الورقة التي قدمتها للندوة الحوارية حول مستجدات الازمة السورية
التي عقدت مساء 25-10-2015 في المنتدى العربي في عمان
بينما كانت الطائرات العسكرية الروسية تواصل تعزيزاتها في الأراضي السورية، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يواصل مشاوراته مع نخبة من قادة العالم. اختتمت بلقاء مع الرئيس الأميركي، بعد خطابه في الأمم المتحدة. كان واضحا ان بوتين يمهد لقرار روسي وشيك، وأن روسيا تقف على بعد خطوة واحدة، من إعلان المشاركة في الحرب على الإرهاب. وكان اخر ما في جعبتها، دعوة بوتين لتشكيل جبهة من “سوريا والأردن والسعودية وتركيا” لمواجهة الإرهاب؛ التي وصفها المعلم بانها تحتاج الى معجزة، كانت الخطوة الأخيرة لروسيا قبل التحرك العسكري.
حسمت روسيا موقفها بعد تجاهل الجهات المعنية، بالتصدي للإرهاب، وبدأت حملتها العسكرية مستندة لرؤية سياسية واضحة، في مواجهة الحركات الظلامية التي تسيطر على مناطق شاسعة من الأراضي السورية والعراقية.
أطلقت الدبلوماسية الأميركية؛ تصريحات متناقضة، عكست حالة الارتباك الناجمة عن وجود القوات الروسية في المنطقة، وما تسببه طائرات الاستطلاع الروسية، من فضيحة سياسية للموقف الأميركي المتواطئ مع الارهابيين، الذين يتحركون على أرض مكشوفة، منذ تشكيل التحالف، في اب عام 2014.
في المقابل؛ ظهرت الدبلوماسية الأوروبية مترددة. فهي في الوقت الذي تعاني من استمرار الهجرة السورية، التي أصبحت تشكل عبئا على الدول الأوروبية، في ظل الازمة المالية والاقتصادية التي تواجهها، بنفس الوقت؛ تعاني من ضغوط أميركية متواصلة. ومع ذلك فإن بعض العواصم الأوروبية، الأكثر تضررا من تدفق اللاجئين، لم تعد تراهن على الحليف الأميركي في تسوية الازمة السورية.
أمَّا الموقف الروسي؛ ينبغي قراءته بموضوعية؛ فنحن لسنا امام موقف سياسي أيديولوجي، كالمواقف السوفيتية السابقة، ومع ذلك؛ هناك مصالح استراتيجية مشتركة بين روسيا وسوريا، وهنا اود ان ابين ما يلي:
مع استمرار الازمة المالية والاقتصادية العالمية، برزت ملامح قطب جديد في العالم، ليس على اسس ايديولوجية، بل استنادا للمصالح الاقتصادية، فقد تجمعت القوى الاكثر تضررا من تحالف الاحتكارات الرأسمالية، بقيادة الصين وروسيا لتشكل محورا جديدا. بعد ان احتلت الدول الصاعدة موقعاً متقدماً في الاقتصاد العالمي. ما اسهم باستمرار الازمة في المراكز الرأسمالية، ونظرا لعدم إمكانية شنِّ حرب كونية على الدول الصاعدة كما حصل في الحربين الأولى والثانية لإعادة هيمنة المراكز الرأسمالية على الاقتصاد العالمي، برزتْ نزعات فاشية لدى اميركا، تمثلت باحتلال العراق وليبيا وتقسيم السودان وتدمير سوريا، ووظفت “تيارات ظلامية”، لتكون مبرِّرا للتدخل الاجنبي في المنطقة، لتفتيت النسيج الاجتماعي، واقامة كيانات سياسية مذهبية طائفية، وتصفية المقاومة اللبنانية والفلسطينية، تمهيدا؛ لتصفية القضية الفلسطينية، واعتبار المنطقة العربية منطقة نفوذ أميركي في مواجهة الصراع الدائر بين الاتجاهين المشار اليهما، والإبقاء على اقتصادات المنطقة ضمن نفوذ الاحتكارات الرأسمالية. لما تحتله المنطقة من أهمية خاصة فهي تجمع بين النفط والغاز والممرات الدولية، وهي سوق كبير، لاستهلاك منتجات الاحتكارات الرأسمالية، وخاصة احتكارات السلاح للخروج من حالة الركود.
تمكنت الدول النامية من اختراق الجدار، الذي كان يشكل سدًا منيعًا في وجه التنمية الاقتصادية الشاملة لبلدان العالم الثالث، بعد غياب الاتحاد السوفيتي، وفي ظل التقسيم الدولي للعمل الذي كان سائدًا، في الإبقاء على الدول النامية في القارات الثلاث، دولا مستهلكة، فقد أصبحت مجموعة دول بركس دول منتجة ومنافسة للمنتجات الغربية، مستفيدة من إزالة الحواجز الجمركية لتسهيل انسياب السلع بين دول العالم كافة، التي شرعتها منظمة التجارة العالمية، لصالح المراكز الرأسمالية؛ هذا السلاح الذي اُريد له ان يستخدم لصالح الاحتكارات الرسمالية، أصبح احد أسباب تفاقم الازمة الرأسمالية.
كما استطاعت الصين مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، بمعدلات نمو مرتفعة، واحتلت المركز الثاني في الاقتصاد العالمي، وقادت الدول الصاعدة باقتدار في الحفاظ على اقتصاد متوازن، وشكلت مع روسيا والبرازيل والهند وجنوب افريقيا تكتلا اقتصاديا عالميا “بريكس” وانشأت بنك التنمية الاقتصادية، الذي يعتبر رديفا للبنك الدولي، كما أنشأت البنك الآسيوي للاستثمار، محققة نجاحا اقتصاديا ودبلوماسيا كبيرا، باجتذاب معظم الدول الأوروبية بما فيها المانيا وبريطانيا للمساهمة في البنك، كما تعمل الصين بخطوات ثابتة ومتأنية نحو تدويل العملة الصينية، وهي تملك اكبر احتياطي من العملات الاجنبية في العالم.
ومع صمود الجيش السوري، وصمود الدولة السورية في وجه أشرس هجمة امبريالية من قبل الثالوث (الأطلسي الصهيوني الرجعي) الذي جند الحركات الظلامية المتطرفة، وعطل حل الازمة السورية بالطرق السلمية؛ فقط لاستنزاف الدولة السورية، بذريعة رحيل الأسد، علما ان الدولة السورية هي المستهدفة، بسبب دعمها واحتضانها للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، ورفضها الدخول في نفق التسويات المنفردة مع العدو الصهيوني، خاصة بعد إخراج مصر من الصراع، وتدمير العراق. عملا بمقولة كسنجر؛ “لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا”، كما ان سوريا الدولة العربية الوحيدة التي تتمتع بالاكتفاء الذاتي، فلم تقع بفخ المديونية، وهي تنتج القمح، ولا تمد يدها لصندوق النقد الدولي. فاذا كانت سوريا مستهدفة، فأن روسيا التي تقوم بدور القيادة السياسية لمجموعة بركس مستهدفة أيضا، بدءا من سياسة التوسع الأطلسي على حساب المصالح الروسية، مرورا بالأزمة الأوكرانية، وانتهاء بمعركة الغاز التي تستهدف المصالح الاقتصادية الروسية.
فان المعطيات الإقليمية والدولية انفة الذكر، تشكل خلفية للتحالف السوري الروسي، كما تشكل أساسا للصراع الحاد على سوريا، ويمكن تناول اخر مستجداتها بما يلي:
1- دخلت الأزمة السورية مرحلة خطيرة، تمثلت بهيمنة الأجنحة الأكثر تطرفا في المعارضة المسلحة من تفريخات القاعدة من (داعش، وجيش الفتح) والأخير؛ تشكل من النصرة واحرار الشام وجند الأقصى وجيش السنة وغيرها من المنظمات الإرهابية، بعد استنزاف وتآكل ما يسمى بالمعارضة المعتدلة، والتي استُنزفت من خلال ضربات الجيش السوري، وتم تصفيتها لاحقا من قبل “داعش والنصرة”، وإلحاق ما تبقى منها بإحدى المنظمتين.
2-تخشى روسيا من تداعيات الاستنزاف، وآثاره على الدولة الروسية نفسها، من خطر تمدد الإرهاب وانتقاله إلى الأراضي الروسية، خاصة بعد ما بايعت الحركات الإسلامية في القوقاز “الشيشان وداغستان وانغوشيا” أبو بكر البغدادي، وأصبحت جزءا من “تنظيم داعش”. مع وجود الاف المسلحين من روسيا واسيا الوسطى يقاتلون مع العناصر المتطرفة في كل من سوريا والعراق، لذلك؛ تخشى روسيا والصين من انتشار الحركات الظلامية في آسيا الوسطى وشمال شرق آسيا، من ارتدادات العنف والفوضى.
3-هناك مصالح روسية استراتيجية سياسية واقتصادية في المنطقة عامة، وفي سوريا على وجه الخصوص، سوريا كانت وما زالت، حليفا استراتيجيا لروسيا، امتدادا للتحالف مع الاتحاد السوفيتي، ولا ترغب روسيا بأن تصل الأزمة السورية إلى نهايات الأزمة الليبية، بعد خمس سنوات من القتال، واستنزاف الطاقات البشرية والمالية والاقتصادية السورية، مما يُفقدها تواجدها في المنطقة، ويعرض مصالحها الاقتصادية للخطر.
اما السؤال الهام؛ هل دخول روسيا عسكريا، يوفر معطيات جديدة لتحقيق تسوية سياسية للازمة السورية، تضمن وحدة الأرض السورية، وتحافظ على الدولة السورية ومؤسساتها؟ علينا ان نجيب سويا على هذا السؤال.
اما انا أستطيع القول؛ ان واقع الازمة السورية حاليا، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الحملة العسكرية الروسية، وفي ظل الموقف الرسمي للدول الصاعدة، وسعيها الحثيث لإفشال التفرد الأميركي؛ أفضل حالا مما كانت عليه قبل 30 سبتمبر.
وهذا لا يعني ان التحالف الامبريالي الرجعي يسلم بهزيمة، فالولايات المتحدة الأميركية أرسلت منذ ايام أطنانا من الأسلحة، لما يسمى بالمعارضة المعتدلة، كما رفضت الولايات المتحدة وبريطانيا التعاون مع روسيا، في تقديم معلومات عن مواقع الأهداف التي يجب ضربها في سوريا، للقضاء على “داعش”. لكن الجديد ان الأوربيين وخاصة المانيا، أصبحوا أكثر قبولا بالدور السياسي والعسكري الروسي، في الازمة خشية من تمدد الإرهاب للقارة الأوروبية، وان تركيا غارقة بأزماتها الداخلية، كما ان السعودية تعيش أزمات مركبة، واستجاب الأردن للدعوة الروسية بالتنسيق العسكري، وان مظاهر التحالف ضد سورية اخذة بالتراجع والتفكك.
25/10/2015