في قضايا متعددة، بما فيها مزاعم رشوة بالصين واحتمال ضلوعه في التلاعب بأسعار الفائدة القياسية بين بنوك لندن التي تعرف باسم “ليبور”. ونشرت وكالات الانباء عن مصدر مطلع في وزارة العدل الأمريكية عن التوصل لتسوية تحقيقات في قروض عقارية متعثرة باعها البنك لبعض المستثمرين. فقد جرى التوصل إلى اتفاق أولي قيمته 13 مليار دولار تضمن أهم المسائل التي شملتها التسوية، حول بيع البنك قروضا عقارية تنطوي على مخاطر كبيرة. وقال مستثمرون من بينهم مؤسستا التمويل العقاري الحكوميتان فاني ماي وفريدي ماك إن البنك صور لهم أن القروض أفضل مما كانت عليه في الحقيقة.
وقد نجح البنك في الافلات من تداعيات الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في سبتمبر عام 2008، فمن المعروف ان الصفقات المالية التي تورطت بها البنوك الأمريكية والتي لم تخلُ من الفساد كانت سببا مباشرا للانهيار المالي الذي واجهته الولايات المتحدة الأمريكية، وفتحت الباب امام انهيارات اقتصادية لأهم الشركات المالية والصناعية الأمريكية. وكان في مقدمتها احد اكبر المصارف الأمريكية “ليمان براذرز” الذي خلّف وراءه حالة من الذعر في اسواق المال، فاتحا الباب امام انهيارات متتالية لمئات المؤسسات المصرفية بسبب الصفقات المريبة.
ومع انهيار السياسات المالية في الولايات المتحدة الأمريكية تعرض الدولار الى هزات عنيفة كادت الاطاحة به كعملة عالمية لولا التطورات اللاحقة التي اسهمت باعادة الاعتبار له مؤقتا. فقد ظهرت مطالبات باستبدال الدولار كعملة احتياط عالمي. وانضمت الصين الى روسيا وتبعتها بعض الاصوات الخافتة منها المانيا المطالبة باستبدال الدولار كعملة احتياط عالمي مع بداية الازمة، لضمان توفير حالة من الاستقرار للسياسات المالية والنقدية العالمية، وقد رفضت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الطلب خشية من زعزعة الثقة في الدولار الاميركي، اضافة الى المزايا غير العادية التي يتمتع بها الاقتصاد الاميركي من طباعة اوراق نقدية لا تكلفه سوى ثمن طباعة الاوراق (الدولار) ويبادلها بسلع وعملات مدعومة. وقد عزز الموقف الاميركي عدم توفر بدائل جاهزة ومناسبة للدولار، سواء من عملات عالمية فقد استفادت الولايات المتحدة الأمريكية من عدم توفر بدائل جاهزة للدولار، او معادن ثمينة كالذهب، لتعزز موقفها الرافض بالتخلي عن الدور المنوط بالدولار، رغم وجود بعض الافكار مثل سلة العملات، او اعتماد عملة جديدة يتولى صندوق النقد الدولي او اية مؤسسة خاصة في الاشراف على ادارتها وتحدد قيمتها، وتشكل مرجعا لتسعير وتبادل المعاملات العالمية، بعد رفض فكرة استخدام الذهب كغطاء واحتياطي للعملات، لعدم توفر مخزون عالمي للتغطية.
لكن التطورات السياسية والاقتصادية والمالية التي نشأت لاحقا اضعفت امكانية المطالبة باستبدال الدولار، فقد اصبح اهتمام الصين واليابان بحماية الدولار والحفاظ على مكانته لا يقل كثيرا عن اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية، فالصين واليابان يملكان 50 سنت من كل دولار متداول. فلم تعد الولايات المتحدة الأمريكية وحدها معنية في هذه المرحلة بحماية الدولار والدفاع عنه بسبب التبدلات التي طرأت على السياسات المالية والنقدية في السنوات الخمس من عمر الازمة، وكان ابرزها عاملان اساسيان، الاول: الازمة المالية التي شهدتها منطقة اليورو في نهاية عام 2009 والتي ادخلت منطقة اليورو في ازمة خطيرة، قوضت امكانية دخول منطقة اليورو في المطالبة الجدية في استبدال الدولار كعملة احتياط. اما السبب الثاني اتساع حجم الاستثمارات الصينية في اميركا، وتشابك المصالح الصينية بالاقتصاد الاميركي، والاهم حجم الاحتياطي النقدي الذي يبلغ نحو 3.4 تريليون دوﻻر. والذي دفع الصين نحو حماية الدولار من الانهيار حفاظا على المصالح الاقتصادية الصينية وعلى مخزونها الهائل من الدولار. لكن تداعيات الازمة المالية والاقتصادية الأمريكية وتصاعد المديونية، وبطىء استجابة الاقتصاد الاميركي للخروج من الازمة وارتفاع معدلات البطالة، وحالات الافلاس المؤقت، والتي تأتي تباعا، بسبب الصراع بين الحزبين على ادارة الازمة، وليس على كيفية معالجتها، حيث يفتقر الحزبان لأي مشروع لاخراج اميركا من ازمتها المالية والاقتصادية، مما يزعزع مركز الدولار من جديد الامر الذي وفر مناخا لتحرك ما في مواجهته.
لذلك تعمل الصين بصمت وبخطوات تدريجية نحو تدويل العملة الصينية، فقد عقدت سلسلة من الاتفاقيات مع كل من روسيا والاتحاد الاوروبي وعدد من الدول منها اليابان وكوريا الجنوبية وهونج كونج والهند والبرازيل وأستراليا، لتحقيق التبادل التجاري بواسطة اليوان الصيني والعملات المحلية، كما اودعت 350 مليار يوان صيني في البنك المركزي اﻷوروبي خلال شهر اكتوبر الحالي، أي ما يعادل 57 مليار دولار، لتوفير سيولة من العملة الصينية، لتحقيق التداول التجاري بعملات محلية، وبسعر صرف متفق عليه دون الرجوع لسعر صرف الدوﻻر، مما يضعف دور الدولار عالميا، ويفقده مكانته الدولية تدريجيا.