ما بعد الحسم الحمساوي

بعد ان اقدمت حماس على حسم الصراع عسكريا مع السلطة وأجهزتها الامنية, تكون فقدت اهم المزايا التي تمتعت بها فلسطينيا »التأييد الشعبي« وعرضت شرعيتها التي حصلت عليها عبر صناديق الاقتراع للمجهول, هذه الشرعية التي اكتسبتها نتيجة حالة الإحباط لفشل اتفاقية أوسلو وتفشي مظاهر الفساد في السلطة, عندما صوت المواطن الغزي لحماس, صوت آخر الى قوى وطنية فلسطينية سواء كانت فتحاوية او من تيارات سياسية اخرى. لم يطلب المواطن الغزي من حماس بأن تقوم بتصفية الاخر والتفرد بالسلطة اما وقد اقدمت على ذلك فتكون استغلت هذه الشرعية الديمقراطية لاهداف غير ديمقراطية, ولم يقف الامر عند هذا الحد, فهي بهذه الخطوة احدثت انقساما خطيرا في المجتمع الفلسطيني, وهيئت فرصة تاريخية للكيان الصهيوني للتخلص من اي التزام بتأمين الوحدة الجغرافية للاراضي الفلسطينية واقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

لا شك ان التعقيدات الناشئة عن التدخل الامريكي والاسرائيلي في الشؤون الفلسطينية ورفض الاعتراف بنتائج الانتخابات التشريعية, والحصار الظالم على الشعب الفلسطيني كان له اكبر الاثر لما وصل اليه الشعب الفلسطيني, الا ان ذلك لا يبرر بحال من الاحوال الانتحار السياسي الذي اقدمت عليه حماس.

سعت اسرائيل منذ زمن لاقامة دويلة فلسطينية في قطاع غزة, فلم ترغب بضم القطاع او الاحتفاظ به كونه شريطا ضيقا لا تتجاوز مساحته 378 كيلو مترا مربعا ويشكل قنبلة سكانية, يقطنه حوالي مليون ونصف المليون فلسطيني منهم حوالي مليون لاجىء, لا تتوفر له مقومات الحياة بمعزل عن عمقه الفلسطيني ومحيطه العربي, بذلك تكون حماس قدمت هدية ثمينة للعدو الصهيوني سوف يستثمرها ابشع استثمار ضد الشعب الفلسطيني, سوف يعيش القطاع تحت رحمة اسرائيل, ربما قائل يقول الم يكن كذلك, نعم ولكن القطاع كان تحت ادارة السلطة التي جاءت بموجب اتفاقية اوسلو, صحيح ان اسرائيل تنصلت من معظم بنود هذه الاتفاقية المشؤومة, مع ذلك الموقف على المستويين الاقليمي والدولي يتعامل بهذا الشكل او ذاك مع هذه الاتفاقيات, اما حماس لا تعترف بهذه الاتفاقيات وبتفردها بالسلطة في القطاع, وضعت نفسها امام خيارات صعبة.

الخيار الاول: الوصول لتفاهمات مع اسرائيل لاعتراف متبادل غير رسمي وغير معلن تتولى بموجبه سلطة حماس منع اي طلقة تصدر من قطاع غزة باتجاه المستوطنات الاسرائيلية, مقابل مواصلة اسرائيل تزويد القطاع بالماء والكهرباء والمحروقات والسماح بمرور الغذاء والدواء الى القطاع, وفي حال موافقتها على هذا الشرط تكون فقدت اخر مزاياها وهي مقاومة الاحتلال, وبالتالي لم يعد ما يميزها عن الحركات التي وافقت على اتفاقية اوسلو, كما انها لا تستطيع توفير المال لتمويل كلفة السلطة في قطاع غزة, بالاضافة الى كل ذلك كرست تقسيم ما تبقى من ارض فلسطين والقضاء نهائيا على الحلم الفلسطيني باقامة دولة فلسطينية.

الخيار الثاني: التمسك بموقف رافض لأي تفاهمات مع اسرائيل ومواصلة اعمال المقاومة ضد الاحتلال بما في ذلك القصف الصاروخي ضد المستوطنات الاسرائيلية, وعلى الرغم من ان هذا الخيار هو الاصوب الا ان ثمنه باهظ جدا لا يستطيع احد تحمله لفقدان القطاع الغطاء الفلسطيني سلطويا وشعبيا, وفقدانه غطاء عربيا, الامر الذي سيؤدي الى رد اسرائيلي شرس سيدفع الشعب الفلسطيني ثمنه غاليا بحرمانه من كافة مقومات الحياة, وتحويل القطاع الى سجن كبير, بالاضافة الى استخدام كافة وسائل القتل والتدمير والتهجير.

الخيار الثالث: التراجع الكامل عن كافة الإجراءات التي نفذتها حماس خلال الاسبوع الماضي, والتخلي عن النزعات الحزبية الضيقة لصالح مصير القضية الفلسطينية المهدد بالتصفية, اعتقد ان خطوة كهذه قد لا تقدم عليها حماس لحسابات ضيقة على امل تحقيق مكاسب نتيجة »الانتصار« مع ذلك لا بد من العودة الى الحوار الوطني الفلسطيني باعتباره الخيار الوحيد الأوحد الذي يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية, والاتفاق على برنامج وطني عام شامل كافة نواحي الحياة للمجتمع الفلسطيني, بدءا من توفير الامن والاستقرار وانهاء كافة اشكال الفلتان الامني وتحريم وجود اي شكل من اشكال المليشيات المسلحة والمقنعين في الشوارع, ومرورا بالاهتمام بالقضايا المعيشية للمواطنين من توفير مناخ مناسب لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني, وانتهاء باتخاذ كافة الترتيبات لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي ومقاومته بكافة السبل والوسائل المتاحة ضمن مشروع وطني موحد لارغامه على الانسحاب من الاراضي الفلسطينية, واقامة الدولة الوطنية الفلسطينية القابلة للحياة وعاصمتها القدس.