ان التكامل الاقتصادي للوطن العربي خطوة ضرورية لجميع أقطاره, فبقدر ما تتمتع الاقتصاديات العربية بعناصر القوة, فهي تعاني من تشوهات هيكلية, وضعف شديد يجعلها عاجزة عن تحقيق الأمن الغذائي, ومن الصعب تناول مشاكل هذه الاقتصاديات كوحدة واحدة, لتباين خصائصها, وتفاوت مستوياتها, وتنوع مصادرها, ومعدلات نموها, مع ذلك هناك بعض الخصائص المشتركة, وهنا لا نتحدث عن الموروث الاجتماعي من تقاليد وعادات, او تاريخ مشترك , فهي قضايا ليست موضع جدل, لكنها غير كافية لبناء تكامل اقتصادي, يمهد الطريق ويفتح الافاق لمستقبل عربي زاهر, رغم ابرام اتفاقية تحرير التجارة البينية, واقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى, والذي بموجبها أصبحت السلع الصناعية والزراعية ذات المنشأ العربي المتبادل, بين الدول الاعضاء في منظمة التجارة الحرة, والتي تضم معظم الدول العربية, غير خاضعة للرسوم الجمركية منذ عام 2005 , ومع ذلك فان مساهمة التجارة البينية للدول العربية متواضعة جدا ولا تشكل متوسط التجارة البينية العربية في التجارة العربية الإجمالية سوى 11.2%, وقد لا يكون السبب قلة الحوافز لتطوير التجارة البينية, بل في عدم توفر المنتجات العربية التي تلبي احتياجات السوق في الوطن العربي, على رغم توفر عناصر نجاح الاستثمار, لتأمين احتياجات الأسواق العربية, وأولها: وجود سوق عربي مفتوح بلا حواجز جمركية لحوالي 286 مليون انسان عربي – البلدان العربية المشتركة في منطقة التجارة الحرة العربية -.
أما العنصر الثاني: رأس المال وهو متوفر والمطلوب توجيهه نحو استثمار عربي امن, يوفر عوائد مجزية, فالصناديق السيادية التي يمكن اعادة بنائها, اضافة الى المستثمرين العرب الذين يملكون مليارات الدولارات, والذين يتعرضون للمضايقات الغربية أحيانا, بحجة دعم الارهاب, او خشية سيطرة رأس المال العربي على بعض المشاريع الحيوية في البلدان الغربية, كما جرى عند ما رفضت الإدارة الأمريكية السماح لاستثمارات هيئة موانئ دبي في الموانئ الأمريكية, أو تبخر الأموال العربية نتيجة دخولها في مضاربات أسواق المال العالمية والانهيارات المصرفية.
أما العنصر الثالث: الضروري للاستثمار, توفر العمالة المدربة والماهرة, فالوطن العربي يتمتع بتوفر كفاءات وخبرات لا يمكن الاستهانة بها, وما نزيف الكفاءات العربية, إلا بسبب عدم توفر حاضنة اقتصادية وتوطين للكفاءات والمهارات العربية, والموارد البشرية يمكن ان تكون موضوع استثمار بحد ذاتها, وذلك بإنشاء المعاهد الصناعية العليا للتدريب والتأهيل, وتوفير الكفاءات للمستثمرين في القطاعات الإنتاجية, ما يسهم في تطوير البحث العلمي في الجامعات والمعاهد العليا في الوطن العربي. ونذكر جميعا ان جامعة عربية واحدة في الوطن العربي فازت بين أفضل 500 جامعة عالمية, الأمر الذي يكشف ليس فقط عن ضعف التعليم العالي في الوطن العربي, بل ضعف البحث العلمي والاقتصاد الوطني, باعتبار البحث العلمي وثيق الصلة بالتطور الاقتصادي, وقدرات الدولة على تطوير انتاج الخيرات المادية التي تحتاجها الأسواق العربية, وتطوير إنتاج وسائل الإنتاج, المعدات والماكينات التي تشكل الرافعة الحقيقية لتطور وازدهار المنطقة العربية.
كل ذلك يفتح الباب على مصراعيه لتشجيع الاستثمار وانتاج السلع والمواد والمعدات الضرورية لحاجات الوطن العربي, ويوفر ديمومة لتطور الناتج المحلي الاجمالي للوطن العربي. من القطاعات الانتاجية, ويوفر للبلدان المنتجة للنفط تنوع المصادر الاقتصادية, كما يوفر للبلدان التي تمتلك ثروات غنية مثل الفوسفات والبوتاس والحديد والنحاس واليورانيوم وغيرها, فرص إقامة صناعات تعتمد على هذه الخامات, اضافة الى إنتاج المشتقات النفطية, لتعظيم القيمة المضافة لهذه المنتجات, بدلا من تصديرها خامات بأسعار زهيدة, كما يوفر فرص عمل للقوى العاملة في الوطن العربي, ومعالجة مشكلة الفقر والبطالة التي تعاني منها البلدان العربية, وما تقرير الجامعة العربية والأمم المتحدة حول وجود 140 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر, إلا ان احد الحوافز للأقدام على مشروع تنموي اقتصادي, يتوافق مع مصالح الاقتصاديات العربية في بناء اقتصاد إنتاجي متين متعدد المصادر, والحفاظ على أموال المستثمرين من الانهيارات. لذلك لا بد من توجهات جديدة تسهم في تفعيل العلاقات الاقتصادية العربية والتجارة البينية, وصولا لبناء اقتصاد عربي يحقق الوحدة الاقتصادية, وهناك مصالح مشتركة بين البلدان العربية كافة سواء كانت مجموعة الدول التي تمتلك ثروات غنية مكتشفة ومستثمرة, او الدول التي لا تتوفر لها مثل هذه الإمكانيات.0