ما هي الخيارات الاقتصادية للبلدان النامية..؟

فهمي الكتوت

6/2/2010

العرب اليوم – قدم المفكر الاقتصادي ادم سميث الدعم النظري لتمكين البرجوازية من اقامة اهم الامبراطوريات الاقتصادية في التاريخ, انطلقت رؤيته من وجود “يد خفية” لضبط حركة السوق, وتحقيق الحرية الكاملة للسوق والافراد من دون تدخل من احد, واقتصر دور الدولة اقتصاديا على اصدار القوانين لتسهيل تنقل التجارة, اطلق على هذه المدرسة “الليبرالية الاقتصادية”,


6/2/2010

قدم المفكر الاقتصادي ادم سميث الدعم النظري لتمكين البرجوازية من اقامة اهم الامبراطوريات الاقتصادية في التاريخ, انطلقت رؤيته من وجود “يد خفية” لضبط حركة السوق, وتحقيق الحرية الكاملة للسوق والافراد من دون تدخل من احد, واقتصر دور الدولة اقتصاديا على اصدار القوانين لتسهيل تنقل التجارة, اطلق على هذه المدرسة “الليبرالية الاقتصادية”, افلتت الرأسمالية من ازمات عديدة خلال القرون الثلاثة الماضية من عمرها, ومن ابرزها ازمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي, التي كادت ان تطيح بالنظام الرأسمالي, وكان لبروز النظرية الكنزية دور مهم ومحوري في اعادة الاعتبار للرأسمالية, لكن ذلك لم يتم من دون ثمن, حيث اضطرت الرأسمالية الى تقديم تنازلات عن جزء مهم من مبادىء ادم سميث, سواء ما يتعلق بتدخل الدولة لتوجيه الاقتصاد, ام قيام الدولة بالانفاق الحكومي لامتصاص الركود الاقتصادي او الاستجابة لبعض المطالب العمالية, اما الازمة الثانية في ايلول 2008 عندما انفجرت الازمة المالية والاقتصادية, التي ادت الى انهيار الليبرالية الجديدة.

وعلى نقيضه برز المفكر الاقتصادي الاشتراكي كارل ماركس الذي قدم مؤلفه الشهير رأس المال وكشف من خلاله عن الازمة باعتبار ما تحمله في طياتها من اسباب موضوعية لبروز ازمات اقتصادية, موضحا ان المراحل الاساسية في دورة رأس المال هي (الازمة, الانحطاط, الانتعاش, النهوض), وطرح مفهوما نقيضا لليبرالية, بتدخل الدولة باسم البروليتاريا “عمال الصناعة” في الاقتصاد, ليس بهدف التخطيط فحسب, بل وامتلاك وسائل الانتاج, وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية للسكان, لتحقيق العدالة الاجتماعية. فشل التجربة السوفييتية, فتح الطريق امام انتصار الليبرالية الجديدة, التي برزت منذ ثمانينيات القرن الماضي.

سقوط الليبرالية الجديدة يطرح سؤالا مشروعا حول مستقبل اقتصادات البلدان النامية, والخيارات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة أمامها, خاصة ان معظم الدول النامية متورطة في تطبيق السياسة الاقتصادية لليبرالية الجديدة, ففي ذروة انتصار الليبرالية الجديدة في تسعينيات القرن الماضي, وعلى خلفية انهيار التجربة السوفييتية شهد العالم اخضاع معظم الدول النامية للسياسات الليبرالية, استغلت امريكا وقوع البلدان النامية بفخ المديونية, لفرض سياسات اطلق عليها “برامج التصحيح الاقتصادي”, بالتكيف واعادة الهيكلة لاقتصادات هذه البلدان, وباصدار حزم من القوانين الاقتصادية التي افقدت البلدان النامية استقلالها الاقتصادي, منها التخلي عن ملكية القطاعات الاقتصادية الاساسية لصالح الشركات المتعددة الجنسيات, والتكيف مع شروط عضوية منظمة التجارة العالمية, في تحرير التجارة الداخلية والخارجية, والغاء اشكال الدعم كافة على المنتجات الوطنية.

بعد انهيار أهم تجربتين نقيضتين في تاريخ البشرية, التجربة السوفييتية, والليبرالية الجديدة, نشطت منظمات المانية للترويج لنظرية اقتصاد السوق الاجتماعي باعتبارها بديل الرأسمالية المتوحشة كما يجري وصفها أحيانا, وقدمت من قبل اصحابها بأنها تنشئ اقتصادا متوازنا يحقق الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. اقتصاد السوق الاجتماعي نمط اقتصادي ليبرالي قائم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج, ادخل بعض المفاهيم الاقتصادية الاشتراكية, للربط بين اقتصاد السوق والتوجهات الاجتماعية, وبين المبادرة الفردية ودينامية الاقتصاد, وذلك بالسماح للمنافسة ومنع الاحتكار, وتدخل الدولة في توجيه بعض الاستثمارات لتلبية احتياجات السوق, وهو نظام اقتصادي مرن يسمح بتدخل الدولة للحد من تخفيف الاحتقانات الاجتماعية, وقد برز هذا النموذج في المانيا بعد الحرب العالمية الثانية, كما تطبقه اليابان وبعض الدول الاسكندنافية خاصة السويد, لكنه يطبق بصيغ واشكال مختلفة من بلد الى اخر ولا يخضع لقوانين ثابتة, وطرحت الصين مفهوما ليس بعيدا, باسم اقتصاد السوق الاشتراكي, بعد تخليها الجزئي عن الملكية العامة لوسائل الإنتاج. حققت هذه النماذج نجاحات متفاوتة, وكان النموذج الصيني في مقدمتها, ومع انهيار التجربة السوفييتية تعرضت هذه النماذج للهجوم, إلا أن فشل الليبرالية الجديدة اعاد الاعتبار لهذه النماذج الاقتصادية.

وطرح الدكتور سمير امين مدير منتدى العالم الثالث رؤيته حول البديل الديمقراطي للنظام الليبرالي, بثلاث نقاط اساسية اولا: التقدم الاجتماعي وهذا يقتضي تطويرا تقنيا لزيادة الإنتاجية, وتلبية احتياجات التوسع المرتقب للأسواق, يواكبه تقدم اجتماعي يضمن حق الجميع بالعمل, والتقليل من التفاوت الاجتماعي. ثانيا دمقرطة المجتمع بجميع أبعاده, بوصفها عملية دائمة, لا مجرد وصفة جاهزة, والتوسع في تطبيق الديمقراطية لتشمل الإدارة الاقتصادية والاجتماعية, وألا تتوقف عند مجال الإدارة السياسية للمجتمع. ثالثا: تأكيد الطبيعة المتمركزة على الذات للمشروعات المجتمعية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية, وفي إطار يؤدي إلى تقليل التفاوت في الثروة والسلطة بين الأمم والأقاليم لا زيادتها.

سعت البشرية منذ القدم لتحقيق نظم اقتصادية اجتماعية تحقق العدالة والاستقرار, وتلبي احتياجات المجتمع, وبغض النظرعن المسميات المتعددة, فان انتشال البشرية من الصراعات الدموية, ومن الفقر والقهر والاستغلال يبقى الهدف الاسمى, ومن اجل ذلك لا بد من تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة, تحافظ على وتائر نمو تسهم بتوفير فرص عمل لجيش متنام من العاطلين عن العمل, الذي أصبح يشكل مصدرا رئيسيا لتوسيع دائرة الفقر, وزيادة الاحتقانات الاجتماعية, التي تتجلى بعض مظاهرها بتعبيرات يائسة, وتحقيق إصلاح ضريبي يؤمن اعادة توزيع الدخل بما يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية, وتوفير الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية لجميع ابناء الشعب بتكاليف مناسبة, أما الصيغ الليبرالية التي فرضت على البلدان النامية, وفي عدادها بعض البلدان العربية لم تكن في مكانها, ولن تحقق أهداف وطموحات الأمة.0