من المنتظر ان يتوجه الناخب الأردني في نهاية الشهر القادم الى صناديق الاقتراع لاختيار ممثله في مجلس النواب الخامس عشر، ستجري الانتخابات وفقا للقانون الحالي (قانون الصوت الواحد) الذي أسهم في تعميق الانقسام في المجتمع الأردني وأضفى الطابع العشائري على المجلس، الأمر الذي أضعفه وحد من دوره التشريعي والرقابي، وحرم الشعب الأردني من اختيار ممثلين للوطن يحملون هموم الدولة والمجتمع سواء كانت سياسية ام اقتصادية ام اجتماعية، فوتت الحكومات المتعاقبة بما في ذلك حكومة الدكتور معروف البخيت فرصة تحقيق الإصلاح السياسي المنشود، رغم إقرار كافة الاتجاهات السياسية الرسمية والشعبية بالضرورة الموضوعية لهذه الإصلاحات، وفي مقدمتها إصدار قانون انتخابات ديمقراطي، يؤمن آليات تسمح بالشفافية، وتتصدى للممارسات الا أخلاقية والمتاجرة في أصوات الناخبين، قانون يضمن تمثيلا نسبيا لمختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، للوصول الى مجلس نواب قادر على رفع سوية العمل السياسي لمستوى التحديات التي تواجه البلاد، ومعالجة الملفات المتعددة، وهي كثيرة هذه الملفات التي تحتاج الى مجلس نواب قوي يتمتع بكفاءة عالية ويستند الى قاعدة سياسية وشعبية عريضة ليتولى معالجتها بحكمة وشفافية.
من بين هذه الملفات التي تحتاج الى خطوات جريئة ومثابرة ملف مكافحة الفساد، هذا الملف الذي أصبح يحتل الأولوية لعمل أي برلمان قادم، ليس فقط لإنقاذ سمعة الأردن عالميا نتيجة تراجع موقعه 13 درجة في مؤتمر مدركات الفساد ليصبح في المرتبة 53، بل أيضا من اجل تحقيق تنمية حقيقية في البلاد، الفساد يعتبر العدو الأول للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وللفساد مظاهر متعددة منها ما هو ناتج عن الإهمال والتقاعس والترهل الإداري مما ينجم عن ذلك أضرارا مادية واجتماعية وصحية وخاصة ما يتصل بالماء والدواء والغذاء، مثل تلوث المياه الذي أدى إلى إصابة أكثر من ألف مواطن في قرية المنشية في محافظة المفرق، وحليب الوجبات المدرسية غير الصالحة للاستهلاك البشري الذي تسبب في تسمم 52 طالبا في الرصيفه، بالإضافة إلى قضية شاورما الدجاج وغيرها… ومنها ما يتعلق بالتحايل على القوانين لتحقيق الربح غير المشروع، او سوء استغلال السلطة لتحقيق أهداف شخصية.
يعتبر سوء استغلال السلطة والاعتداء على المال العام من اخطر أشكال الفساد كون هذا الشكل باهظ التكاليف على الخزينة، لقد شهدت البلاد العديد من هذه المظاهر وكان أبرزها ما تعرض له الاقتصاد الأردني في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وما زال الاقتصاد الاردني يتعرض لهذه المظاهر، فقد برز العديد من فضائح الفساد والأمثلة عديدة من مصنع الزجاج إلى مصنع مغنيسيا الأردن إلى سد الكرامة إلى عمليات النصب والاحتيال التي تعرضت له بعض البنوك الأردنية… على الرغم من وجود صيغ متعددة للرقابة والتفتيش والتدقيق ومكافحة الفساد، صحيح ان هذه المؤسسات اكتشفت الكثير من حالات الفساد، الا ان ذلك غير كاف فتبين أن بعض الشخصيات النافذة متورطة بها، كما لا يوجد تفسير لموقف الحكومة بالإعلان عن عدم وجود شبهة فساد في صفقة أمنية قبل سماع رأي القضاء، دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية وحدها القادرة على التصدي للفساد.