سوء استغلال السلطة يولد الفساد, وينتشر الفساد عادة في المجتمعات الاكثر تخلفا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا, ومع ذلك لا حدود لهذه الافة حيث تظهر ايضا في الدول المتقدمة, وبات الفساد يشكل منظومة كاملة من المتنفعين والفاسدين, ويتربع على رأس هذه المنظمة طغاة السلطة والمال, اما الفرق بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة, ان امكانية مكافحته والتصدي له في الدول المتقدمة متاحة بشكل افضل, بحكم الشفافية العالية في دولة المؤسسات والقانون ونزاهة القضاء, ووجود مؤسسات ديمقراطية فاعلة قادرة على محاسبة الفاسدين وتقديمهم للمحاكم بغض النظر عن مواقعهم السياسية في السلطة التنفيذية, فقد اطاح الفساد بالعديد من الرؤوس وكان اخرها رئـيس البنك الدولي الذي اضطر للاستقالة من رئاسة اعلى هيئة دولية يعتبرها المحافظون الجدد في البيت الابيض في مقدمة المؤسسات الاقتصادية المعنية في مكافحة الفساد, لقد سمعنا الكثير عن فضائح الادارة الامريكية الغارقة بالفساد خلال العدوان الامريكي على العراق, وبريطانيا ليست افضل حالا, فما زالت فضيحة »اليمامة« المتعلقة بصفقة طائرات التورنيدو تتفاعل, حيث ادى تدخل رئـيس الوزراء البريطاني السابق بلير بوقف التحقيق في هذه القضية الى فضيحة اخرى.
مع ذلك تعاني الدول النامية اكثر من غيرها من انتشار الفساد داخل مجتمعاتها لغياب الديمقراطية, وسواء خضعت هذه الدول لانظمة دكتاتورية معادية للحريات بشكل مطلق, او تتمتع بهامش محدود من الحرية يسمح بتوجيه النقد الى بعض اوساط الطبقة الحاكمة, فالنتيجة واحدة والفارق مظهري احيانا, والضمان الوحيد للتصدي لمظاهر الفساد وسوء الادارة وجود مؤسسات ديمقراطية حقيقية فاعلة تتمتع بالتعددية السياسية وتداول السلطة وحرية الصحافة وتطبيق معايير الشفافية الدولية, وتستطيع تشكيل لجان تحقيق في قضايا الفساد, ومحاسبة المتسببين بالضرر العام, وتقديمهم للقضاء لينالوا جزاءهم, انطلاقا من مبدأ اساسي لا سلطة فوق سلطة القانون, وكشفت الدراسة التي اجرتها منظمة الشفافية العالمية على 163 دولة وهي منظمة عالمية غير حكومية مقرها برلين ان العراق الذي تفشت فيه اعمال العنف بعد الغزو الامريكي وهاييتي ومينامار وغينيا تعتبر من الدول الاكثر فسادا في العالم, ويليها السودان والكونغو وتشاد وبنغلاديش كما ضمت الدول التي حصلت على احسن درجات مكافحة الفساد: فنلندا وايسلندا ونيوزيلندا والدنمارك وسنغافورة والسويد وسويسرا.
اما الاردن فقد حصل على 4.6 نقطة في مجال مراعاة معايير الشفافية وقد حصلت الدول الاكثر نزاهة مثل فنلندا على 9.7 نقطة في حين حصلت الجزائر على 2.7 نقطة ومصر والمغرب 3.3 نقطة, وقد شهد الاردن مظاهر متعددة من الفساد المالي والاداري وكان ابرزها ما تعرض له الاقتصاد الاردني في اواخر ثمانينيات القرن الماضي من ازمة اقتصادية حادة ادت الى انهيار سعر صرف الدينار امام العملات الاجنبية, واغراق البلاد بالمديونية, نتيجة الفساد الذي كان مستشريا, ومن المعروف ان قضية بنك البتراء وحدها كلفت الخزينة 328 مليون دولار بالإضافة الى العديد من قضايا الفساد.