الموقف العربي الى اين..! ؟

فهمي الكتوت


للاسبوع الثالث على التوالي و غزة تغرق بشلال من الدماء, ابادة جماعية للمدنيين معظمهم من الاطفال والنساء, الاف الجرحى والشهداء, قنابل الفسفور الابيض تحرق الاطفال والكبار, مئات الالاف من المشردين بلا مأوى بعد تدمير منازلهم, انهيارات عصبية ناجمة عن الرعب والهلع والترويع, تدمير كامل للبنية التحتية من شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي, جرائم تقترف امام سمع وبصر العالم, والشاشات الفضائية تبث ادق التفاصيل كشاهد على جرائم العصر, يصاب المرء بالذهول من الموقف العربي, والذي يتراوح ما بين الصمت المطبق على هذه المجزرة الرهيبة, او العطف الانساني الذي لا يقدم للثكالى والمنكوبين سوى الامنيات, عدا عن الجهات التي تسعى لترويض المقاومة وادخالها بيت الطاعة صاغرة, اما قوات الاحتلال الصهيوني فبعد ان فشلت من تحقيق الاهداف المعلنة لحملتها العسكرية بتصفية المقاومة الفلسطينية, او تدمير بنيتها التحتية, فلا مانع من القبول بتجميد نشاطها وتأديب شعبها بعد سحق الالاف من الاطفال والنساء.
وعلى الصعيد الدبلوماسي فشل قرار مجلس الامن من وقف العدوان الاجرامي على غزة رغم ذهاب فريق من الوزراء العرب وفي مقدمتهم عمرو موسى الى نيويورك بهدف انتزاع قرار يجنبهم الاحراج امام عجزهم في مواجهة الازمة, لم يكن متوقعا احراز نتائج ايجابية من مجلس الامن, والسبب في ذلك ان الفريق العربي ذهب الى نيويورك بلا غطاء سياسي يتجسد بموقف عربي واضح ومحدد المعالم بالخطوات التي يمكن اتخاذها في حالة عدم استجابة امريكا للموقف العربي, بوقف فوري للعدوان والانسحاب من الاراضي الفلسطينية, لذلك جاء قرار المجلس مخيبا للامال, وعلق الموقف العربي الى اشعار اخر.. الى ما بعد انتهاء المجزرة.. ووضع الشعب الفلسطيني امام الخيارات الصعبة »قتل المدنيين او استسلام المقاومة« بهذه الكلمات يمكن تلخيص المبادرات المطروحة على الفلسطينيين وقف اطلاق النار وتهدئة لمدة اسبوعين مع وجود الاحتلال, للوصول الى اتفاق يتضمن تهدئة مدتها خمسة عشر عاما مع تعهد من قبل حماس وفصائل المقاومة بوقف اطلاق الصواريخ وتهريب الاسلحة, وتوفير ممرات اغاثة انسانية تمهيدا لفتح المعابر باشراف الاتحاد الاوروبي وتركيا ومصر اضافة الى السلطة وحماس, رفضت الجبهة الشعبية وبعض الفصائل هذه المبادرات ومن المتوقع ان ترفض حماس ومعظم الفصائل ما لم يطرأ تعديل عليها, صمود الشعب الفلسطيني رغم فداحة الخسائر والتضحيات الكبيرة ينطلق من ادراكه الى ان تصفية المقاومة الحلقة الرئيسية في تصفية القضية الفلسطينية.والغريب تأخير انعقاد القمة العربية لغاية الان, ومحاولات التفرد بمعالجة الازمة بعيدا عن موقف عربي موحد يثير الشبهات, مطلوب من القمة الخروج بقرارات حاسمة تجنيد الامكانيات كافة لحماية الفلسطينيين ووقف الجرائم, ان صمود المقاومة وتحديها للمحتلين يشكل جدارا مانعا لوقف الزحف الصهيوني وتمدده في مختلف الاتجاهات, ومن يراهن على انهيار المقاومة فهو واهم وليتذكر من فقد الذاكرة ان الحملات الصهيونية كافة التي استهدفت تصفية المقاومة, منها اجتياح لبنان عام 82 وحرب صيف عام 2006 على لبنان واجتياح الضفة الغربية, واخرها العدوان الهمجي على قلعة الصمود غزة لم تفلح في تصفية المقاومة, لم ينته دور المقاومة قبل كنس الاحتلال واستقلال فلسطين وتحرير ارضها وقيام دولتها وعاصمتها القدس وتفكيك المستوطنات وهدم الجدار وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ارضهم.   

سياستان ونهجان…

 

    رغم دخول الاسبوع الثالث على القصف الوحشي الاسرائيلي وبدء الهجوم البري على عدة محاور, ورغم الابادة الجماعية لاسر بأكملها, واستشهاد مئات الاطفال والنساء والشيوخ, وتدمير الحجر والشجر والبشر في القطاع, رغم كل ذلك, لم يحرك النظام العربي ساكنا, حتى مجرد انعقاد قمة عربية تم احباطها او تأجيلها الى ما بعد انتهاء العدوان..! مع العلم ان قمة النظام العربي ليس متوقعا منها سوى بيانات الشجب والمناشدة.. كيف يمكن وصف الموقف العربي.? هل هي مؤامرة لتصفية روح المقاومة? هل حان وقت اسدال الستارة عن المشهد الاخير للقضية الفلسطينية, هل ما يجري مقدمات لاعلان النظام الشرق اوسطي الجديد, والتخلي كليا عن الروابط الوطنية والقومية, الدور الايراني والتركي اكثر تأثيرا على الحدث في ظل العجز العربي, هل تعزف الجامعة العربية اللحن الاخير

اعتاد العرب في المنعطفات التاريخية مطالبة الجامعة العربية ودولها بتوحيد الصف والتصدي للعدو الصهيوني, ان مجريات الاحداث تكشف مرة اخرى اننا امام امتين وموقفين وسياستين, »مع تقديري للشعار التاريخي امة عربية واحدة« امة المقهورين والمقاومين والمنحازين بكل امكانياتهم وطاقاتهم بوجه المحتلين في فلسطين ولبنان والعراق, واخرى طريقها ليس طريقنا وخياراتها ليست خياراتنا, لا تتحرك الا عبر المؤثرات الخارجية, ولا تمت بصلة بالعروبة ومصالحها, هذا ما نشهده في هذه الايام في ظل العدوان الاجرامي الصهيوني على غزة, وهذا ما شهدناه اثناء اجتياح الضفة الغربية, واثناء العدوان على جنوب لبنان واحتلال العراق.

الغزيون يقتلون على مذبح الاستقلال والحرية واجسادهم تتناثر اشلاء, والنظام العربي يصم اذنيه, ويحرمهم حتى من الغذاء والدواء, بحجة ان غزة تحت الاحتلال, ولا يجوز فتح المعابر الا باذن من قوات الاحتلال كي يخضع لرقابتها! ويأتي الرد سريعا لا ينقصه الوضوح والسند القانوني, من الناحية القانونية الجانب المصري من المعبر اراض مصرية ومن حق مصر فتح حدودها, وهي ليست مقيدة بالشروط الاسرائيلية, وان لا شرعية للاحتلال في القانون الدولي, ويجب عدم الحديث عن شرعية اسرائيلية على المعابر من الناحية القانونية.

الصمود والتحدي الفلسطيني سوف يحبط المؤامرة الجديدة كما احبط سابقا المحاولات التصفوية كافة للقضية الفلسطينية, صمود غزة وهي غارقة بالدم.. نضالات غزة المتصلة ضد المحتلين الصهاينة سوف ترغم الغزاة على التراجع رغم شلال الدماءغزة قبرت اول مشروع للتوطين في اوائل خمسينيات القرن الماضي, وغزة سوف تقبر المشروع الجديد, لكن اولى علامات انتصارغزة تتحقق بالانفراج الكامل بالعلاقات الفلسطينية الفلسطينية ومن اجل ذلك على السلطة الفلسطينية قطع الاتصالات السياسية والامنية كافة مع العدو الصهيوني, وتجنيد امكانيات السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني عامة لصالح غزة وشعبها وقواها الوطنية والاسلامية في وجه الصهاينة, تصعيد نضال الجماهير العربية سوف يسهم بفرض وقائع جديدة على الارض لتغيير موازين القوى لصالح حشد قوى جديدة الى جانب المقاومين والمقهورين, اما الغضب الشعبي في عواصم العالم سوف يسهم ايضا بفضح الغزاة واتساع دائرة قوى السلم والحرية في العالم.