أربعون عاما على هزيمة حزيران

لآثار الكارثية التي خلفتها هزيمة حزيران على الوطن العربي عامة وعلى الشعب الفلسطيني خاصة لا يمكن حصرها, فهي بالإضافة الى النتائج المباشرة للحرب بسقوط ما تبقى من أراضي فلسطين وسيناء والجولان, وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من ارض وطنهم, بالإضافة الى كل ذلك فتحت الباب أمام هيمنة إسرائيلية على المنطقة بأكملها وخاصة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد.

لقد سجلت المرحلة الأولى بعد العدوان مباشرة, رفضا مطلقا للهزيمة, شعبيا بنزول الجماهير المصرية الى الشارع لرفض الهزيمة ورفض استقالة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر, وبروز حركة المقاومة الفلسطينية بقوة كرد فعل طبيعي على رفض العدوان والاحتلال, عربيا اللا آت الثلاث في قمة الخرطوم لا للصلح, لا للاعتراف, لا للمفاوضات. وتعبئة الجبهات العربية على طول خط المواجهة, والاشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي, وكانت اولى بشائر الصمود والتصدي في معركة الكرامة التي خاضها الجيش الأردني وحركة المقاومة الفلسطينية جنبا الى جنب, وسجلت ملحمة وطنية تستحق كل الإعجاب والتقدير, وتبع ذلك حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية الى ان جاءت حرب تشرين 1973 والتي حققت انتصارا عسكريا لا يستهان به, بتدمير خط برليف وعبور قناة السويس, الا ان مصر لم تحصد نتائج سياسية لهذه المعركة, وكانت النتيجة المؤلمة الدخول في نفق مظلم لم نخرج منه حتى يومنا هذا, نفق الحلول المنفردة مع ا لمحتلين الصهاينة, نجحت إسرائيل بالتفرد في البلدان العربية واوصلتنا الى أسوأ أنواع الحلول والتسويات السياسية في أوسلو ومن ثم في وادي عربة.

اتفاقية أوسلو حولت حركة المقاومة الفلسطينية الى سلطة تتقاسم الحكم مع قوات الاحتلال الإسرائيلي تقاسما وظيفيا, بعد ان حولت إسرائيل الأراضي العربية المحتلة الى جزر متقطعة الأوصال, ودخلت فصائل المقاومة في صراع وصل حد الاقتتال مما أدى الى سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى في تنافس على هذا “الحكم” “التقاسم الوظيفي” مع الاحتلال الإسرائيلي, اتفاقية اوسلو حولت القسم الأعظم من الشعب الفلسطيني من قوة شعبية مكافحة ضد الاحتلال, الى جمهور من الموظفين المدنيين والعسكريين يلهثون وراء رواتبهم المحرومين من استلامها نتيجة الحصار الظالم الذي تشارك به الدول العربية, اوسلو  تحول الصراع عن مساره الى صراع مع السلطة والجماهير الفلسطينية من اجل لقمة العيش, في حين تواصل إسرائيل سياسة القتل والتدمير والاعتقال وتقليع الأشجار.

اما فلسطينيو الشتات حدث ولا حرج, يكفي الحديث عن المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في لبنان وما يجري في مخيم نهر البارد, ومخيم عين الحلوة, يعاني سكان المخيمات عامة في لبنان من الفقر والبطالة والاكتظاظ السكاني وهم يعانون من فقر مدقع, ويمنعون من العمل في العديد من المهن والفروع التجارية ولا يتمتعون بأي ضمانات اجتماعية او حقوق مدنية ولا يحصلون سوى على قدر محدود من التعليم الحكومي ويعتمدون على مساعدات متواضعة من “اونروا” كوسيلة وحيدة لتوفير احتياجاتهم الاساسية, وقد ابتلي اهل المخيم بما يسمى بفتح الاسلام, هذه الحركة  التي نشأت على خلفية الصراع الدائر بين الإطراف اللبنانية لتوظيفها بمهام معينة ليس لأهل المخيم صلة بها او بهذه المهام, وتشير التقارير الصحافية ان البيت الابيض كلف دافيد ولش نائب وزير الخارجية الامريكي لشؤون الشرق الاوسط بتوجيه بعض اطراف الصراع في لبنان بتمويل مليشيات سنية عبرت المخيم قادمة من كل حدب وصوب, لمواجهة حزب الله, وذلك بعد هزيمة الجيش الإسرائيلي في تموز الماضي, ويقول الصحافي الامريكي كاونتر بانش, بان ما يجري في مخيم نهر البارد نتيجة خلاف ما بين الممولين وفتح الاسلام وتوقف الجهة الممولة عن صرف رواتبهم والتي تقدر بحوالي 700 دولار شهريا لكل فرد, وتبعها فضيحة سرقة المصرف, ومن ثم مجزرة نهر البارد للجنود اللبنانيين, انقلب السحر على الساحر, وبدأت معركة نهر البارد وامتد القتال الى مخيم عين الحلوة في صيدا بواسطة ما يعرف بجند الشام نتيجة اصرار الدوائر الامريكية على توسيع رقعة المعركة ودفع لبنان نحو الاحتراب وتهديد السلم الاهلي, والفلسطينيون ضحايا يدفعون الثمن باهظاً للمؤامرة الامريكية في المنطقة.

رغم مرور اربعين عاما على هزيمة حزيران لا يوجد في الأفق ما يشير الى امكانية ارغام المحتلين الصهاينة على الانسحاب من المناطق التي احتلتها عام 67 واقامت  عليها المستوطنات وجدار الفصل العنصري ومزقت الوحدة الجغرافية للأراضي المحتلة وحرمت الشعب الفلسطيني من اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة, واضح ان النظام العربي تخلى كليا من الناحية العملية عن اي اجراء يسهم بارغام المحتلين الصهاينة على الانسحاب, الم يحن الوقت لاجراء مراجعة شاملة للموقف العربي..؟ واتخاذ التدابير الكفيلة بارغام المحتلين الصهاينة على الانسحاب من كافة الاراضي المحتلة, وتسخير القدرات العربية الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية لتحقيق ذلك, وهنا لا بد من التذكير بالهزيمة التي لحقت بالجيش الإسرائيلي على ايدي حركة المقاومة اللبنانية, الم يحن الوقت لازالة آثار العدوان  الإسرائيلي.