إفلاس أمريكا!

لست معنيا بتأويل جاكوب ليو وزير الخزانة الاميركية ما لم يقله حول افلاس أمريكا (سياسيا، ماليا، اقتصاديا). واضح ان الوزير يقصد افلاس الحكومة ماليا.. ومع ذلك يمكن الحديث عن افلاس سياسي، فقد توالت الازمات السياسية والمالية والاقتصادية التي واجهت اكبر دولة في العالم. بدءا من ازمة الرهن العقاري، مرورا بانهيار مصرف “ليمان براذرز” الذي فتح الباب على مصراعيه لتحويل أزمة الائتمان والرهن العقاري إلى أسوأ أزمة مالية منذ “الكساد العظيم”. وانتشار الأزمة المالية عالميا، لتضرب اسواق المال في المراكز الرأسمالية كافة بعد ان سادت حالة من الذعر والفوضى في البورصات العالمية، التي هوت بسرعة مذهلة. وانتهاء بأزمة العجوزات المالية في موازنات البلدان الرأسمالية، وتفاقم المديونية التي تجاوزت الناتج المحلي الاجمالي لهذه البلدان، وفشل المحاولات المتكررة في الخروج من حالة الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة.

حتى على الصعيد الداخلي لم تعد أمريكا قادرة على اتخاذ قرار يتعلق بشأن السياسة المالية والنقدية بمعزل عن العالم، ونعيد للاذهان تصريح نائب وزير المالية الصيني قبيل انعقاد قمة العشرين في سان بطرسبورغ الشهر الماضي، حين قال “على الولايات المتحدة الاميركية مراعاة تأثير سياستها النقدية وبصفة خاصة توقيت تخرجها من سياسة نقدية ميسرة”. وقد تراجعت عن وقف سياسة التحفيز نتيجة الضغوط التي تعرضت لها، فالصين تشكل عاملا رئيسيا في تحديد اتجاه سياسة المركزي الأمريكي باعتبارها من أكبر الدائنين للولايات المتحدة، ولديها أكبر احتياطيات في العالم من النقد الأجنبي تقدر بنحو 3.5 تريليون. وبحلول 17 أكتوبر/تشرين الأول ستصل الحكومة الأمريكية إلى لحظة حرجة إن لم تستطع الخزانة الاميركية توفير نفقات لاكثر من يوم واحد، ان لم يتم الاتفاق بين الحزبين لرفع سقف الدين السيادي البالغ 16.7 تريليون دولار. لتتمكن من الاقتراض لتغطية نفقاتها، كما يترتب على ذلك فقدان أمريكا لتصنيفها الممتاز، مما يسبب رفع اسعار الفائدة على الاستدانة.

فوجىء العالم بقرار البيت الأبيض بوقف جزئي للعمل بالدوائر الحكومية الفيدرالية، بعد اخفاق الكونغرس في التوصل الى اتفاق بشأن ميزانية العام الجديد. الامر الذي ادى الى توقيف 880 ألف موظف حكومي أمريكي عن العمل، بإجازة قسرية غير مدفوعة الاجر، مع عدم وجود ضمانات بدفع اجورهم بأثر رجعي في حال انتهاء الأزمة..! اجراء تعسفي ضد العمال والموظفين الاميركيين، لقد حرمت التشريعات والاتفاقيات الدولية فصل العمال بطريقة تعسفية، كما حرمت حرمانهم من الاجر، واعتبر الاجر دين ممتاز لا يجوز ايقافه، فالغطرسة الاميركية المستمدة من قوانين الليبرالية المتوحشة ضد شعوب الارض، لم تستثن الشعب الاميركي والعمال الاميركيين ضحايا سياسة الاحتكارات الرأسمالية. وبموجب الاجراء الحكومي من المنتظر أن تغلق الحدائق والمتاحف أبوابها كما سيؤجل صرف شيكات المعاشات والمحاربين القدماء وستعاني تعاملات كروت الائتمان وجوازات السفر معوقات لإتمامها، وستطلب وزارة الدفاع الأمريكية من “قطاع كبير” من موظفيها المدنيين التوقف عن العمل. انها فضيحة اخلاقية تمس دعاة “حماة حقوق الانسان”. فالطبقة الحاكمة من ديمقراطيين وجمهوريين هم وحدهم اصحاب الحق في التشريع في الدولة “الديمقراطية” البرجوازية التي تشرع ضد مصالح الاغلبية في المجتمع. ما يكشف عن زيف ادعاء النظام السياسي بتمثيل الاغلبية، فالشعب الاميركي محكوم بين ثنائية السيء والأسوأ. وموقف الجمهوريين هو الاسوأ في قضية تأجيل اصلاحات الرعاية الصحية للعمال والفقراء.

ومن الناحية السياسية كشفت الازمة السورية ان العالم يتغير، وان أمريكا لم تعد قادرة على فرض سياساتها كما كانت قبل انفجار الازمة المالية والاقتصادية 2008، ومن ابرز السمات العامة للوضع الدولي سقوط الاحادية الاميركية، التي تفردت بها خلال العقدين الاخيرين، وبداية تشكل تعددية قطبية، كما فشلت الادارة الاميركية بفرض حلول عسكرية، ولم تجد بديلا عن الدخول بمفاوضات مع الآخر. فلم يتجاوز البيت الابيض تداعيات الازمة السورية، التي احدثت ارباكا سياسيا للإدارة الاميركية وحلفائها، بعد ان قرعت طبول الحرب واعدت العدة لشن حرب اقليمية قد تأتي على ما تبقى من البنية التحتية للدولة السورية، وتعرض حياة المزيد من المواطنين السوريين لخطر الموت والتشرد، في حرب غير مضمونة النتائج، سواء من حجم الخسائر التي قد تتكبدها أمريكا في المعركة، او من حيث النتائج النهائية للمعركة.

هل راجعت امريكا حساباتها، وحاولت الاجابة على بعض التساؤلات، من المنتصر في المعركة العسكرية.. ومن سيحصد النتائج؟.. هل ستخوض أمريكا حربا ضد سوريا نيابة عن المعارضة، ام عن خصوم سوريا في المنطقة – “اسرائيل”، تركيا، عدد من الانظمة العربية- قد يقال ان مصالحهما واحدة، والمهم اسقاط النظام واستيلاء المعارضة على السلطة؟.. مع ذلك من هي المعارضة المؤهلة لاستلام الحكم، الائتلاف الوطني السوري، الذي لم يعد يحظى بتأييد المسلحين في الداخل، ام الجيش الحر الذي يبحث عن ملاذ آمن، قد لا يجده الا عند الجيش السوري الذي انشق عنه، ام القاعدة واخواتها التي اصبحت القوة الرئيسية بين المسلحين، وهي مصنفة من قبل الادارة الامريكية بالارهاب. لذلك وجدت الادارة الاميركية نفسها في مأزق سياسي فقبلت بأنصاف الحلول.