شكلت احداث نيسان لعام 1989 منعطفا تاريخيا ادخل البلاد مرحلة جديدة, اتسمت برفع الاحكام العرفية, وترخيص الاحزاب السياسية, جاءت التحركات الشعبية تعبيرا عفويا عن ارادة الشعب الاردني في التصدي لنهج وسياسة الحكومات المتعاقبة, التي ادت الى انفجار الازمة الاقتصادية نتيجة اغراق البلاد بالمديونية, وتعبيرا صادقا عن رفض الجماهير الشعبية في تحمل آثار الازمة الاقتصادية, ورفض للسياسة التي مورست عبر سنوات طوال من الاحكام العرفية, وعلى الرغم من الهبة الشعبية الواسعة التي انطلقت من الجنوب واتسعت لتشمل كافة انحاء البلاد الا ان الحركة الوطنية الاردنية لم تكن بوضع يسمح لها بالاستفادة من هذه الحركة الشعبية الجماهيرية العريضة, باتجاه تطويرها والوصول لنتائج افضل في مجال الاصلاح السياسي وتحقيق الديمقراطية.
كان امام السلطة خياران لمواجهة الازمة الاول مواصلة سياساتها العرفية, والتصدي لكافة التحركات الشعبية, الا ان هذا التوجه كان مشروطا بنجاحها في الحصول على مساعدات عربية واجنبية لمواجهة الازمة الاقتصادية الحادة التي اكتوى بنارها الشعب الاردني عامة والفئات الشعبية على وجه الخصوص, فوجدت الحكومة نفسها وجها لوجه امام فئات شعبية مسحوقة, وفشلت المحاولات للحصول على مساعدات اضافية لمواجهة الازمة, ووصل هذا الخيار الى طريق مسدود مما ادى الى اقالة الحكومة باعتبارها المسؤولة عن الازمة الاقتصادية, والتوجه نحو الخيار الآخر الذي انطلق من فكرة اعادة الحياة الدستورية للبلاد, واجراء انتخابات نيابية واصدار قانون لترخيص الاحزاب السياسية والافراج عن المعتقلين, وتحميل المجتمع بأكمله مسؤولية الخروج من الازمة الاقتصادية, والتعامل معها كأمر واقع, واحتواء الحركة الشعبية وامتصاصها.
تزامنت عودة الحياة الدستورية للبلاد واجراء الانتخابات النيابية والغاء الاحكام العرفية وصدور قانون الاحزاب السياسية مع المتغيرات الكبيرة التي شهدها العالم في العقد الاخير من القرن الماضي والمتمثلة بانهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط انظمة الحكم في شرق اوروبا وانهيار الانظمة الشمولية, وقد اعتقد البعض ان رياح التغيير التي شهدها العالم في شرق اوروبا, تمثل ظاهرة ايجابية يمكن الاستناد اليها بأحداث تطورات ملموسة باتجاه الديمقراطية في بلادنا, الا ان ذلك لم يحدث, واستبدلت الانظمة الشمولية بأنظمة ليبرالية مع ميل عام نحو الديكتاتورية احيانا, وادت هذه السياسات الى افقار شعوب هذه البلدان, كما رضخت معظم هذه الدول لشروط الامبريالية الامريكية, وتحولت بلادهم الى قواعد عسكرية للامريكيين.
في ظل هذه الظروف الدولية والاقليمية والمحلية جرى الانفتاح السياسي في البلاد, وتشكلت المرحلة الجديدة وتم الغاء الاحكام العرفية, واجراء الانتخابات النيابية, الا ان صدور قانون الصوت الواحد للانتخابات النيابية, شكل حالة ارتداد عن التوجه الديمقراطي, حيث افرز هذا القانون برلمانات صادقت على المعاهدات واصدرت القوانين المقيدة للحريات العامة, وكان آخر انجازات هذه المجالس اصدار قانون جائر بحق الصحافة يتضمن عقوبة الحبس للصحافيين.