في وداع شخصية اقتصادية

 

ان تفقد عزيزا غاليا قضيت معه اكثر من ربع قرن امر في غاية الصعوبة, وان يكون الفقيد شخصية اقتصادية مميزة وعامة فالامر اكثر صعوبة, نحن امام شخصية لم تأخذ حقها في المجال الاعلامي, ولم تكرم بمناسبة وطنية, لكن ذلك لم يقلل من شأن هذه الشخصية, قيل عن شخصية ابو صلاح محمد عاشور الكثير, جلها من الواقع وبعضها من الخيال, عمل هذا الرجل بصمت بعيدا عن الاضواء طيلة اكثر من ستين عاما, افنى حياته في مجال الابداع والانتاج الصناعي خدمة للوطن, نجح ابو صلاح وهو في مقتبل العمر بانتاج ما عجزت عن انتاجه الدول العربية في نهاية الاربعينيات, كما قام بتطوير مصنعه في الاراضي العربية المحتلة, في مواجهة الغزو الاقتصادي الاسرائيلي, ومنافسة الاسرائيليين في الضفة والقطاع في انشاء اكبر محطات لتشميع وتدريج وتلوين الحمضيات دون الاستعانة بأي خبرات اجنبية, وبطاقة انتاجية عالية, وقد شكل هذا التحدي استفزازا للاسرائيليين, كثيرا ما دفع ثمنه.

وفي اوائل الثمانينات قام ابو صلاح بانتاج مميز, بانشاء خطوط انتاج للمصانع, وعرض باكورة انتاجه في معرض المدينة الصناعية سحاب, وكان محط انظار واهتمام كافة الزوار من شخصيات رسمية ومهنية, وفي مقدمتهم المغفور له الملك حسين الذي عبر عن مفاجأته لوجود صناعة وطنية متطورة بتكنولوجيا عالية تضاهي الصناعات الاوروبية, وطلب من وزير الاقتصاد آنذاك جواد العناني الذي كان برفقته مع رئيس الوزراء احمد عبيدات بالاهتمام بهذا المنتج وبالصناعة الوطنية الواعدة, وصلت هذه المنتجات المزينة بعبارة »صنع في الاردن« الى معظم الدول العربية ومن بينها دول الخليج العربي ومصر واليمن.

الى جانب ابو صلاح هناك شخصيات اقتصادية هامة في هذا الوطن تستحق التكريم والعرفان, من عرف ابو جميل اصطفان الذي فقدناه قبل اكثر من عام, يقدر مدى الابداع الذي قدمه في حياته, قدم ابو جميل منتجا مميزا في مجال صناعة رديترات السيارات, وقد قيل الكثير عن ابداع هذا الرجل, الذي صمم وانتج اول مزرعة لتفريخ الصيصان في الخمسينات من القرن الماضي في سجن الجفر الصحراوي حيث كان سجينا سياسيا فيه, والذي تحول الى مركز تدريب مهني, وله العديد من الابداعات في سجله الوطني والمهني.

نحن في امس الحاجة للعناية والاهتمام بأمثال هؤلاء الرجال الذين تتوفر لديهم صفات ومزايا فريدة ليشكلوا العمود الفقري لتطوير الصناعة والاقتصاد الوطني, وتعزيز مكانة الانتاج السلعي في الاقتصاد, ولتغليب القطاعات المنتجة على القطاعات الاخرى بما يعزز مكانة الاردن اقتصاديا امام العالم ويسهم في معالجة البطالة.

لم يكن فقيدنا الغالي ابو صلاح مجرد مبدع في مجال الصناعة فقط, بل كان انساناً بكل المقاييس, تمتع بصفات نبيلة, وكان موضع احترام وتقدير من قبل الذين تعرفوا عليه, له الرحمة ولأسرته الكريمة وأبنائه الاعزاء مني كل العزاء.