فهمي الكتوت
30/12/2009
جريدة الرؤية العمانية – إحدى السمات الرئيسة للمرحلة التي بدأت منذ انفجار الأزمة لمالية والاقتصادية، التمسك بالقاسم المشترك، بين المراكز الاقتصادية العالمية، رغم تناقض المصالح، صحيح أن الأزمة أسهمت بإضعاف الموقف الأميركي، وتعزيز الموقف الصيني، وتفعيل دور كل من ألمانيا وروسيا، إلا أن المصالح الاقتصادية المشتركة، املت على جميع الاطراف، العمل كفريق في مواجهة الأزمة، فالاختلاف حول كيفية إصلاح النظام المالي، ومستقبل الدولار، وصولا لنظام متعدد القطبية، لم يحسم على حساب التعاون المشترك، بحكم عولمة رأس المال، ومصالح الشركات المتعددة الجنسيات…
فالأزمة ما زالت تلقي بظلالها على معظم البلدان الراسمالية، وبشكل خاص على الولايات المتحدة الاميركية، على الرغم من التفاؤل الذي ساد الأوساط السياسية والاقتصادية، بعودة النمو الاقتصادي خلال الربع الثالث من العام الحالي بنسبة 2.8%، بعد ركود استمرعامين، مع ملاحظة عودة النمو بوتيرة أبطأ من التوقعات، كما أن عودة النمو لا تعني انتهاء الازمة او تجاوزها نهائيا، فعودة الانكماش للاقتصاد الأميركي خلال العام القادم متوقع، وذلك بسبب عدد من المعيقات، منها ارتفاع نسبة البطالة التي تقدر بحوالي 10 في المئة اي حوالي 15 مليون عاطل عن العمل، إضافة الى أن النمو الاقتصادي جاء بتأثير ضخ مئات مليارات الدولارات لتحفيز الاقتصاد، إضافة الى ان القطاع المالي لم يستقر بعد، وهو يعاني من انهيارات متواصلة فقد بلغ عدد البنوك المنهارة خلال هذا العام 140 بنكا، وتوقعت المؤسسة الاتحادية ان يتسارع انهيار البنوك في العام القادم، وأعرب الرئيس الأميركي باراك اوباما عن قلقه من حجم الديون على اميركا، محذرا من الارث الاقتصادي الذي سيتركه للاجيال القادمة، فالاقتصاد الاميركي يعاني من اعلى مديونية في العالم.
جاء نمو الناتج المحلي الاجمالي، بعد قيام الحكومة الاميركية بضخ مليارات الدولارات، لتحفيز الاقتصاد الاميركي، وممارسة “الممنوعات” في قاموس الرأسمالية المعولمة، بالتدخل المباشر في الاقتصاد، وشراء المؤسسات المالية والمصرفية، وشركات التأمين والتجمعات الصناعية الضخمة، ودعم السلع، وإصدار القرارات الحكومية لتوفير الحماية الجمركية لبعض السلع والخدمات، وقد وصل الإنفاق الحكومي حوالي 3.52 تريليون دولار، خلال عام من انفجار الازمة، الامر الذي ادى الى ارتفاع عجز الموازنة الى 1.42 تريليون دولار في نهاية سبتمبر الماضي، اي حوالي ثلاثة اضعاف العام السابق، وقد شكل العجز حوالي 10% من الناتج المحلي الاجمالي، وهو اعلى معدل له منذ الحرب العالمية الثانية، لذلك لا يمكن القياس على هذه المرحلة، فالحكومة الأمريكية أسهمت بتقديم سلع وخدمات مدعومة بإعفاءات ضريبية، كحافز للاقتصاد، فقد ارتفع الإنفاق على السلع المعمرة بنسبة 22.3 في المئة وهي أعلى نسبة منذ عام 2001، وذلك بفضل التعويض النقدي الذي دفعته الحكومة الأميركية لأصحاب السيارات القديمة عند استبدالها، بكلفة 3 مليارات دولار، الأمر الذي رفع مبيعات السيارات مؤقتا، وبعد انتهاء برنامج تعويض السيارات القديمة في أغسطس، انخفضت مبيعات السيارات في شهر سبتمبر. كما تحسن سوق العقارات بزيادة الطلب على المساكن بنسبة 23.4 في المئة في أعلى زيادة فصلية منذ 23 عاما، بفضل إعفاء ضريبي قيمته 8 آلاف دولار لكل مشتري منزل. كما أقدمت الحكومة الأميركية على إجراءات حمائية لأنابيب الصلب المستوردة من الصين بنسبة تزيد عن 100%، بشكل يتنافى مع مبادئ العولمة الراسمالية وشروط منظمة التجارة العالمية.
بهذه السياسات تكون الولايات المتحدة الأميركية، خرقت قوانين العولمة الراسمالية، من تدخل الدولة في الاقتصاد، وحماية الصناعات الوطنية، والتي كانت وراء تشريعها بأنظمة عالمية وفرضها على دول العالم، فقد عمل المحافظون الجدد منذ عهد الرئيس الاميركي رونالد ريجان، في ثمانينات القرن الماضي، على تبنى سياسات اقتصادية متشددة، بشن هجوم على الدول التي تتبنى تدخل الدولة في الاقتصاد، وملكية الدولة للمؤسسات العامة، وسياسات القطاع العام، ليس فقط في الدول التي كانت ضمن توجهات اقتصادية اشتراكية، بل وفي بعض الدول الراسمالية التي احتفظت الدولة بملكية المؤسسات الكبرى، والقطاعات الاستراتيجية مثل المياه والطاقة وبعض الخدمات الاساسية، وتصدى ريغان لسياسة الانفاق الحكومي في دعم البرامج الاجتماعية، بذريعة تخفيض عجز الموازنة، في الوقت الذي خفض الضرائب على الاحتكارات، متجها نحو الراسمالية المنفلتة، “النيو كلاسيك” والتي شكلت المنطلقات الاساسية للسياسة الاقتصادية التي عرفت فيما بعد في الليبرالية الجديدة، وفرض المحافظون الجدد سياستهم على مختلف دول العالم، مع ممارسة الضغوط على البلدان النامية من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين، بتطبيق سياسة التكيف واعادة الهيكلة، وتخلي الدولة عن ملكية القطاعات الحيوية للمجتمع، لصالح الاحتكارات المتعددة الجنسيات، والتي اوصلت الاقتصاد العالمي للازمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في سبتمبر 2008. فارتدت الولايات المتحدة الأميركية عن سياساتها ونهجها وفلسفتها الاقتصادية “الليبرالية الجديدة”، بالانتقال الى تدخل الدولة لحماية الطغمة المالية، والاحتكارات الراسمالية من الانهيار. وضخ الاموال، وتقديم المكافآت لطبقة المدراء ورؤساء الشركات العملاقة، من جيوب دافعي الضرائب.
دفع العالم ثمنا باهظا لمغامرات الإدارة الأميركية، هذه المغامرات المسؤولة عن العديد من الكوارث لصالح الاحتكارات، من شن حروب عدوانية ظالمة، وخلق بؤر التوتر في العديد من بلدان العالم وبشكل خاص في العالمين العربي والإسلامي، وإغراق العالم بأزمة مالية واقتصادية من اجل الحصول على أرباح خيالية بأقصر السبل واسرعها، بعقد الصفقات في أسواق المال والبورصات العالمية، وتكديس الثروات بأيدي حفنة من المضاربين، أما الخاسر الأكبر من مغامرات الإدارة الأمريكية العسكرية والاقتصادية، فقراء العالم في البلدان النامية والطبقة العاملة وصغار الموظفين والمهمشين في البلدان الرأسمالية.