مشروع قانون ضريبة الدخل يعمق التشوهات الهيكلية للاقتصاد ولا يحقق الإصلاح الضريبي

اعلن رئيس الوزراء في لقاء مع رؤساء النقابات المهنية ان مجلس الوزراء اقر الملامح الرئيسة لمشروع قانون ضريبة الدخل, ولم يقر بعد التفصيلات الدقيقة التي يشتمل عليها القانون, ومن باب التذكير المشروع المقدم من مجلس الورزاء هو المشروع الثاني خلال اقل من عام حيث صدر الاول بصيغة قانون مؤقت في 30/11/2005 كان مفترض ان يكون ساري المفعول في 1/1/,2006 الا ان الحكومة سحبت القانون بعد رده من مجلس النواب على اثر الحملة الواسعة التي شنتها الهيئات الشعبية والنقابية والصحافية الالغائه لاعتبارات دستورية واخرى جوهرية تتعلق في مضمون القانون.

من الناحية الدستورية الحكومة تتوجه حاليا لطرح المشروع على الدورة الاستثنائية لمجلس النواب للمرور بمراحله الدستورية, اما ما يتعلق بالمضمون يمكن تحديد ابرز النقاط الضرورية بهدف تحقيق اصلاح ضريبي:

– تحقيق العدالة الاجتماعية باعفاء ذوي الدخل المحدود من الضريبة, وتخفيف العبء الضريبي على الفئات الوسطى, وزيادة مساهمة الفئات العليا.

– المساهمة في زيادة ايرادات الخزينة.

– الاسهام في تصويب الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الاردني بتعزيز دور القطاعات المنتجة.

لنرى مدى استجابة المشروع الجديد لهذه الاهداف, ولكي لا نغرق في التفاصيل لا بد من تناول القضايا المركزية, تنص الفقرة الثانية من المادة »16« من مشروع القانون »تستوفى الضريبة من الدخل الخاضع للضريبة لأي شخص معنوي او شركة بنسبة 20%« بمعنى تخفيض الضريبة عن الدخل المتأتي من البنوك والشركات المالية من 35% الى 20% وكذلك تخفيض الضريبة عن الدخل المتأتي من شركات التأمين والصرافة والاتصالات والخدمات التجارية من 25% الى 20% وبالمقابل زيادة الضريبة عن الدخل المتأتي من قطاعات التعدين والصناعة والفنادق والمستشفيات والنقل والمقاولات الانشائية من 15% الى 20%.

اما البند (13) من المادة (7) والمتعلق بالدخل المتأتي من الارض المستثمرة من الزراعة والبستنة وتربية الماشية والدواجن والاسماك… والمعفاة بموجب القانون الحالي فقد اخضع المشروع هذا الدخل للضريبة.

التعديلات المبينة اعلاه اخطر ما يتضمنه المشروع المطروح, سواء ما يتعلق بزيادة العبء الضريبي على الصناعة, او تحميل الزراعة عبئا ضريبيا لاول مرة بتاريخ البلاد, اما اغرب ما يتضمنه التعديل فهو تخفيض مساهمة القطاعات المصرفية والمالية والتأمين والاتصالات والخدمات التجارية دون اي مبرر, فالاصلاح الضريبي يقتضي زيادة مساهمة هذه القطاعات في ايرادات الخزينة وليس العكس, خاصة وان هذه القطاعات تحقق ايرادات عالية, علما ان هذه القطاعات كانت تخضع ايراداتها لنسبة 50% قبل تعديل عام 2001 والمشروع يطرح تخفيضها الى 20%, نريد تفسيرا منطقيا واحدا لهذه الاجراءات غير المفهومة, والتي لا تحقق اصلاحا ضريبيا, وتشكل ضررا على الاقتصاد الوطني, بشرط ان لا نتذرع بأي اسباب غير وطنية ومحلية وان لا نحمل الهيئات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية او غيرها مسؤولية دفعنا لاتخاذ مثل هذه الخطوات, خاصة اذا ما علمنا ان نتائج كارثية سوف تحل بالاقتصاد الوطني في حال تطبيق هذه التوجهات الحكومية وهي:

من المعروف ان الميل العام لدى المستثمر التوجه نحو القطاعات غير المنتجة لضمان تحقيق ربح اعلى واسرع واقل مخاطرة, وتسعى الحكومات لجذبهم نحو قطاع الانتاج بتعظيم مزايا الاستثمار في هذه القطاع وخاصة الصناعة والزراعة, وفي حال اختفاء هذه المزايا التي يحصل عليها بموجب القوانين السارية المفعول من الغاء الاعفاء الضريبي بموجب قانون تشجيع الاستثمار, والغاء اعفاء الصادرات الوطنية, وزيادة ضريبة الدخل على الصناعة, سيضعف قدرة القطاعات المنتجة على المنافسة.

فما هي النتيجة المترتبة على السياسات الضريبية المطروحة:

1- تعريض اقسام من الصناعة الوطنية لخطر التصفية والافلاس وخاصة التي اقيمت بهدف التصدير, لعدم مقدرتها على منافسة المنتجات الاسيوية والعربية رخيصة التكلفة, مما يضعها امام خيارات الافلاس او الانتقال الى قطاعات غير منتجة او البحث عن دول اخرى جاذبة لاستثماراتها, مما يؤدي الى زيادة البطالة.

2- زيادة الاعتماد على الاستيراد لتوفير الاحتياجات الضرورية للمجتمع من مواد استهلاكية, الامر الذي يؤدي الى ارتفاع عجز الميزان التجاري في ميزان المدفوعات, علما ان العجز وصل الى درجة خطيرة جدا تستدعي التوقف عندها لمعالجتها بدلا من تعميقها.

تشير المعلومات الوارادة في التقرير السنوي للبنك المركزي ان العجز بلغ (3556) مليون دينار (39% من الناتج المحلي الاجمالي) مسجلا زيادة نسبتها 48.5% عن عام ,2004 وقد ادى تفاقم عجز الميزان التجاري الى ارتفاع عجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات بشكل قياسي بلغ (1640) مليون دينار.

3- تخلي الدولة بشكل طوعي عن جزء هام من ايراداتها دون اي مبرر مما يفاقم عجز الموازنة, الامر الذي يدفع الحكومة للبحث عن مصادر جديدة للدخل, وحسب التجارب السابقة ونمط تفكير اصحاب القرار فالتوجه سيكون نحو توسيع مظلة ضريبة المبيعات لتشمل كافة المواد الغذائية ورفع نسبتها, والضحية هنا الفئات والشرائح الفقيرة في المجتمع.

4- سوف تؤدي السياسات الضريبية المطروحة الى تعميق تشوهات البنية الهيكلية للاقتصاد وانخفاض النمو الاقتصادي في القطاعات الانتاجية, لصالح القطاع التجاري وسيكون لذلك اثر بالغ على ارتفاع معدلات البطالة, يكفي الاشارة الى ان توظيف مليون دينار في القطاع الصناعة قد يوفر حوالي 50-70 فرصة عمل بينما توظيف نفس القيمة في قطاع تجاري وخدمات لا يوفر اكثر من 10-15 فرصة عمل.