ملف المديونية مؤشر السياسات الاقتصادية

فهمي الكتوت
1/8/2009

العرب اليوم – المتتبع لملف المديونية يشعر بصدمة عنيفة لتسارع أرقامها, وانفلات النفقات العامة بموازنة الدولة من أهم أسباب نموها, فالعجز المزمن في الموازنة يتحول في نهاية كل عام الى قروض تشكل مصدر تفاقمها بعد إعادة جدولة الأقساط وتسديد الفوائد او تدويرها…..


العرب اليوم – المتتبع لملف المديونية يشعر بصدمة عنيفة لتسارع أرقامها, وانفلات النفقات العامة بموازنة الدولة من أهم أسباب نموها, فالعجز المزمن في الموازنة يتحول في نهاية كل عام الى قروض تشكل مصدر تفاقمها بعد إعادة جدولة الأقساط وتسديد الفوائد او تدويرها، رغم تكلفتها الباهظة على الاقتصاد الوطني والمجتمع الأردني عامة, إلا إنها ازدادت بدلا من انخفاضها, واستنزف رصيد الدولة من أموال التخاصية بتسديد ديون دول نادي باريس ومع ذلك لم تفلح بتخفيضها, ويعتبر ملف المديونية من أهم المؤشرات العامة لتوجهات السياسة الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة.
وللتعرف على هذا الملف لا بد من نظرة سريعة حول نشوء المديونية ومراحل تطورها, حجمها وكيفية تشكلها وعبئها على الخزينة والمجتمع, خاصة اذا ما علمنا ان الزيادة التي تطرأ عليها سنويا لا تتجه نحو مشاريع تنموية تسهم بتكوين قيمة مضافة وتؤدي إلى تخفيض معدلات البطالة وتسهم بانحسار مساحات الفقر الممتدة في طول البلاد وعرضها خاصة المناطق الشرقية والجنوبية.

الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة المالية حول الدين العام الداخلي والخارجي تفيد بان الدين العام وصل في حزيران الماضي الى (9014) مليون دينار, بزيادة معدلها حوالي 78% عما كان عليه عام 1990 بعد انفجار الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر صرف الدينار امام العملات الأجنبية, فقد بلغت المديونية حينها (5064) مليون دينار وفق مصادر وزارة المالية جدول رقم (18) والمذيل بالعبارة التالية ” الأرقام للسنوات ما قبل عام 1990 غير متوفرة نظرا لاختلاف أسلوب الاحتساب” برزت أرقام المديونية للرأي العام بعد انفجار الأزمة الاقتصادية رغم شطب بعد الدول المانحة أجزاء من المديونية سواء من خلال الاتفاقية الموقعة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تم بموجبها شطب 772 مليون دينارا في الفترة ما بين 94-,97 او الاتفاقية الموقعة مع دول أعضاء نادي باريس لشراء ديونها باستثناء اليابان والبالغة (2250) مليون دولار بخصم 11% والتي نفذت في آذار عام .2008
الامر الذي أدى إلى انخفاض الدين الخارجي عام 2008 الى (1613) مليون دينار, وقد استخدم صافي عائدات التخاصية وقيمة أراضي ميناء العقبة لتغطية هذه الاتفاقية, ومع ذلك وبدلا من انخفاض الدين العام في عام 2008 ارتفع صافي الدين الداخلي بقيمة 1965 مليون دينار نتيجة اقتراض الحكومة عن طريق شراء سندات واذونات خزينة, فكانت النتيجة ارتفاع صافي الدين العام 352 مليون دينار في نهاية عام 2008 بدلا من الانخفاض, ورغم عبء المديونية الثقيل على المجتمع الأردني عامة وعلى الفئات الشعبية على وجه الخصوص, والمتمثلة بفرض ضرائب غير مباشرة مثل ضريبة المبيعات, الا ان المديونية تتصاعد عاما بعد عام, حيث يجري إعادة هيكلة للاقساط بأرقام فلكية لعدم قيام الحكومة بسدادها, ووصلت فوائد المديونية خلال السنوات العشر الماضية حوالي 3 مليارات دينار, اما نصيب الفرد من المديونية فقد بلغ 1462 دينارا حتى نهاية عام ,2008 أي كل طفل ولد لغاية هذا التاريخ يحمل هذا العبء من المديونية.

الصورة الماثلة أمامنا قاتمة, ابسط ما يقال ان الحكومة تتعامل مع ملف المديونية بلا جدية وان سياساتها تتحمل قسطا كبيرا من تراكمها لعدم ضبط نفقاتها, ورغم زيادة الإيرادات الضريبية بشكل ملحوظ بنسبة نمو 20%, 16%, 16% خلال الأعوام ,2007,2006 ,2008 الا ان النفقات الجارية شهدت انفلاتا غير مسبوق خلال الفترة نفسها فقد بلغت 3118 و3743 و4633 مليون دينار بزيادة نسبتها 26%, 21%, 24% على التوالي. النتيجة الطبيعية لهذه السياسة الاقتصادية تراكم العجز في موازنات هذه السنوات وغيرها من السنوات السابقة واللاحقة لتتم تغطيتها عن طريق سندات واذونات الخزينة التي أدت الى زيادة المديونية الداخلية بشكل كبير.
اما عام 2009 فقد شهد النصف الأول عجزا ماليا بحوالي 620 مليون دينار مع انخفاض بالإيرادات العامة تقدر بحوالي 337 مليون دينار, وزيادة في النفقات نتيجة تباطؤ الاقتصاد متأثرا بالأزمة الاقتصادية العالمية, والغريب بدلا من اتخاذ إجراءات وقائية لمواجهة الأزمة فالحكومة ماضية بتبديد الأموال وحرمان الخزينة من إيراداتها المشروعة وبالتنازل الطوعي عن قسم من إيراداتها لصالح كبار الرأسماليين بإصدار قانون لضريبة الدخل متحيز وغير دستوري من دون أي اعتبار للنتائج الكارثية.