عقب زيارته الاخيرة للبلاد قدم وفد صندوق النقد الدولي توصياته, كان ابرزها الطلب من الحكومة تقليص النفقات بمعدل 2% بالنسبة للناتج المحلي الاجمالي, وزيادة الايرادات 1.3% بالنسبة الى الناتج المحلي الاجمالي لتعويض ارتفاع الدعم الذي تقدمه الحكومة, واوصى وفد الصندوق بتخفيض العجز التجاري الذي وصل الى مستويات مرتفعة جدا, كما اوصى برفع الدعم عن المواد الغذائية والمحروقات.
تدرس ملاحظات صندوق النقد الدولي بعناية فائقة, ويفترض ان تكون مجرد ملاحظات ومقترحات وان لا تخرج عن ذلك, بعض هذه الملاحظات يمكن الاستفادة منها وبعضها قد لا تتناسب مع خصائص الاقتصاد الوطني, والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد, الا ان الحكومات المتعاقبة اخذت ملاحظات الصندوق والبنك الدوليين على شكل املاءات وتعليمات, فالمنظمات الدولية معنية بتخفيض عجز موازنة الدولة المدينة, لتتمكن من الوفاء بالتزاماتها تجاه الدول الدائنة, ولديها وصفة جاهزة تقدم الى كافة الدول, واهمها وقف الدعم عن الخدمات الاجتماعية والصحية, وتخفيض النفقات العامة واعادة هيكلة المؤسسات الحكومية وتحرير اسواق المال والتجارة.. وبعض هذه الشروط تصل الى درجة التوحش, لكن الحكومات المحلية تستطيع قبول او رفض بعض هذه الشروط وفقا للمصالح الوطنية, كما ان بعض الاجراءات التي تتم باسم التصحيح الاقتصادي قد تنطلق احيانا وفقا لمصالح واهواء بعض المتنفذين لاسباب لا تخلو من الفساد المالي, ومن المفيد الاشارة هنا ان من حق الحكومة ان تطرح برنامجها الوطني للاصلاح الاقتصادي بعيدا عن شروط الهيمنة الدولية في حال توفر الارادة السياسية, لا مانع من اخذ الملاحظات التي تسهم في تصويب الاختلالات الهيكلية للاقتصاد الوطني, ولندقق باهم المقترحات المقدمة.
1- ما يتعلق بتخفيض النفقات بمعدل 2% بالنسبة الى الناتج المحلي الاجمالي, قد يتوافق هذا الطرح مع المصالح الوطنية شريطة ان لا يكون هذا التخفيض على حساب الخدمات التعليمية او الصحية او الاجتماعية او دعم المواد الاساسية لكي لا يترك اثارا سلبية على الفئات الشعبية, وتستطيع الحكومة تخفيض نفقات لا تحتل اولوية لبلد يعاني من فقر وبطالة.
2- زيادة الايرادات بنسبة 1.3% بالنسبة الى الناتج المحلي الاجمالي, شهدت الايرادات المحلية ارتفاعا ملحوظا خلال الاعوام المنصرمة, وفي الشهور الخمسة الاولى من هذا العام بلغت الزيادة في الايرادات الضريبية 178.8 مليون دينار لتصل 1148.8 مليون دينار اي ما يعادل 1.6% الى الناتج المحلي الاجمالي خلال الشهور الخمسة فقط, وليس خلال عام كامل, وبذلك تكون الحكومة قد تجاوزت توصية الصندوق في هذا المجال.
3- تخفيض العجز التجاري, لا شك ان هذه التوصية تتوافق مع المصالح الوطنية للاقتصاد الاردني, حيث بلغ العجز التجاري »1594« مليون دينار خلال الشهور الاربعة الماضية من العام الحالي ما يدلل على اهمية التخفيض, ولا بد من الاشارة الى ان التدفقات الاستثنائية التي شهدتها البلاد من العملات الاجنبية وزيادة تحويلات المغتربين شكلت صمام امان للحفاظ على مستويات معينة من التوازن في الحساب الجاري, ان هذه التدفقات مؤقتة لا يمكن الاعتماد عليها بشكل دائم.
4- أما أهم التوصيات رفع الدعم عن المحروقات والمواد الغذائية، توصية كهذه لا تتوافق اطلاقا مع المصالح الوطنية، وتشكل ضررا فادحا ليس فقط على الفئات الشعبيه وعلى الامن الاجتماعي ايضا، خطوه كهذه سوف تسهم بزيادة إفقار الفقراء ودفع البلاد نحو أزمات اقتصادية وسياسية لا يحمد عقباها، لم تنطلي على احد مقولة تقديم الدعم لمستحقيه بعد الاجراءات العقيمه التي طبقتها الحكومة في المرحلة السابقة، والتي لم تسهم في تخفيف اثار ارتفاع الأسعار، ومع ذلك تعرض المستحقين الى عملية خداع حيث تم إلغاؤها نهائيا.