![]() فهمي الكتوت 6/11/2008 بلغت النفقات العامة المقدرة في مشروع قانون الموازنة للعام المقبل 6155 مليون دينار وفق التقديرات الأولية للحكومة- ونشدد على التقديرات الأولية- كون الإنفاق الحكومي عادة لا يقف عند حد الموازنة المقدرة والمقرة من مجلس الأمة, فدرجت العادة ان تطلب الحكومة من المجلس الموافقة على ملاحق إضافية للموازنة, والنفقات العامة في المشروع تزيد على موازنة 2008 مقدرة بحوالي 930 مليون دينار, و 465 مليون دينار إعادة تقدير ,2008 سوف يتم توفير المال الإضافي لزيادة الإنفاق عن طريق زيادة الإيرادات الضريبية, حيث تقدر الإيرادات الضريبية لعام 2009 بحوالي 3257 مليون دينار بزيادة قدرها 390 مليون دينار عن عام 2008.
ومن المتوقع ان تغطي الإيرادات المحلية قيمة النفقات الجارية اما النفقات الرأسمالية والبالغ قيمتها حوالي 1365 مليون دينار سوف تعتمد الحكومة في تمويلها على 688 مليون دينار عن طريق القروض المحلية, و 684 مليون دينار منحا متوقعة حسب ما ورد في موازنة التمويل, وان كانت هناك شكوك بتحققها, وتظهر موازنة التمويل عزم الحكومة على اقتراض حوالي 2788 مليون دينار, منهم 74.681 مليون دينار قروضا خارجية, والباقي قروض داخلية, سوف تستخدم هذه القروض لإطفاء دين داخلي مستحق, وإطفاء سندات دين للبنك المركزي, وتسديد عجز الموازنة.
لا شك ان المديونية من اخطر ما يواجه الاقتصاد الأردني لعدم تمكن الحكومة الوفاء بالتزاماتها وتسديد الإقساط والفوائد بمواعيدها, فتتجه الحكومة نحو المزيد من الاقتراض لتغطية خدمات المديونية, الامر الذي يستنزف قدرات الخزينة اولا والمواطن ثانيا بصفته دافع الضرائب, ما يولد شعورا عاما بان السياسة الضريبية ليست اكثر من جباية, لم تنطلق فلسفة الضريبة من مبدأ اعادة توزيع الدخل بهدف تحقيق برنامج وطني اجتماعي يوفر الحماية للفقراء من الجوع والبطالة.
فتشير دراسة لدائرة الإحصاءات العامة ان 10 بالمئة من السكان لا يزيد دخل الفرد منهم على دينار واحد يوميا, وان تكلفة الخدمات الصحية والتعليمية أصبحت ترهق موازنة الأسر من مختلف الشرائح الدنيا والمتوسطة, كون جزءا مهما من الإيرادات الضريبية لا ينفق بالاتجاه الصحيح فعلى سبيل المثال ينفق أكثر من 9 بالمئة من النفقات الجارية على فوائد الديون, بينما ينفق على وزارة الصحة حوالي 7 بالمئة ووزارة التربية والتعليم 10 بالمئة, مما يشير الى ضخامة العبء الذي تشكله المديونية وخدماتها على المجتمع.
حاولت الحكومة إقناع الرأي العام انها خفضت عبء المديونية حين تم تسديد ديون دول نادي باريس من عائدات التخاصية والبالغ قيمتها حوالي 1.5 مليار دينار إضافة الى قيمة ارض ميناء العقبة بقيمة 355 مليون دينار, ليكتشف المواطن ان الديون الخارجية والداخلية المترتبة على الدولة وفق احدث تقرير للبنك المركزي الصادر في شهر أيلول الماضي 7842 مليون دينار علما ان قيمة الدين العام قبل تسديد دول نادي باريس في نهاية العام الماضي بلغ 8199 مليون دينار وبذلك بلغ الانخفاض فقط 357 مليون دينار, ما يعادل ثمن ارض العقبة وحدها ربما يتساءل البعض اين ذهبت عائدات التخاصية المليار ونصف المليار ..?
يتضح مما تقدم ان الحكومة اقترضت خلال العام الحالي هذه المبالغ لتغطية النفقات والعجز المتكرر والمدور, والسؤال المطروح اذا كانت الحكومة استخدمت عوائد التخاصية كافة لتغطية العجز المدور, ما هي مصادرها الجديدة لتغطية العجز المترتب على زيادة الإنفاق في الأعوام المقبلة خاصة اذا ما أضفنا تأثير المستجدات العالمية على الاقتصاد الأردني, فمن المتوقع انخفاض إيرادات الموازنة, فليس هناك ضمان باستمرار المنح كما وردت في الموازنة, كما ان الحكومة تبني سياساتها المالية على زيادة في الإيرادات الضريبية بحوالي 13 بالمئة علما ان كل التقديرات تشير ان انخفاضا ملموسا سوف يطرأ على النمو الاقتصادي, فما هي المعطيات التي استندت اليها في مثل هذه التقديرات وكيف نفسر تصريحات وزير المالية ان مشروع قانون الموازنة استجاب وتحوط للازمة المالية وأثرها على الاقتصاد الوطني, ويتحدث عن نسبة نمو اقتصادي للعام المقبل تتراوح ما بين 5 و 6 بالمئة, هل هذه التقديرات اخذة بعين الاعتبار آثار الأزمة على البلاد, وكيف استجابت الموازنة للازمة, هل بفرض ضرائب جديدة على المواطنين? رئيس الحكومة يقول واهم من يعتقد إننا بمنأى عن الأزمة العالمية ويشير الى الآثار السلبية على القطاعات الاقتصادية الحيوية كالصادرات الوطنية والسياحة وحوالات الأردنيين العاملين في الخارج, وبالتالي على النمو الاقتصادي بالمملكة وعجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات. وهذا صحيح وسبق وتناولته وأكدت عليه بمقال سابق في بداية الشهر الماضي في هذه الزاوية بعنوان »لمواجهة تداعيات الازمة الاقتصادية«.
وعلى اهمية الاستنتاجات التي توصل اليها رئيس الوزراء في حديثه مع النواب حول فشل سياسة اقتصاد السوق, والمساعي الامريكية لتعميم هذه السياسة على بلدان العالم, واثار ونتائج هذه السياسات وما أحدثته من ازمة مالية واقتصادية عالمية وآثارها على الاقتصاد الأردني, على أهمية هذه الاستنتاجات الا ان الاعتراف بهذه الحقيقة ليس كافيا, ان هذا السقوط المدوي لاقتصاد السوق وللرأسمالية المتوحشة ولليبرالية الجديدة المسميات المختلفة المسؤولة عن افقار المواطنين والتي دفعت الحكومات المتعاقبة الى اتخاذ الإجراءات الواسعة والتي طبقتها على الاقتصاد الأردني, ودفع المواطن ثمنا باهظا لهذه السياسات, هذه السياسات تحتاج الى وقفة جادة وإعادة تقييم بهدف تصويبها, لوقف معاناة الغالبية العظمى من ابناء المجتمع الأردني, ان رياح التغيير في العالم تعلن سقوط سياسات المحافظين الجدد والليبرالية الجديدة, سياسة الكوارث والويلات التي أحدثتها على العالم بما في ذلك على بلادنا, ينتظر المواطن الأردني ان يرى آثار سياسات جديدة على أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية, وان نجنب البلاد الكثير من آثار الإعصار الذي يهدد العالم, باتخاذ إجراءات وتدابير ملموسة لمواجهته, منها ما يتعلق بوقف سياسة الانفلات الاقتصادي, وحماية المواطنين من جشع التجار بوضع سياسات ثابتة لتسعير السلع والمواد الأساسية, ومراقبة تطبيق هذه السياسات, ومنها ما يتعلق بالإصلاح الضريبي الذي يؤدي الى زيادة إيرادات الخزينة من ضريبة الدخل »ضريبة تصاعدية«, وتخفيض ضريبة المبيعات على المواد الأساسية, وإلغائها عن مدخلات الإنتاج, ووقف سياسة الخصخصة على ما تبقى من قطاعات مملوكة للدولة, خاصة في المجالات الصحية التعليمية, اما ما يتصل بالموازنة.
لقد أصبح من الضروري تخفيض النفقات العامة, ووقف سياسة التمويل عن طريق الاقتراض, وتجميد المشاريع غير الحيوية التي ليس لها تمويل, وإعادة هيكلة الموازنة على أسس جديدة بإعطاء الأولوية للخدمات الصحية والتربوية, والبنية التحتية التي تخدم مشاريع إنتاجية وتجميد النفقات الرأسمالية المتبقية كافة والتي تعتمد بتمويلها على الاقتراض, ينبغي صب الجهد نحو مشاريع وازنة وإستراتيجية مولدة للدخل بالاعتماد على الثروات الوطنية, مثل هذه المشاريع وحدها التي تستحق الاقتراض لتنفيذها بالتعاون مع مستثمرين من القطاع الخاص. وليس لشراء الأراضي والأثاث والسيارات وبناء مجمعات حكومية وغيرها.
في سبيل الدفاع عن الوطن |
