فهمي الكتوت
(27/2/2010)
العرب اليوم– ليسمح لي الأستاذ موسى برهومة باستعارة عنوان مقالته المنشورة الأسبوع الماضي, “وين راحت المصاري” المستوحاة من استفسار مواطن عن المديونية, وأود ان أدلو بدلوي في هذا الموضوع المهم وبلغة الأرقام, حيث وجه لي السؤال نفسه في المنتدى العربي حين ألقيت محاضرة عن الاقتصاد الأردني, كون ارتفاع المديونية يؤرق الأردنيين جميعا…
سمح لي الأستاذ موسى برهومة باستعارة عنوان مقالته المنشورة الأسبوع الماضي, “وين راحت المصاري” المستوحاة من استفسار مواطن عن المديونية, وأود ان أدلو بدلوي في هذا الموضوع المهم وبلغة الأرقام, حيث وجه لي السؤال نفسه في المنتدى العربي حين ألقيت محاضرة عن الاقتصاد الأردني, كون ارتفاع المديونية يؤرق الأردنيين جميعا, وذلك بسبب الآثار المترتبة على هذا الارتفاع وبشكل خاص على الأوضاع المعيشية للمواطنين, وعلى الاقتصاد الوطني بشكل عام, فإذا كانت معاناة شعوب بعض البلدان التي عصفت بها الأزمة ناجمة عن التأثير المباشر للأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في أيلول عام ,2008 فان معاناة الشعب الأردني قبل ذلك بكثير, فهو يعاني من أزمات مركبة مضى عليها عقدان من الزمن وجاءت الأزمة العالمية الجديدة لتضيف على معاناة الأردنيين, فقصة المديونية في البلاد تبدأ منذ عام 89 عندما اكتشف المواطنون ان حكوماتهم تنفق أكثر من إيرادات الدولة ويتم تمويل هذا الإنفاق عن طريق القروض او على حساب عجز الموازنة الذي يتحول إلى قروض.
وقد بلغت المديونية في حينه حوالي 7090 مليون دينار, ودخل الاقتصاد الأردني في برنامج طويل الأمد باسم “التصحيح الاقتصادي” استهدف تخفيض عجز الموازنة, وتخفيض عجز ميزان المدفوعات, وتخفيض العجز التجاري, وزيادة الإيرادات المحلية, وتخفيض الاعتماد على المساعدات الخارجية, وجدولة المديونية ليتسنى للدولة الأردنية تسديدها, وفي السنوات الأولى بعد أزمة 89 انخفضت المديونية, ووصلت عام 1995 إلى حوالي 5887 مليون دينار.
وفي السنوات الخمس اللاحقة عادت وارتفعت حوالي 500 مليون دينار حيث أصبحت عام 2001 حوالي 6367 مليون دينار, وفي السنوات الخمس التالية في عام 2006 ارتفعت حوالي مليار دينار, بعد ذلك بدأت تتصاعد بشكل خطير حيث بلغ الارتفاع في عام 2007 حوالي مليار دينار, وفي آخر عامين 2008-2009 وصل الارتفاع حوالي 3 مليارات دينار, وتحمل الشعب الأردني عبئا ثقيلا منذ ذلك التاريخ, بدءا من انخفاض أجور ورواتب كافة العاملين في القطاعين العام والخاص بسبب انهيار سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية, الأمر الذي أدى إلى تراجع القيمة الشرائية للدينار بنسبة 100% حيث من المعروف ان سعر صرف الدولار الامريكي كان حوالي 370 فلسا, كما رافق إجراءات “التصحيح” فرض ضريبة على مختلف السلع بدأت بنسبة 7% عام 1994 وارتفعت تدريجيا إلى أن أصبحت 16%, إضافة إلى إلغاء الدعم عن معظم السلع والخدمات التي كانت مدعومة, فقد تضاعفت الإيرادات الضريبية خلال العقدين الماضيين 89 -2009 أكثر من 10 مرات من اجل تسديد الديون, بينما الإيرادات المحلية تضاعفت حوالي 7 مرات فقط, ورغم النمو المتسارع للعبء الضريبي إلا أن نمو النفقات كان اعلى فبدلا من استخدام زيادة الإيرادات الضريبية لتسديد الديون, زادت الحكومة نفقاتها بشكل لافت, فلجأت الحكومة إلى زيادة الاقتراض لتغطية الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والنفقات, من حوالي 200 مليون دينار عام 89 إلى مليار ونصف المليار عام 2009 حسب المعلومات الأولية والتي من المنتظر ان ترتفع بعد إقفال حسابات ,2009 أثمان باهظة دفعها الأردنيون لحماية الاقتصاد الوطني من الانهيار, مقدمين كل التضحيات من اجل تسديد المديونية, لكن المديونية لم تسدد رغم كل هذه التضحيات, ولم تخل بعض هذه النفقات من شبهة الفساد, او من تبديد الأموال العامة, ولم تحاسب الجهات المسؤولة عن هذه النتائج, ولم تقلع الحكومات المتعاقبة عن النهج الذي تسبب بهذه النتائج, لقد راكمت هذه السياسات نفقات غير مولدة للدخل وجزءا ليس قليلا من هذه النفقات غير ضروري لدولة تمول إنفاقها من جيوب دافعي الضرائب, ومن القروض, ولم توجه حتى القليل من النفقات الرأسمالية نحو استثمار الثروات الغنية الموجودة في البلاد, ليس هذا فحسب, بل تخلت عن موجودات الدولة لصالح الشركاِت الأجنبية, وأنفقت عوائد هذه الموجودات, ففي العامين الأخيرين وحدهما تم إنفاق حوالي 3 مليارات دينار زيادة عن إيرادات الدولة, الى ان غرقت البلاد من جديد بمديونية تتجاوز 10 مليارات دينار, وتشكل حوالي 62% من الناتج المحلي الاجمالي, وبذلك مخالفة صريحة لقانون الدين العام.